الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / بريد القراء: ثرثرة على ضفاف النيل

بريد القراء: ثرثرة على ضفاف النيل

12040394216_76411d9889_z

محمد عبد الغفار:

**

جاء الليل بسرعة أو أننا تسللنا إليه أو كأنه ثوب أسود فضفاض سقط على الدنيا…كان حولنا ماء النيل وقد إلتصقت به الأضواء مشنوقة تتدلى  من المصابيح على  أعمده الإنارة المتراصة على ضفاف الإسفلت ….الماء ساكن ,القمر قد جعل كل شيء حولنا فضة وضباباً ..ثم سحب كل الألوان إلا لونه ,وكل الأصوات عدا حفيف لطيف هامس  غلب عليه لاحقاً صخب هدير السيارات وصدى لأغنيات مرتجفة تجيء من كل إتجاه ..فما يزال الناس ساهرين والجو بارد.

جاءت( زويا) _ست الشاي_تتهادى بخطى متزنة عاقدة وشاحها الأسود حول عنقها.. وكانت حبشية بيضاء اللون سوداء الشعر والعينين على خدها يرتاح خال جميل..إذا نظرت إليك فإنها تنظر إلى وجهك مباشرة ثم تظل تنقل عينيها من عينيك إلى شفتيك ..إلى أصابعك إلى ملابسك ..إن نظراتها “تلخبطني” ولكن يخفف عني هذا الإضطراب أنها دائمة الإبتسام…جاءت تسال ان كنا نريد شيئاً فلم يجبها أحد وإن رغبنا.حينها. فانصرفت …وكأنها عرفت بخبراتها أن هناك عباداً للقمر ,وأنهم في الليالي القمرية كما في الصلوات لا ينطقون.تقول الميثولوجية التوراتية أن الشمس توقفت مرة حتى ينتصر جيش على جيش…فلم لا يتوقف القمر حتى يذوب قلب في قلب ..أو قلبان في قبلة واحدة ..قال أحدنا  إن من أحسن ماقيل عن القمر ماقاله الشاعر الفرنسي بولد جيرالدي عندما وصف تمثالاً عارياً منتصباً لفتاة جميلة  ..وقد رفعت صدرها المكتنز ..ووضعت يدها على أحد نهديها ,فقال ممم.لااذكر المهم عجز البيت يقول “بثديين كأنما ترضعان القمر”

قال صديقنا وهو طبيب.. إني لا أراه إلا دائرة مكتملة فارغة من أي معنى  حقيقي ..لا مكان لتلك الشاعرية إلا في خيالات المؤلفين وهلوسات السرياليين ومدونات المراهقين..إنه ليس سوى تابع للأرض تسحبه كمن يسحب بغلة من رسنها  ..الكون كله يدور حول بعضه  في وفق نظام حتمي مدولك لا غاية وراءه.. إننا مخلوقات لا نعرف لماذا جئنا  ولا لماذا نحن هنا.. لقد اعتدنا التسامي المعنوي ..اعتدنا أن نبحث في كل شيء عن معنى أو غاية و في كل مكروه عن عزاء !! أخذ يمج سيجارته بهدوء ثم ينفث الدخان بطيئاً ثقيلاً من منخريه وفمه  ويرسله إلينا وهو يحدق في الماء ..كأنه أخفى ضيقه فيما نفث…واستطرد قائلاً  أنه مما يبعث على الأسى ان يضطر المرء لقول ذلك ولكن حري بنا أن نميط اللثام عن الحقائق  , ياسادة نحن جميعاً بلا إختيار او إراده وإن غريزة البقاء هي التي تدفعنا الى الحياة وإنها تزيف لنا كل المشاعر الساذجة.. الحب ..الغيرة والزواج …فالحب هو تعبير مهذب عن رغبة كامنة ..والغيرة هي خوف على الحياة بين طرفين أن يهددها مهدد  فلا تستمر….وإن الزواج ليس إلا علاقة جنسية عادية قام المجتمع بتزييف دوافعها…والعلاقات الإنسانية في أصلها مجرد تفاعلات كيميائية ..حتى تلك المعاني المجردة الصداقة ..الكراهية..التضحية …كل المعاني في حياتنا..هي كيمياء محضة.. الألوان الجميلة نحن من خلقناها والمناظر اللطيفة التي نتفاعل معها ونرق لها ماهي إلا تأثير لهورمونات دماغية..إنها تفاعل مواد مع مواد بنسب مختلفة ..فكما تتفاعل الأحماض والقواعد تكون العلاقات بين الناس ..إن الإنسان يا أصدقائي ليس إلا وعاء من السوائل والمعادن والكهرباء وأشياء غامضة أخرى …

كانت سحائب دخان السجائر تتبع حركة يديه كأنها مظاهرة رقيقة تؤيده فيما يقول, وكان صوته هادئا مثل ضربات الحديد البارد على الحديد الملتهب.. الحديد يرن ونحن نئن, الى  أن أفقنا تماماً مثلنا مثل الذي كان يمشي مغمض الجفنين وفجأةً وجد نفسه أمام قرص الشمس  فاصبح أشد عجزاً عن الرؤية ,ابن ال(..)  لقد هدم أصنامنا وأسقط علينا معابدنا ..فاتساءل انا بهذا المنطق ماذا تعني عبارات مثل الشرف؟اهو الموت من اجل بلادك ؟ أم هو قتل ابنتك ان كانت لديها الجرأة والشجاعة لتغتصب كما تفعل بعض قبائل البدو؟ ما العزيز إذاً والمثير في أن أدافع او أفخر بانتمائي إلى قطعة أرض أو عقار تم غزوه عشرات المرات من قبل حضارات أخرى؟.

 وكما اصطدمت التايتنك بأحد جبال الجليد فتحطمت وغرقت ,اصطدمنا نحن أيضاً بأفكار صديقنا مهدي  فتفرقنا ولم نتحطم ..كأن كل واحد منا قد طفا على لوح خشبي من أفكاره وإرادته أن يكون له رأي مخالف ..فما كان ذلك إلا إنهياراً للأوثان التي رسمناها في معابدنا.

. ….كان  (مينا) حزيناً سادراً مغموماً يطالع موكب النجوم الآمن المنتظم عبر السماء… فانتفض بغتة وصاح قائلا ..ياخي إفترض أننا مجموعة من الحمقى المجانين وأنك الوحيد العاقل بيننا  ..فلا أنت قادر على إقناعنا ولانحن قادرون على إقناعك ..أنا كافر وأنت مؤمن ولكنني عندما أتكلم فانني عاشق للدنيا …للمال والمرأة والعطر والسجائر والقمر..أرى الدنيا أكذوبة جميلة ولكن لامناص منها فكأنما نحن مشدودين إليها بخيط من المطاط إذا ابتعدنا عنها أو باعدنا أنفسنا فإننا نرتد
إليها بقوة  ..لقد سرت في جنازة أخ قبطي قريب لي في مصر وكان شاباً يافعاً إلا أنه إنتحر!! لكم تمنيت ان أخرجه من التابوت وأضربه بالجزمة لأنه رفض الحياة مستعجلاً على الحياة الأخرى ..إنه  حمار أخو حمار..نعم فأخوه الأكبر قد ترهبن بعد موته وصار قسيسا ًفرفض  الحياة لأسباب دينية..أما الفقيد فرفضها لأسباب عقلية..وأنا أحاول أن آخذ نصيب الاثنين منها ..فاصمت بالله عليك… لولا أنني مرهق لما كفاني رمل هذا المنحدر كله كي أحشوه في فمك ..كي أدفنك من داخلك او أدفن علمك وإيمانك معاً !…..ثم انتقل إلي مازحاً مارايك لو أشعلنا ناراً ورقصنا حولها وذبحنا (د.مهدي)وأكلناه حياً ..إنهم في بعض القبائل الإفريقية الوثنية يذبحون طبيب القرية ويأكلونه إيمانا منهم بأن الرجل الذي يعرف مبادئ الصحة هو نفسه صحة..وأنا تعجبني تلك التقاليد لسبب آخر هو أن البشرية يجب أن تأكل حكماءها ومفكريها وفلاسفتها وأنبياءها من حين الى حين ,وبذلك يستريح الناس من مثيري القلاقل والقلق في طول التاريخ وعرضه ..وانا ارى ان احسن مافي التاريخ اليهودي ان انبياءهم كثيرون ,وانهم يقتلون انبياءهم بنفس الحماسة التي تقتل بها إناث العنكبوت ذكورها.

قال ثالث وكان منشغلاً بالفلسفة..إنني اتفق مع مهدي في كثير..فلقد تعلمت أن سقراط هو من أنزل الفلسفة من السماء الى الأرض أي أنه حولها إلى الإنشغال بالناس والحياة بعد أن كانت إنشغالا بالوجود والطبيعة ,فكانت فلسفة أفلاطون ومن بعد أرسطو ..الحوار مع الناس ..مع الواقع ..لقد استغرقتني الفلسفة الألمانية المثالية التي تجعل الله في قمة الكون وتجعل الطريق إليه بالعقل ..وتجعل العتبات إلى السماء مصوغة من الأفكار …أما كل شيء آخر فلا قيمه له ولايصح أن تكون له قيمة..إن الله هو الحقيقة المطلقة الوحيدة يا سادة .إن الإنسان لا ينشد العدم لو كان سعيداً ولعل مهدي نسي أن يقول أن الإنسان عندما يكون تعيساً بائسا ً فإن به ميلا ً فطرياً  إلى  أن “يفلسف” ذلك البؤس ..و”يمذهب ” تلك التعاسة فيختار لها من الأزياء الفكرية والأدبية ما يناسبه.غير أننا أحياناً نشعر أننا أمواج من الشك وأن الشاطئ هو اليقين ..وأننا  نضرب الشاطئ ونرتد عنه لنعود إليه.

قلت كفى ..كفى .لقد غاب القمر ..وظهرت الشياطين في زي العشاق الحالمين ..كم من عاشق تمنى وتغنى للنيل والقمر من هنا…ولو عرف أن مجموعة من العقول الوحشية الحمقاء سوف تجيء إلى نفس المكان لذهب إلى مكان آخر ولترك هذه العبارة منقوشة على هذه ألصخره “خبئوا أنفسكم ,لقد أعدمتم النيل والقمر ” لم يعد لكم رأي لأنه لم تعد لكم رؤية…لنرفع الجلسة !..قال الثلاثة :بل الجلسة مستمرة !!!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً