الرئيسية / العدد العشرون / سوناتا الوجود

سوناتا الوجود

مجاهد 1

مجاهد علي الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

تنظر اليه بإندهاش ، تتأمله و هو يتقافز في حوش المنزل ، يضحك ، يثرثر مع إخوته المشاكسين،  يحكي بحماس عن يومه الأول في الروضة ، عن الألعاب التي لعبها و إسراء التي تعرف عليها ، بلغة ذات تعرجات جميلة تزينها لكنة في نطق حرف الراء ، تلتقي بعينيه الملائكيتين ، تنبعث منه نفس النظرة التي لم يغيرها شئ ، نظرة شخص يمكث في غرفة مظلمة و يرقب ضوء يتسرب من ثقب وحيد في سقفها ، تذكرها ذلك اليوم ، تسيل دمعة وحيدة علي خدها الأيمن ، تنقسم عند اسفل ذقنها الي نصفين، نصف حزين و اخر سعيد، سعيد جداً .

خرجت الى العمل بعد أن أستيقظ الفجر متثائباً من نوم عميق وغسل وجهه بخيوط الصباح الأولى ، حاملة معها بعض الأشياء الإعتيادية – التي تحملها أي ست شاي – في كيس شائخ ، بدأ يتأكل كأي شئ آخر يهتريء من كثرة الإستعمال ، وهي في طريقها الى المحطة سلمت علي عم الفكي الجالس علي مصلايته ، كأنه هناك منذ الأزل يتمتم ببعض الأوراد والأذكار عقب فراغه من صلاة الصبح .

وصلت الي مكان عملها ، تلك الراكوبة التي شيدت في الركن الشمالي الشرقي لذلك المبني المقابل لجامع سوق سته الكبير، بدأت في طقوس العمل ، كنست المكان بخفة فراشة ، أشعلت النار في الموقدين ؛ النارالتي أطفأ إشتعالها عوز وفقر السنوات الماضية ؛ فبعد تحليق روح زوجها في إحدى الصباحات دون سابق إنذار – مخلفاً وراءه بنتين وولد – بدأت سماء محنتها تمطر بغزارة ، كان أول ذلك المطر هو السؤال الملح : ما العمل الآن ، وليس انتهاءاً بسيل الكشات ، وبذاءات بعض الزبائن التي تصيبها بالقرف .

ذهبت إلى اجمالي الفوراوي لتحضر حصتها اليومية من السكر والشاي بالإضافة الي دسته كبابي جديدة ؛ إستوجبتها شهرة قهوتها التي بدأت تضرب أرجاء السوق ، ” القهوة عند سيسيليا يا بلاش ”  كما يقول الزبائن ، إنتبهت وهي عائدة من الإجمالي لكرتونة جميلة الشكل ؛ كالتي تقدم فيها الجاتوهات ، تقبع في ركن الحائط الملاصق لراكوبتها ، ازالة عنها الغطاء ، علا صوت صرختها مختلطاً مع ايقاع تكسر الكبابي، تسمرت في مكانها جاحظة العينين كصنم اغريقي ، هرولت زينب – بائعة المأكولات – إليها ، قطع الفوراوري الشارع الأسفلتي في خطوة واحدة ، ضربها علي خدها ، أفاقت من دهشتها ، سحبها الي داخل الراكوبة و هي نصف ميتة ، حملت زينب الطفل الذي يرضع إبهامه و لحقت بهم ، جلست علي الكرسي بسرعة، اخرجت ثديها و أرضعته ، افرغه الي اخر قطرة حليب فيه ؛ كان يرضع بجوع مصاص دماء، أرضعته الآخر ثم نام .

” اشربي القهوة ما تبرد “

بهذه الجملة سحبتها زينب من بحر الذكريات ذاك ، ثم أردفت قائلة وهي تستعدل في جلستها على السرير :

” عيسي بقي صبي “

وافقتها بإيماءة من رأسها و نصف ابتسامة ، وهي تفكر بالقصة التي سترويها له عندما يبلغ العشرين من العمر .

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

اترك تعليقاً