الرئيسية / العدد الثاني والعشرون / الأدب الروسي: يفغيني زامياتين

الأدب الروسي: يفغيني زامياتين

Yevgeny-zamyatin

**

حياة الكاتب الروسي يفغيني زامياتين أخذت منعطفاً حاداً بعد أن قضى سنتين في انكلترا بصفته مهندسا بحريا، يعمل في تصنيع ما سيصبح لاحقاً أول كاسحة جليد سوفييتية. بعد عودته إلى موطنه، أُطلق على مؤلف رواية “نحن” اسم “الرجل الانكليزي” والذي عارض لينين بشكل علني، وواجه ستالين ليصبح أول روسي معارض للسوفييت.

يعرف العالم بأجمعه يفغيني زامياتين بوصفه كاتب رواية “نحن”، العلامة الفارقة في أدب البؤس للقرن العشرين، والتي تقدم عالماً يبدو مثالياً من حيث الظاهر، لكن الدولة الواحدة وتحت اسم السعادة تقوم بقمع الحرية. وقد ألهمت “نحن” كل من جورج أورويل في روايته “1984” وألدوس هكسلي في رواية “عالم جديد شجاع”. وقبل وقت طويل من كتابته رواية “نحن”، تأثر زامياتين بكتّاب بريطانيين قام بترجمة أعمالهم كما تأثر بالبلد نفسه.

 من الصعب كسر الجليد

 وُلد يفغيني زامياتين في العام 1884 في ليبيديان بمحافظة تامبوف من أب كاهن أرثوذكسي وأم  تعزف على البيانو، وكانت موهبته في الكتابة واضحة جدّا، لكنه كان ضعيفاً في الرياضيات، ومن مفارقات حياته أنه اختار مهنة تعتمد بشكل رئيس على الرياضيات. التحق زامياتين بقسم بناء السفن بجامعة سان بطرسبورغ التطبيقية، حيث ظهرت نزعته المعارضة- وقضى عدّة أشهر في السجن بتهمة التحريض السياسي في العام 1905. وقد كتب في وقت لاحق:” إذا كان لي أية أهمية في الأدب الروسي، فإني أدين بذلك إلى الشرطة السرية في سان بطرسبورغ”.

 وعلى الرغم من هذه المناوشات المبكرة مع القانون، بدأ زامياتين العمل كمهندس وأُرسل إلى نيوكاسل في العام 1916 للإشراف على بناء كاسحات جليد للحكومة الروسية. ولكن، في الوقت الذي وصلت فيه السفن إلى روسيا، كانت قد أصبحت تحت سيطرة سلطات جديدة- إنهم البلاشفة- وتمت إعادة تسميتها تبعاً لذلك. ومن إحدى مفارقات ذلك الوقت، أنه وعلى الرغم من أن زامياتين كان أحد أشد المنتقدين للنظام السوفييتي، لكنه كان مصمم أول كاسحات جليد سوفيتية والتي أطلقت عليها أسماء “لينين” و”كراسين” وغير ذلك.

 أمضى الكاتب ثمانية عشر شهرا في انكلترا، كانت سوداوية بالنسبة له؛ ففي رسائله إلى زوجته، لودميلا أوسوفا زامياتين، كان يشتكي انه بالكاد يستطيع التواصل مع السكان المحليين بسبب حاجز اللغة، وأن الطعام لم يوافق معدته، وأنه يعاني من صداع دائم. هذا عدا عن القصف الألماني المستمر- فقد كانت الحرب العالمية الأولى في ذروتها آنذاك. وقد كتب في سيرته الذاتية:” عادة في المساء، أقود سيارتي رينو الصغيرة من العمل باتجاه المنزل، فيستقبلني الظلام والمدينة العمياء التي أطفأت كل أنوارها- وهذا يعني أن طائرة زيبلين الألمانية في مكان ما قريب، وأن القنابل ستبدأ بالسقوط. في المساء، في المنزل، أصغي إلى التفجيرات- بعضها بعيدة وبعضها الآخر قريب- أما فيما يتعلق بالتدقيق في تصميم “لينين” وكتابة روايتي عن الرجال الانكليز فتجري على ما يرام”.

 خيانة الثورة

 انتهى زمن زامياتين في انكلترا سنة 1917، وعندما عاد فوجئ بوجود ثورة في روسيا. وعلى الرغم من أنه عاد إلى سان بطرسبورغ في وقت ثورة أكتوبر، لكن ثورة فبراير فاتته، ووصف ذلك قائلاً:” إن حالي اليوم كمن لم يقع في الحب أبداً، لكنه استيقظ ذات صباح ليكتشف أنه متزوج منذ عشر سنوات”.

 الفترة التي أمضاها زامياتين في انكلترا، أثرت فيه بشكل كبير. فقد كان يرتدي ملابسه على النمط الأوروبي ويتحدث بكياسة مقيّدة. هذه الصفات، خاصة بالنسبة لرجل وُلد في الريف البعيد، جعلت أصدقاءه الروس يلقبونه بـ”الرجل الانكليزي”. حتى إنه وصل إلى مستوى عالٍ من اتقان اللغة الانكليزية مما سمح له العمل كمترجم ومحرر لأعمال المؤلفين الأجانب مثل هربرت جورج ويلز وجاك لندن وشيريدان، في دور النشر مختلفة.

 في البداية، كان زامياتين يأمل أن تكون الثورة إشارة لبداية نظام اجتماعي جديد في روسيا. لكن آماله سرعان ما تبددت. وقام بإلقاء اللوم على لينين بسبب تبنيه المنهج التايلوري البريطاني- وهي نظرية إدارية تهدف إلى زيادة إنتاجية العمال من خلال تحليل دقيق لعمليات العمل. واتهم زامياتين لينين بمحاولة تحويل العمال الاشتراكيين إلى آلات حية، واعتقد أن الزعيم قد قام بخيانة قيم الثورة. وذهب زامياتين إلى أبعد من ذلك حيث كتب مقالات تدين علناً المجازر التي تُرتكب بحق العمال الذي لا يوافقون على العقيدة الرسمية وتفضح القمع المستمر للمزارعين.

 المُعارض الأول

 في العام 1921، رفضت الرقابة نشر مخطوط رواية “نحن”. وفي العام نفسه- وربما كرد فعل على حظر روايته الأولى- نشر زامياتين “أخشى”، فألغى إمكانية ممارسته مهنة الكتابة في روسيا. وكتب:” الأدب الحقيقي لا يكتبه الموظفون الخانعون والجديرون بالثقة، بل المجانين والنساك والهراطقة والحالمون والمتمردون والمشككون”. وبما أن الثورة كانت في ذلك الوقت في عامها الرابع، فمن المؤكد أن زامياتين كان من بين المعارضين الأوائل.

 وفي نهاية المطاف، تمكن الكاتب من تهريب مخطوطة “نحن” إلى نيويورك، حيث نُشرت في العام 1924. وبسبب ذلك، غضبت السلطات السوفييتية من زامياتين ونبذته؛ وتم التشهير به في الصحافة، ومُنع من النشر وطُرد من اتحاد الكتاب السوفييت. لكن هذا لم يثن زامياتين عن عزيمته، بل كتب رسالة إلى ستالين نفسه في العام 1931، طالباً الإذن لمغادرة روسيا. لم يكن زامياتين مستعدا للاعتذار في رسالته، شارحاً أن حكم منعه من الكتابة يشبه حكم الإعدام- وهو تصريح خطير في بلد كانت حملات التطهير السياسية قد بدأت فيه. وفعلاً وافق ستالين على طلب الكاتب. وأصبح زامياتين إحدى الشخصيات العامة النادرة التي سمح لها ستالين مغادرة الاتحاد السوفييتي في الثلاثينيات، وتوجه الكاتب مباشرة إلى باريس حيث وجد عملاً ككاتب سيناريو.

 تُوفى يفغيني زامياتين في باريس بالعام 1937 وهو بعمر 56 عاماً ودُفن هناك. ولم يتم الإعلان عن وفاته في موطنه. وبعد أكثر من نصف قرن(عام 1988) تم نشر “نحن” في بلاده، في آخر سنوات النظام السوفييتي.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً