الرئيسية / العدد العشرون / مقاربات: تحت تأثير “زوربــا”

مقاربات: تحت تأثير “زوربــا”

d8b2d988d8b1d8a8d8a7

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

متمرد, فوضوي, جرئ, شاعر, ساخر, ممتعض, بسيط وتلقائي, صاحب مزاج غاضب, وبصيرة حادة, ونفس حرة, وقلب حي, ووعي بكر, وقوة متجددة. شهواني يحب الحياة ولا يؤمن إلا بها, والإله عنده حقيقة لا يمكن إثباتها أبداً, والشيطان عنده متجسد في الإرادة والرغبة… هكذا, وفي براعة كاتبٍ وشاعرٍ وفيلسوف, يصور لنا نيكوس كزانتزاكيس شخصية “زوربا” أو “مجرفة الفرن” أو “ميلديو”.

ألقت الصدفة بذرة هذه الرواية في العقل الخصب للشاب المثقف نيكوس عندما قابل زوربا, ونال إعجابه. ثم طلب منه زوربا أن يرافقه ووافق. وهنا يبدو لي هذا اللقاء مثل لقاء النبي موسى مع الخضر, اللقاء الذي خلّد للبشر دروساً إلى يومنا هذا. فالأفعال الغرائبية –كخرق السفينة- لا تعني دائماً تعمُّد تسبيب الضرر ويمكننا أن نتفهم ذلك, ولكننا قد لا نتقبل بسهولة قتل غلام كما لم يتقبل موسى ذلك, إلا عندما نعرف الحكمة الربانية فيبطل العجب. ينطبق ذلك على تصرفات زوربا.

وتتشابه كثيراً من أحداث الرواية مع قصة موسى؛ إذ كان لقاء موسى مع الخضر صدفة من تدبير الخالق, كذلك لقاء زوربا والراوي. و انتهت الرفقة بفشل موسى إلتزام الشروط التي اشترطها عليه الخضر, وانتهت رفقة الرواية بفشل زوربا في مساعدة الرئيس في استثمار أمواله. أما من ناحية الصفات الشخصية فنجد أن موسى كان نبياً, وقد أنزلت عليه “التوراة” ولم يكن أمياً, وتلك الصفات تشابه إلى حد ما شخصية الراوي المثقف الذي يحب الكتب, ويقرر مواصلة ما كتبه “بوذا”. أما شخصية الخضر من حيث الغرائبية والحكمة, ورغم أنه لم يكن أمياً أيضاً, وباستثناء العقيدة؛ فتشابه شخصية زوربا, حيث أن الله قد نفث في روعه الحكمة وحسن التصرف, والغموض الذي لم يفهمه موسى إلا بعد أن انتهى لقاءهما, مع إعجابه به. فالراوي أيضاً لم يفهم كثيراُ من آراء زوربا مع أنه معجب بتصرفاته.

“إن طبقات السماء السبع, وطبقات الأرض, لا تكفي لكي تحوي الله, أما قلب الإنسان فيستطيع أن يحتويه…”

هذا المنحى الإيماني للراوي, والذي يناقض إتجاه زوربا الملحد؛ نجده في معنى الحديث القدسي, الذي يقول فيه تعالى ما معناه “لم تسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن” يؤكد –في نظري- أن كاتب الرواية الباحث الفيلسوف, لابد أنه اطلع على التراث الإسلامي بعمقٍ وتفكُر, ثم آمن به, إلم يكن آمن بالإسلام كدين.

إن الراوي وزوربا نقيضين تماماً, سلوكاً, وعقائداً, وفكراً. حيث زوربا ملحد, ولكن إلحاده ينطلق من فهم الحياة بصورة مغايرة, لا من إشكاليات وجود الله أو معرفته, أو كردة فعل على القدر, أو إضطرابات نفسية أو إجتماعية. وإذا علمنا أن الراوي قام بترجمة كتاب “هكذا تكلم زرادشت” للفيلسوف الألماني “فريدرتش نيتشه” إلى لغته اليونانية؛ فلابد أنه أيضاً ألمَّ ببعض تفاصيل حياته, وعلم أنه فشل أن يكون ملحداً, ملحداً حقيقياً, الملحد الذي جسده الكاتب في شخصية زوربا.

ومن النقائض نجد أن زوربا كان أمياً, لكنه حكيم, لدرجة أنه يسخر من المثقف, الذي يتجسد في نيكوس, ويصفه “بقارض الكتب” ويقول مخاطباً هذا المثقف: “كتبك تلك أبصق عليها, فليس كل ما هو موجود, موجود في الكتب”. وللحق فإن كنتُ سأقتنع بتفاهة القراءة واعتزالها؛ ففي هذه الرواية ما يقنعني, إذ تبدو المعلومات التي حصّلَها الراوي من كثرة قراءاته للكتب ليست ذات جدوى أو فائدة. ولكن نيكوس نفسه كي يقنعني برأيه ذاك استخدم الطريقة ذاتها, كتب هو وقرأتُ أنا!

إن عبارات من شاكلة (أفضل كاتب, الكاتب الأسطوري, أحسن من تقرا له …إلخ) تبدو ساذجة وسطحية إلى حد بعيد, ولكن عند التحدث عن نيكوس الكاتب اليوناني سيكون ذلك مبرراً, فمن غير المعقول أن يكون بطل قصتك أمياً ومع ذلك فيلسوفاً ومعلماً, ويحاجج المثقف الذي أفنى حياته في تحصيل المعرفة من كتب, بحوث, إلى كل ما يمكن قراءته وكتابته, وفوق ذلك يقنعه بوجهة نظره! هذا بالتأكيد من سمات الموهبة الباهتة لأديبٍ مهزوز القلم, قليل الثقافة, لا يمتلك أدنى رؤية نقدية, بل قد لا يكون مطلعاً بأعمال السابقين وتذوقها؛ ولكن الأمر مع نيكوس ممكن كل الإمكان, حيث جعل عمق الفلسفة في بساطة عبارات زوربا, وكل الجدل في هذه الشخصية التلقائية, ومن خلالها تحدث عن أمور تشغل الناس حتى يومنا هذا: (الإلحاد وقواعده, التعامل مع حقيقة الموت, كيف ينبغي أن تكون الحياة؟, ما قيمة المال؟ …) وفي النهاية نلحظ أن زوربا أثر في المثقف لدرجة تغيير نظرته للحياة, وما فعل هذا الأخير شئ يذكر في شخصية زوربا.

وهنا تذكرتُ المثل السوداني: “يضع سِرّه في أضعف خلقه” ولا أعني أن زوربا ضعيف بالمعنى الوارد في المثل؛ ولكن على الأقل هو كذلك من حيث نصيبه من العلم. لذلك من الغريب أن يُنجز هو ما عجز عنه فيلسوف كنيتشه الذي قرأ مئات الكتب, والسبب هو تقديس زوربا للحياة, الأمر الذي أهمله نيتشه.

وكأن زوربا يتمثّلُ لي الآن وأنا أكتب يقول: “قد يكون شيئاً ممتعاً, و مفيداً, أن تقرأ كتاباً؛ لكن هناك ما هو أمتع وأكثر فائدة؛ إقرأ كتاب الحياة, ولتتوقف عند كل كلمة وسطر, ولتتأمله كما يجب, عندها, وحينما تفرغ من هذا الكتاب؛ ستعرف قيمة الحياة لأنك فهمتها, ولكن بالمقابل سيكون الأوان قد فات, وستتشبث بها, دون جدوى” وهذا تماماً ما فعله عند وفاته, إذ توفي وهو يصرخ ويتشبث بالنافذة ليطل منها على الحياة التي عاشها بكل ما فيها.

وخطر لي كذلك رأي أديب وكاتب إسلامي تشرّب بعلوم الدين, هو “مصطفى صادق الرافعي” الذي قال: “إِنَّ دِقَّةَ الفهمِ لِلحياة تًفسدُها على صاحبها كدقةِ الفهم للحُبّ, وإِنَّ العقلَ الصغيرَ في فهمِهِ لِلحُبِّ والحياة؛ هو العقلُ الكاملُ في التذاذِهِ بهما.” أي بعبارة بسيطة إفهم الحياة لتفسد حياتك, وأفهم الحب كي تفقد لذته. إنه من أدقّ المعاني في فلسفة الحب والحياة, وهذا يعني أن الرافعيّ إنما أدرك أن بحث الإنسان عن الأسئلة الوجودية (من أين أتى الإنسان؟ ما هي الروح؟ كيف خُلق الكون, ومتى؟ ما حقيقة الموت؟ وما .. وهل .. وكيف؟! إلخ) إنما تُورث الجدب الفكري, والفراغ الشعوري, وفقد الرغبة في العيش, ولا جدوى الحياة, وفساد كل شئ .. كل شئ!. وربما أدّى ذلك إلى نتيجة عكسية في حالة بطل الرواية, إذا علمنا أنه راغب في الحياة حتى آخر لحظة, ولكن من ناحية إيمانه فقد إنطبق عليه رأي الرافعي, لأنه, وكما أسلفت؛ كان ملحداً بسبب فهمه للحياة. وهذا يقودني للتساؤل: هل قرأ نيكوس للكُتّاب الإسلاميين أيضا؟ أم كان مجرد تناصّ؟!

الرواية جديرة بتصنيفها كتاب فلسفي, غير أن ذلك سيخصم كثيراً من الأدب لصالح الفلسفة. وقد تحولت إلى عمل سينمائي عام 1964م مع المخرج اليوناني مايكل كاكو يانيس, وجسد فيه شخصية زوربا الممثل أنطوني كوين وإيرين باباس. وهذا الفيلم كان سبباً رئيساً في شهرة الكاتب. ودعّم تلك الشهرة فيلم “الإغواء الآخر للمسيح” للمخرج مارتن اسكور ريزي المأخوذ من رواية للكاتب. الترجمة العربية للرواية بقلم “جورج طرابيشي” جيدة إلى الحد الذي تعتقد معه أنها عربية الأصل, لولا أن الروائيين العرب –باستثناء الطيب صالح- لا يكتبون بهذا العمق.

“إن زوربا يرى يومياً كل الأشياء للمرة الأولى”

يا له من سعيد!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً