الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / الأدب الروسي: “لو اندرياس سالومي “

الأدب الروسي: “لو اندرياس سالومي “

dyn009_original_298_246_pjpeg_2535747_c402f9991c0bfd60b58cc4541d635897

**

ما السر الذي جعل ثلاثة عباقرة (فرويد، ريلكه، نيتشه) يهيمون حباً ب”لو اندرياس سالومي”، هل جمالها أم ثقافتها أو ماذا؟ هل كانت مصدر إلهام للعبقرية أو سبب جنون؟

 لو اندرياس سالومي التي صدرت مجموعة كتب تتناول شخصيتها، كانت «أمثولة» للمرأة الملهمة للعباقرة، «المرأة البركانية» التي صعقت محبيها، عدا عن كونها شغلت الأوساط الأدبية والثقافية في بداية القرن الماضي، ما زال الكثير من الكتاب يسألون عن سر تعلُّق العباقرة بها بالذات.

 لو سالومي، المرأة الروسية اليهودية التي ولدت عام 1861 وتوفيت عام 1937، كانت تخفي وراء نقاب جمالها ثقافة مبهرة، أو عبقرية «سحرت» العباقرة، ربما تشبه إلى حد ما مواطنتها غالا التي أحبت الشاعر بول ايلوار قبل أن تتزوج الرسام سلفادور دالي. من يصدّق أن نيتشه، الذي أوصى بعدم الذهاب إلى المرأة من دون سوط، والذي كتب وقال كل ما من شأنه الحطّ من قيمتها وإنسانيتها، انتهى في مستشفى للأمراض العقلية بسبب غيرته على فتاة أحبها، ورفضت الزواج منه: لو اندرياس سالومي، هي التي أفقدت نيتشه عقله، ثمة من قال أنها أوصلته إلى عيادة مدينة إيّنا (قسم الطب النفسي)، كما صرّحت بذلك أمه، ورعته حتى وفاتها العام 1897، وثمة من اعتبر أن نيتشه لم يكن محظوظا مع النساء.

 حتى الآن لا يعرف أي مرض أصابه في الحقيقة، تبين أن أفرادًا من عائلته كانوا يعانون من أمراض نفسية، والناقل أنه عندما تعرفت لو سالومي الى فيلسوف الألمان كان عمرها لا يزيد على واحد وعشرين عاما، وكان نيتشه بلغ الثامنة والثلاثين من العمر وأنجز قسما كبيرا من أعماله، وتهيأ إلى الانعطاف الكبير الذي سيقوده إلى «هكذا تكلم زرادشت». تعرف إلى سالومي وأحبها فكتب لها قصائد عدة منها:

 «إجعلي شعلتك، يا روحي، تتقد

 دعيني في لهيب الصراع أجد جواباً لجوهرك اللغزي

 دعيني أفكر وأحيا ألفاً من السنوات

 وأرمي فيها كل ما لديك… كلّه.

 وإن لم يكن لديك من سعادة باقية تقدمينها لي

 فلن يكون في وسعك أن تزيدي من آلامي».

 بعد هذه الخيبات التي تركت في أعماقه جروحاً عميقة، صب نيتشه جام غضبه على النساء في كثير من مؤلفاته. قال: «النساء يتآمرن دائماً على نفوس أزواجهن الأكثر رفعة، يردن سلب مستقبلهم منهم لحاضر مريح بعيد عن الألم». في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» قال: «يجب أن يهيأ الرجال للحرب، وأن تهيأ النساء للترفيه عن المحارب».

 ريلكه

 عندما تعرَّف الشاعر النمساوي ريلكه إلى لو سالومي، كان في الثانية والعشرين من العمر وهي في السادسة والثلاثين. أُغرِمَ بها ، على الرغم من فارق السن بينهما، مع ذلك، كانت علاقته معها قصيرة الأمد، ومثلها كلُّ قصصه العاطفية، بما فيها زواجه من النحاتة كلارا وستهوف. التقت لو سالومي ريلكه في ميونيخ في 12 مايو (أيار) 1897 بواسطة الروائي جاكوب واسرمان، فاشتعلت شرارة الحب بينهما، ولم يكن ريلكه معروفاً بعد، بل لم يكن يتوقع أحد أنه سيصبح احد كبار شعراء القرن. بعدما التقاها راح يكتب لها الرسائل التي تفوقت على الشعر: «في يوم ما، وبعد سنوات طويلة/ سوف تعرفين ماذا كنت بالنسبة إلي/ كنت نبع الجبال للعطشان/ أي عرفان بالجميل نحوك! لم أعد أتمنى رؤية الأزهار والسماء/ والشمس إلا فيك … من خلالك».

 أمضى ريلكه ولو سالومي سنوات معاً مع أن هذه الأخيرة كانت متزوجة من شخص يدعى البروفسور اندرياس، سئل مرة : هل تزعجه تصرفاتها وغيابها عن البيت؟ أجاب «هناك أشخاص عاقلون جدا، خلقوا للزواج والحب الهادئ والاهتمام بالبيت ورعاية شؤون الأطفال وجلي الصحون، باختصار خلقوا لوظيفة الزوج أو حتى «الزوج الأبدي»، إنهم محظوظون وسعداء لأنهم متزوجون من سيدات لامعات ونادرات يقضين نصف حياتهن -على الأقل – خارج البيت بهدف الحب والعشق، ولو كانت سالومي من هذا النوع من النساء التاريخيات اللواتي يحتجن إلى زوج يتكئن عليه في البيت ثم إلى حبيب حر أو عاشق مجنون. هكذا تقام العلاقة «التوازنية في لجة الحياة».

 فرويد

 عندما انضمّت لو سالومي إلى حلقة فرويد بهدف تعلّم التحليل النفسي، أرادت أن تحصل على المعلم، وحين لم يتم لها ما أرادت، اختارت أحد تلاميذه الأكثر نباهة آنذاك، فيكتور توسك، بوصفه ثاني أفضل الخيارات بعد فرويد، وأسهمت في إرساله إلى التهلكة.

 مع أن توسك كان واحداً من أنصار فرويد الأوائل وشخصية بارزة، حتى إن فرويد كان يخشاه، إلا أنه يذكر الآن كواحد من عشاق لو أندرياس سالومي، إذ نشأت بينهما علاقة قصيرة الأجل أثناء وجودها في فيينا (1912 ـ 1913). حين انتحر توسك، كتب فرويد بنفسه نعيه الرسمي، قائلاً: «لم يكن بمقدور أحد أن يفلت من انطباع مفاده أن هذا الرجل ذو أهمية، وأنه قد خلّف ذكرى عطرة في تاريخ التحليل النفسي وصراعاته الباكرة». بعكس هذا النعي الرسمي، كتب فرويد إلى لو أندرياس سالومي رسالة كان فيها أكثر صراحة، إذ عبّر عن ارتياحه لرحيل توسك: «أعترف بأنني لم أفتقده حقّاً، منذ فترة طويلة وأنا أعتبر أن لا نفع منه، بل أنه بمثابة تهديد للمستقبل». وافقت سالومي على أن توسك كان بمثابة تهديد لمستقبل التحليل النفسي، وقبلت تملّق فرويد حين قال لها إنه تحمّل توسك كل هذا الوقت بسبب صداقتها معه، وهكذا تخلّت عنه وعن ذكراه بسهولة.

 صحيح أن فرويد كان «مريضا»، لكنه استطاع تجاوز ذاته، بمعنى أنه اتخذ من ذاته وتجربته الحياتية وعقده الشخصية مادة للدراسة تفيد الآخرين والأجيال المقبلة، وهذا ما أعجب لو سالومي أيما إعجاب، وما انفكت تثني على طريقته في توظيف العقلانية للكشف عن كل ما هو جامح ولاعقلاني فينا، طبقت منهجيته على نيتشه ومعرفتها الشخصية به، لتكشف عن لاعقلانيته. في حين أن نيتشه اخترق كل حدود العقلانية في فكره ووصل إلى التخوم الأخرى وقلب في ناحية الجنون، ولم يهتم ريلكه بالحدود الفاصلة بين العقل والجنون إلا لإنكارها، بقي فرويد في نظر لو سالومي، عقلانيا متزناً.

صورة

nietzsche_ree_salome_peitsche

 هناك صورة مشهورة تعود إلى سنة 1882، تظهر فيها لو سالومي فوق عربة وبيدها سوط، تضرب به مفكرين بارزين في أواخر القرن التاسع عشر وهما نيتشه وبول ري. لم تقتصر ضحايا هذه المرأة على هذين الإسمين، بل طال سحرها أو لعنتها بالأحرى مفكرين آخرين مثل ريلكه وفرويد أيضا، الذي قال عنها إنها تتميز بـ{ذكاء خارق». رفضت سالومي الزواج من كل هؤلاء مؤكدة مقتها العميق للمؤسسة، لكنها تزوجت من فردريك أندرياس… من دون أن يتمكن بدوره من امتلاكها، فاضطر إلى التخلي عنها لريلكه، لم يكن مصير هؤلاء الذين التقوا بلو سالومي مختلفا كثيرا، معظمهم سقط في نوبة من الحزن والسوداوية وعانى كثيرا من هذا اللقاء الملعون، وكان محظوظا من لم يقدم منهم على الانتحار بسببها، شيء واحد فحسب كان يعني لها الكثير هو حريتها. لم تكن سالومي ذات نزعة منفتحة على الآخر- الرجل- ولا نسوية، ولم تتخذ أي موقف لصالح أي قضية سياسية أو إيديولوجية، تركزت حول ذاتها من دون شفقة تجاه الضعفاء، وتميزت بفردانية متأصلة ونرجسية تقترب من «أنانية القط» حسب تعبير نيتشه.

 من يسافر في عوالم لو سالومي يعرف أن تلك السيدة قهرت «عباقرة العالم».

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً