الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / حوار الطيب صالح مع مجلة العربي

حوار الطيب صالح مع مجلة العربي

حوار العربي

إنه واحد من أجمل الهدايا التي قدمها السودان الشقيق للثقافة العربية. ذلك هو الطيب صالح الذي تقدم له مجلة (العربي) هذه التحية بمناسبة حصوله على جائزة ندوة الرواية العربية التي عقدت أخيرًا في القاهرة, وهي تحية لرجل طالما أغنى حياتنا بالمعنى ووسع من رقعة الرؤيا حين أضاف لنا شهادة عن عالمه في الجنوب.

(طريق الخلاص.. يكمن في تعميق الذات وتنقيتها من ذل الحياة.. ومهانات القمع) هذا هو ( الطيب صالح ) كما جاء على لسان أحد أبطاله وكأنه يصف رؤيته لذاته. حينما تراه تظنه لأول وهلة قرويًا قادمًا لتوه إلى المدينة.. ولو حدثته ستجده المفكر المبدع, كلماته تنم عن وجد صوفي أصيل, وتتسم بالزهد والورع وحبه للناس, وحب الناس له. بل إن سيرة المؤلف وأقواله الدالة على مواقفه وعلى تجربته الإبداعية تضطلع بوظيفة نَصِّية مصاحبة, وتشكل عتبة من أهم العتبات المنفتحة على عوالمه الإبداعية. فـ (الطيب) واحد من كبار المبدعين العرب الذين عرفهم العالم كنموذج لكاتب نجح في فرض ثقافة الجنوب على الشمال, ومازالت روايته الأشهر (موسم الهجرة إلى الشمال) تحظى باهتمام القارئ العربي في كل مكان نظرًا لأنها كانت إحدى الروايات العربية التي نجحت في نقل الأدب العربي للعالمية بقدر ما كانت تعبيرًا مفعمًا بالمحلية السودانية. تشتم من كلمات نقاده ومريديه رائحة (الطيب) وحالة الود التي أشاعتها كتاباتهم عنه, هؤلاء الذين أحبوا ( الطيب صالح ) روائيًا وإنسانيًا وأقاموا له فوق الورق ما يشبه المهرجان أو الاحتفال الذي أتى أشبه بدفقة حب لكاتب كبير يستحقه. صاحب الوجه الأبنوسي, مبدع, متواضع كالعشب لاتزال في ضحكته تلك البراءة الطفولية التي تجدها لدى العباقرة. الحوار مع عقله متعة حقيقية, فهذا العقل يحمل حضارة بأكملها, يتسلح بها, ويقاوم, ويواجه, ويعادي إذا لزم الأمر.. أما وجدانه النبيل, فيطارحك الشعر, فهو عاشق للغة الراقية.. عربيًا إفريقيًا شرب من ماء النيل, ولم ينس لونه ولا طعمه, عندما سافر إلى لندن وشرب من مياه التايمز الإنجليزي بقي إفريقيا عربيا وإنسانا وفيا لجذوره الأصيلة وكأنه إحدى المدن الدافئة التي ما إن ترها حتى تلقي عصا الترحال وتضع حدًا نهائيًا لأسفارك. وشاعرية (الطيب) تنبع من دوامة السحر الفني والفكري ومن مرتفعات عالية من الخيال الإبداعي لروائي عظيم تطرب طربًا حقيقيًا بما فيها من غزارة شعرية رائعة. فالطيب صالح شاعر في ثوب روائي وذلك ما يجعل الحوار معه بالغ الصعوبة, التقته الصحفية المصرية سوسن الدويك, وكان هذا الحوار:

(لا أظن أنني أكتب لأقص على الناس قصة حياتي) هذه إجابتك عن السؤال الدائم حول (مصطفى سعيد) بطل روايتك (موسم الهجرة إلى الشمال).

ولا جدال في أن النص الأدبي ليس سجلاً لسيرة الكاتب.. ولا ينبغي لها أن تكون.

 ولكنه لدى التحليل الأخير هو محصلة لتفاعلات الكاتب الذاتية في جدله مع المحيط التاريخي والاجتماعي الذي يتحرك, ويكتب فيه.

وتجارب الكاتب وذكرياته وعلاقاته الاجتماعية وميوله الفكرية والفنية تشكل المادة الخام التي يستمد منها الكاتب رؤاه, وعوالمه القصصية والروائية, وذلك في محاولة للرد على بعض النظريات الحداثية في الأدب التي تذهب في مسماها لعزل النص الأدبي عن كاتبه إلى حد التضحية بالكاتب والإعلان عن موت المؤلف إمعانا في نفي الغائية والقصدية, وكل ما هو مشترك عن الكتابة الأدبية كما ذهب إلى ذلك الأديب والناقد رولان بارت.

إلى أي مدى إذن يقترب منك (مصطفى سعيد), أم أنه بعيد تماماً عن الطيب صالح ?

 لا ليس بعيدًا نهائيًا.. لأن كل شيء يكتبه الكاتب له صلة بنوع ما به.. ولكن أيضا وبتعبير الكاتب الإنجليزي العظيم (جراهام جرين) الكاتب يجب أن يقطع الحبل السري الذي يربطه بالتجربة ويتركه يختلط بأشياء كثيرة, و(مصطفى سعيد) له صلة بي, بقدر ما لـ (محيميد) في (ضو البيت) من صلة بي.

(السودان.. أحمله بين جوانحي أينما ذهبت, هذا هو الوجع الأول البدائي واللانهائي) هكذا قلت وكأنك تحمل السودان بين الجوانح, ولا نحس أنك فارقته ولا لحظة ما موقع السودان على خريطة حياتك?

السودان.. (الهوية) ولدت في أرضه, فيه مهبط رأسي, ويقال إن مهبط رأس الإنسان يظل عالقًا به, ومازلت أرتبط بقريتي الدّبة في الشمال الأوسط من السودان, ولأنني اغتربت عن السودان فالغربة تؤكد إحساس الانتماء..صحيح أنني أرى أن الوجود الجسدي بالمكان ليس مهمًا خصوصًا بالنسبة لكاتب أو لفنان, ولكن إحساس الغربة موجود عندي وأتعامل معه بطرق مختلفة.. تعاملاً لا يخلو من عنصر الوجع ولكن ليس وجعًا دائما أو مستمرًا في الـ 24 ساعة في اليوم.. أحيانًا أنساه!!

قلت: (هذه البيئة.. هي التي خلقت عالمي الروائي) هكذا يبدو أنك تعلق أهمية خاصة على مرحلة الطفولة والقرية.. فإلى أي مدى لعب هذان العنصران دورًا في صياغة عوالمك الإبداعية?

 أعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه, والإبداع نفسه ربما فيه البحث عن هذه الطفولة, والأدب برمته بحث عن فردوس ضائع.. وقد كان عالم الطفولة بالنسبة إلي فردوسًا, كان هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ, وأحسست فيه بسعادة كاملة, والحسرة الكبرى في حياتي أن طفولتي في القرية لن تعود مرة ثانية!!

فالقرية هي عالم مصغّر من السودان (الميكرو كوزم), العمل الأدبي الذي أبدعه, ولما أريد أن أقوله عن السودان وعن العالم العربي, هي المسرح.. المادة الخام.. هي النافذة على الكون وهذا ما فعلته في (عرس الزين) فهي قريبة جدا من الواقع, ومرات أميته كما فعلت في قصة (ود حامد) وكنت ألعب بالشخصيات كما يلعب المخرج بالشخصيات في المسرح غير أن في هذا العمل طبعًا عنصر الفن المتعمد.

ماذا تعني بتعبير (الفن المتعمد)?

 الفن المتعمد..أي الدفع بالشخصية إلى أقصى مدى ممكن, وأقصى حدود تتحمَّلها وهذا التعبير أي (الفن المتعمد) والدفع بالشخصية لأقصى درجات تحملها أول من قاله (بلزاك) الفرنسي, وأنا أحب بلزاك جدًا, ولي بعض الجهد الإبداعي في هذاالصدد.

هناك من يرى أن لديك اقتناعًا بأن أسلوب التوسل بالتراث لتلوين الرواية العربية بلون محلي هو السبيل إلى إظهار خصوصيتها, وإثبات انقطاع صلاتها بأنماط الرواية الغربية السائدة.. هل ذلك صحيح?

لا.. لا.. ليس أنا.. ولا يعجبني تعبير (التوسل) وتصورهم هذا خاطئ, فكأنهم يعتقدون أن التراث شيء موضوع عندنا في مخزن, وأحيانًا نفتح عليه ونأخذ منه مثلا.. وهذا خطأ وغير صحيح.

فالتراث معجون فينا, والناس يحملون تراثا يمثل امتدادا لبعض الأشياء ولديهم إحساس بذلك, ولعلك لاحظت مثلا الأسماء نفسها في الروايات (عبدالقادر ولد محجوب) بحيث يصلح الاسم لمجموعة عوالم وليس لشخص معين ممتد لعشرات السنين, وليست حكاية التراث هذه التي يرونها, وأعتقد أن بعض إخواننا الأكاديميين هم من يقولون بهذا الرأي ولكن بالنسبة لي ليس لدي هذا الإحساس ولا أتعامل بهذه الآلية, أنا لدي عالم (مادة خام) موجودة وآنا آخذ منها.

هناك آخرون يرون (أن روايتيك الأوليين (موسم الهجرة إلى الشمال), و(عرس الزين) وجدتا رواجًا داخل العالم العربي وخارجه ورفعتا منزلتك إلى مصاف أعلام الرواية العربية, الأمر الذي دفع بك إلى سبر واقع مجتمعك في روايتك الأخيرة (بندر شاه) لتعرب عن المسائل الجوهرية التي تشغل بالك, ولتقوي علاقة لحوقها بالنص الخاص, وتلون نسيجها بلون مرويات التراث الشعبي) ما رأيك?

 إلى حد ما, ولكن ليس الرواج الذي وجدته في (عرس الزين), و(موسم الهجرة) هو الذي دفعني لعمل ذلك.. لا.. ولكن هي رؤية في زمن مختلف فهذا مجتمع مترابط يتحول, له متحولات متعددة, وأنا أكتب أعمل كعالم الآثار في الحفريات, حتى تبدو لي الحقيقة في طبقة إنسانية معينة, وهكذا أظل أحفر, حتى تظهر لي أشياء أخرى, وأمور أخرى لها طبيعة التراكم وهذا الحفر لا نهائي, ولا أحد يصل لنهايته.

أول كتاباتك كانت في لندن بالفعل, إذن الغربة لعبت الدور الرئيسي في دفعك للكتابة? وربما هذا هو تبرير إعجاب القراء العرب والغربيين بها. ما رأيك?

أنا واضح جدًا في طريقتي في الكتابة, ولست كاتبًا شديد الإحساس بالقارئ أو الناقد, ولا أنتج إبداعي بهدف الاستمرار في السوق أو من أجل النقاد لا.. لا.. أنا أكتب كما يحلو لي, وبحرية كاملة. لا.. أرفض هذا التفسير نهائيا.. فإذا وجد ما أكتبه هوى لدى القراء.. فهذا يرجع للقارئ, وإذا لم يجد هذا الهوى فقد يأتي زمان آخر ويجد!

ولكن هناك من يرصد أن المتلقي الغربي أبدى إعجابه بعالم الطيب صالح القصصي, لأنه أرضى نظرته الاستشراقية, وأشعره بأن هذا العالم مطابق للصورة التي يحملها عن العرب (الشرق) أو للوضعية التي ينبغي أن تكون عليها تلك المنطقة, وهذه أيضًا رؤية الروائي عبدالرحمن منيف في كتابه (الكاتب والمنفى).

-هذا ظلم فعلا.. لأن (موسم الهجرة إلى الشمال) كانت تحديًا صارخًا للنظرة الاستشراقية, ولي صديق اسمه د.محمد شاهين أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عمان كتب بأن إدوارد سعيد رحمه الله – وهذا رجل عظيم – ذكر بأن رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) كانت من المؤثرات القوية التي اعتمد عليها في كتابه (الاستشراق), والذي تحدى به هذه النظرة الاستشراقية.

وعبدالرحمن منيف – رحمه الله – إذا كان قال هذا الكلام فهو (غلطان جدا), و(موسم الهجرة إلى الشمال) لا تحتاج إلى أن يعترف بها أحد, فالرواية اعترف بها منذ زمن وترجمت الآن إلى 21 لغة على وجه التحديد, وآخر لغة هي اللغة البرتغالية وقبلت عالميًا على أنها من أقوى الحجج الفنية ضد الاستعمار, فالرواية كلها تتحدى الأوهام الاستعمارية, فكيف يقال عنها وعني إنني أرضيت الاستشراق.

وأعتذر عن الانفعال الزائد لأن هناك بعض الكلام و(التعابير) المجحفة التي تجعل الإنسان يغتز بنفسه (شوية أكثر).

أما بالنسبة للعالم العربي, فهناك أناس كثيرون من العرب أحبوها وأناس آخرون ينكرونها, لأنها واجهتهم بأشياء ما كانوا يحبون أن يواجهوا بها!!

ولكن أظن أن من أسباب رواج هذه الرواية في العالم العربي أنها صدرت في وقت له دلالة فقد صدرت في سبتمبر 1966, والعرب كانوا في بلبلة, ويبدو أنهم وجدوا في هذه الرواية انعكاسا وصدى لما يشعرون به. ثم إن الأعمال الأدبية ظلم لها تسطيحها.

ذكرت كيف تأثر الكاتب والمفكر إدوارد سعيد بروايتك (موسم الهجرة إلى الشمال) بكتابته حول الاستشراق ووصفته بأنه رجل عظيم وقلت عنه: (إن إدوارد منح الجغرافيا والمكان دورًا أساسيًا, وهذه إضافة أساسية أدخلها بشكل مهم على نظرية الرواية)… وضح لنا ذلك?

 إدوارد سعيد نفسه كان إنسانًا غير عادي, كان رجلاً بشخصه, مهذبًا غاية التهذيب, كان شاملاً في معرفته, كان إدوارد سعيد يعرف لغات, يعرف أدبًا, يعرف موسيقى, كان موسيقيًا محترفًا.

وهو نتاج ثقافات أوربية وعربية, وبالرغم من أنه كان مسيحيًا, فإنه كان أيضًا يعتبر الإسلام جزءًا من ثقافته, وكان إذا كتب أو تكلم يجذب إليه المتلقي فورًا, وكان محاضرًا (فاخرًا), فكان إذا حاضر يأسر الحاضرين والجمهور, وعندما كان يأتي إلى لندن يحاضر, يزدحم الناس على محاضراته, ويصبح المكان صعبًا, ويحسب له أعمال وإنجازات عظيمة, وطبعًا كان مهتمًا بالإنسانيات, ولكن أهم دور – في اعتقادي – أنه قدم نفسه للغرب بالمعنى الواسع (أمريكا وأوربا) على أنه إنسان عربي بلغ درجة عالية من التحضّر أعلى من التي وصل إليها كثيرون منهم , وأصبح داعية قويًا جدًا للقضايا العربية كلها تتقدمها طبعًا القضية الفلسطينية. وكانت طريقته في طرح القضايا غير عدوانية نهائيًا, حيث كان يفترض العقلانية في الآخر, ويوقظ فيه إحساس العدالة, والرغبة في الفهم, وأعتقد أن إدوارد سعيد قام بدور لا تقوى عليه كتائب من الدعاة, وسوف ننتظر كثيرًا حتى يظهر عربي آخر في قامته وعلمه, فأناس كثيرون تحوّلوا في مواقفهم بعد أن فهموا القضايا العربية منه لأنهم أحبّوه واحترموه.

على ذكر القضية الفلسطينية… الطيب صالح ماذا كتب عنها سواء من خلال أدبك أو دورك العام, ماذا قدمت للقضية الفلسطينية?

– لا…(معرفش) والله, وأصل حكاية قدمت إيه? دي صعبة!!…لكن أعتقد مثلا أن رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) كلها مرتبطة بالصراع الذي من أعراضه القضية الفلسطينية, وأتصور أن المطلوب جهد كبير, لابد وأن يكون جماعيًا, فكلنا يجب عليه المساهمة بالجهد إزاء هذه القضية, وأنا دائمًا أقول: إذا كان الأوربيون استطاعوا أن يفهموا المتنبي, فسوف يفهمون القضية الفلسطينية, فهم إما غير قادرين أو لا يريدون أن يفهموها, ولكن يبقى دورنا في تسليط أكبر كمّ من الأضواء حول القضية لأن هناك ظلامًا كبيرًا, وتعتيمًا كاملاً حولها, وأنا أقدم جهدًا متواضعًا حين أشارك في ندوات أو مؤتمرات للقضية الفلسطينية.

والمشكلة بالنسبة للكاتب من أين يبدأ, فالأمور مترابطة, فإذا كتبت عن معاناة الإنسان السوداني, فهذا مرتبط بمعاناة الإنسان الفلسطيني, وقد كتبت مقالات كثيرة عن فلسطين وقضايا سياسية أخرى, ولكن لما (الواحد يكتب أدب, دي حكاية ثانية خالص), لأنه حتى محمود درويش ينبغي النظر إليه على أنه شاعر فقط, وليس بوصفه شاعرًا فلسطينيًا, لأن الفن له منطق آخر, وليس ذلك راجعًا إلى مسألة (الفن للفن) ولكن لموقف آخر يخص آلية الإبداع.

وماذا عن (النوستالجيا) أو الحنين إلى الوطن واعترافك ذات مرة بأن هناك عنصرًا طاغيًا على كتاباتك وهو (النوستالجيا) حيث قلت إنه الحنين إلى عالم أحسن?

والله يقال… نعم هناك بعض الناس يقولون إن الأدب كله (نوستالجيا) ينبع من حال حنين غامض لما مضى حتى مع أول لحظة لولادة الطفل, بعض الناس يذهبون إلى أن الطفل حين ولادته ينتابه إحساس أنه يريد العودة إلى الرحم مرة أخرى, وخائف من الدنيا, والله أعلم…ولكن هذا الإحساس قوي جدًا عندي, فأنا أحن إلى الأشياء لأني آلف الأشياء وآلف الناس والأماكن, فإذا بعدت عنها وافتقدتها أحن إليها.

والشعر العربي القديم مليء بالحنين ومشاعر الافتقاد لدرجة تدمع العين, ولا أستطيع أن أنفي إعجابي بأبي نواس, وأبي العلاء, والمتنبي, فهؤلاء قمم في الشعر العربي.

قلت: (إن الحداثة تستمد أصالتها من اعتمادها على التراث خاصة أن هذا التراث شديد الثراء, ويمثل جزءًا كبيرًا من المعطيات الثقافية التي تعد من أهم الروافد الثقافية) كيف تفسر لنا ذلك?

– أظن هذا صحيحًا, فنحن يهمنا أن نحتفظ بميزاتنا التي تميّزنا عن باقي الأمم, فإذا استعرنا صفات أناس آخرين نصبح مسوخًا, إذن لابد وأن نتطور في إطار ما عندنا من سياق تاريخي, وحضاري وتراثنا تراث خصب (مش لعبة)!!

عمومًا أنا لا أشغل نفسي بهذه الأنماط (حداثة…أو ما بعد حداثة…إلخ), أنا أكتب (وخلاص) وطبعًا النقاد والأكاديميون من وظائفهم أن يقرأوا النصوص ويقدروها ويجدوا لها تسميات, أما أنا فلا أشغل نفسي بهذا…

ولكن نصية (بندر شاه) تؤكد أن الطيب صالح جعل سمات الحكي التراثي الشعبي تضطلع بوظائف مصاحبة للوظائف التي اضطلعت بها الخصائص الروائية في ذلك النص السردي نظرًا لتعلقك بالجنس الروائي. وهذا يشهد بأنك لوّنته بلون مخصوص لتؤكد من ناحية على تميّزك عن النصوص الروائية الكلاسيكية في الأدب الغربي وعن النصوص الروائية السائدة في الأدب العربي, وذلك يثبت من ناحية أخرى إسهامك في دعم نزعة تأصيل الرواية العربية…ما رأيك?

أشكرك بشدة, وإن صح قولك هذا, وعمومًا أنا أحاول أن أصنع ذلك, ولكن لا أريد أن أبدو مزهوًا بنفسي.

وإيجاد شكل جديد – في رأيي – من المطالب التي لا قيمة لها في الأدب, لأن هناك بعض الروائيين يقول: (أنا هطلع شكل جديد) فنجده يتكلم أكثر مما يبدع, فأشكال الرواية يمكن أن تعد على أصابع اليد, المهم هو المحتوى والأفكار.

والسودان عمومًا بلد إلى حد كبير مجهول حتى بالنسبة لكم في مصر, رغم أنكم أقرب الناس إلينا, إن هذا يحزنني, ولكن يبدو أن ما أفعله جديد, لأنه بالنسبة للقارئ المصري أو السوري أو العراقي, البيئة كلها جديدة عليهم, وهذا حسن, فأنا نجحت في أن أقدم نمطا وجوديا ومعيشيا في كتلة بشرية مرتبطة بالكتلة البشرية الكبيرة التي نقول عنها الأمة العربية, وهذا حسن.

ويبدو لي أن أهم شيء صنعته في الرواية العربية أنني أضأت مناطق مظلمة في الوعي العربي, ولأن القارئ إذا بذل جهدًا وقرأ فهذا أفضل من التصور, فهنا كتّاب كتبوا على النهج نفسه مثل (البشير خير) الذي كتب عن الجنوب التونسي وغلاب من المغرب, وطاهر وطار من الجزائر, وغالب هلسا من الأردن وسورية ومصر, وهكذا فالأماكن المظلمة في المخيلة العربية بدأت تضاء, وهذا مهم جدًا حتى ترتبط هذه الأضواء في ذهن القارئ العربي, ونحس فعلاً أننا أمة واحدة وليس مجرد كلام.

هكذا كشفت نصية (بندر شاه) الجامعة عن أن العلاقة التي نسجها ذلك النص السردي مع طبقة النصوص المنتمية إلى الجنس الروائي, كثفت خصائصه الأجناسية وأثرت دلالاته…أليس كذلك?

 يسعدني كثيرًا اهتمامك بـ(بندر شاه) لأنني أعتقد – في تقديري المتواضع – أن في (بندر شاه) شيئا جديرا بالنظر, وفيها ما يؤكد ما ذهبت إليه من اشتغالي كعالم أثري, ففي (بندر شاه) هذا المكان خلطت بين الأسطورة والحلم, الواقع والتاريخ, فأريد أن أفهم لماذا هذا المكان? وما خصائصه, وأنا أتقصى أيضًا في قضية العلاقة بالسلطة, لأن بندر شاه – كما تعلمين – بندر المدينة, وإشكالية الحلم, والمشكلة بالنسبة لنا هي المدينة بمعناها الواسع كيف تدار? وكيف تحكم?, وليس المدينة ذات الأبنية الشامخة, وذلك بالرغم من أن الوجوديين يرون أن منزلة الفرد في المدينة تجسم المنزلة البشرية, وأن فضاء المدنية يغذي شعور الإنسان بالغربة ويعمّق اقتناعه بعبثية الحياة, وقد ترجمت ذلك في موسم الهجرة إلى الشمال, على لسان الراوي حين رجع من المدينة إلى القرية وهو يقول: (ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا, فعلمت أن الحياة لاتزال بخير…أنظر إلى جذعها القوي, المعتدل, وإلى عروقها الضاربة في الأرض, وإلى الجريد الأخضر المتهدل فوق قامتها, فأحسّ بالطمأنينة, أحس أنني لست ريشة في مهب الريح) ولكنني قبل تلك النخلة, مخلوق له أصل, له جذور, له هدف.

الطيب صالح , لم يبحث في التراث السردي عن لغة سردية يعبّر بها عن أفكار سياسية مقموعة, وإنما نحا ذلك المنحى ليحسّ التعمّق في المسائل, وانشغال البطل الروائي بهذه الهموم السياسية تعبير واضح عن انشغالك أنت شخصيًا بها…فهل ترى ذلك صحيحًا?

 هذا سؤال صعب جدًا, والكاتب لا يخرج عن جلده حينما يكتب, وهذا في الهوية السودانية, صحيح أنني أعبّر عن أفكاري في قالب روائي الله أعلم, بمعنى أنني لا أتعمّد أن أناقش أفكارًا سياسية, والسياسة نفسها أصبحت مفهومًا واسعًا مثل الثقافة, فكل شيء تدخل فيه السياسة, يعني هموم الإنسان العادي فيه سياسة, لكن أنا أقصد في مكان ما من السودان هو مزيج من الواقع والخيال, أنا أريد أن أستكشفه, وأظن دون ادّعاء أنني من أوائل الذين قالوا إن الكاتب كأنه عالم أثري يبدأ (بكومة من التراب) ثم يظل يحفر… ويلم الأشياء بعضها من بعض و(يطلع) ببعض النتائج أحيانًا ويترك الأفكار مفتوحة, وفقًا لبراعته.

هناك من يقول إنك أشرت في أحاديث مصاحبة لـ (بندر شاه) إلى تأثر هذا النص بالحادثة أو (الواقعة), والأسطورة والخطاب الصوفي, وحرصت على التنبيه إلى البعد الرمزي في ذلك.. هل تتفق مع هذا الرأي?

 صحيح أنني نبهت لبعض الرمز, لأن الرمز مهم, ولأن الأدب في نهاية الأمر مجاز, ولأنني أستخدم مساحة واسعة في الزمان لابد من استقدام الرمز, ومنذ البداية, منذ كتبت قصة قصيرة اسمها (ود حامد) أجدني من خصائص عملي أنني أنزع إلى خلق أسطورة دائمًا, وأحوّل الواقع إلى أسطورة, وأمزج بقدر ما أستطيع بين الواقع والأسطورة.

وهل ذلك يعني أن استخدامك للأسطورة يعفيك من رفض الواقع كما هو, أم هي حال كشف أكثر للواقع?

لا…أنا لا أحاول أن أتحاشى الحرج, حتى فيما كتبته بأسلوبي هذا فيه حرج – كما تعلمين – في موسم الهجرة إلى الشمال, هذا أسلوب وهذه طريقة في النظر إلى الأشياء.

ربما هذا يتضح جليّا في (بندر شاه) حيث توسل الراوي بمرويات تراثية شعبية انفتح فيها المعقول على اللامعقول, وامتزجت فيها الحقيقة بالخيال…صحيح?

 كما ذكرت لك, هذا أسلوبي في الكتابة, وحتى لو قلنا إننا نظرنا لواقعنا أو على الأقل واقع هذا المكان الذي أتحدث عنه, هذا المكان الماضي والحاضر والمستقبل, الواقع والحلم, كل الأمور مخلوطة في حياة الناس, الحياة الكاملة تعني أن الناس يعيشون وهم يحملون كل هذه المكونات.

والغريب في الأمر أن الذين يزعمون بأنهم يكتبون أدبًا واقعيًا يدخلون أنفسهم في (ورطة) لأن الكاتب في هذه الحال مضطر لأن يهمل جميع هذه العناصر, ويأخذ الواقع الذي يراه, ويصبح الواقع عبارة عن (قرافة) أو مقابر, بالمناسبة طريقة كتابتي وكتابة جمال الغيطاني, كتابة جميلة جدًا, وفي هذا المعنى أظن نحن أقرب للواقع من الذين يزعمون أنهم واقعيون.

(بندر شاه), قمت بتجذيرها في التراث, وعضدت بها مسيرة الرواية العربية على درب التأصيل, هل ترى أن هذا الاتجاه كان له دخل في تعتيم خطابها وحجب قيمتها الحقيقية?

لا أظن بأي حال…وهذا عمل لم يكتمل بعد, والنقاد تحاشوها لأنها تحتاج إلى جهد أكبر في الدراسة, وهذا غير مهم بالنسبة لنا, لأن الأعمال مرهونة أصلاً بأوقاتها, ويمكن في المستقبل يرى البعض أن (بندر شاه) أهم من (موسم الهجرة).

الحق أن هناك أكاديميين اهتموا بشكل خاص بـ(بندر شاه) فقد قام د. فوزي الزمرلي (بجامعة منوبة) في تونس بمقاربة الرواية مقاربة شعرية ليقف على علاقاتها بالنصوص المنتمية إلى الجنس الروائي, ومن ناحية أخرى بالنصوص التراثية.

وقال: (إن الطيب صالح أقام نص (بندر شاه) ليرصد واقع المجتمع السوداني إثر اتصاله بالغرب, ونظرًا لاتساع فضاء ذلك الجنس الأدبي, فقد قام بتوظيف شتى أنماط التعبير من دون أن يخرج بذلك عن حدود جنسه الخاص)….ألا يعد ذلك اهتمامًا أكاديميًا?

هذا كلام جميل جدًا, إذا كنت فعلت كل هذا, وهذه قضيتنا, فلو نعمل إشارة إلى هذه الطريقة أو سياسة بهذه الطريقة ونطور الاقتصاد أيضًآ فسنكون قمنا بحل مشكلتنا.

اختلف النقّاد كثيرًا حول أعمالك, فقد كتب رجاء النقاش في نقده لـ(موسم الهجرة إلى الشمال): (إن الرواية تعالج المشكلة الرئيسية التي عالجها من قبل عدد من كبار الكتّاب العرب, إنها المشكلة نفسها التي عبّر عنها توفيق الحكيم في روايته (عصفور من الشرق), وعبّر عنها بعد ذلك يحيى حقي في روايته (قنديل أم هاشم) وعبّر عنها الروائي اللبناني سهيل إدريس في روايته (الحي اللاتيني) وأقصد بذلك, مشكلة الصراع بين الشرق والغرب, وكيف تواجه الشعوب الجديدة هذه المشكلة).كيف ترى ذلك?

 أولاً أحترم رؤية الأستاذ رجاء النقاش لأن الناقد من حقه أن ينظر كيفما يشاء, وهذه الحرية مكفولة للكاتب المبدع وللناقد أبضًا.

أما بالنسبة لرأي د.يوسف نور عوض عن (موسم الهجرة) فأنا لا أزعم لنفسي هذا – لكن هي عمل مختلف حقيقة إذا صدق – وربما جاء هذا الاختلاف عن عمل أساتذة أجلاّء لأنهم كتبوا في مرحلة مختلفة من طبيعة الصراع مع الغرب حيث كان الصراع وقتها في ذروته, فقد كانت هناك حرب الاستقلال في الجزائر, وفي مصر صدام عنيف جدًا مع الغرب, وقضية فلسطين, لذا كان من المستحيل أن أكتب كما كتب يحيى حقي, وتوفيق الحكيم, أو سهيل إدريس, فربما رؤيتي نفسها اختلفت في النظر إلى المسألة كلها, فربما ما رأيته إذا لم نقل إنه صراع, فهو مواجهة, وهم أقاموا علاقة رومانسية إلى حد كبير.

ثم إنني من السودان – وهم عرب من حوض البحر المتوسط, وهذه المنطقة تعاني نوعًا من الالتباس, فقد يخيل لبعض العرب في هذه المنطقة أنهم أوربيون, لأنهم من هذه المنطقة قريبون من اليونان, ونحن لا ندّعي هذه الحكاية, فنحن واضحون وحريصون ومختلفون, وأنا كتبت بهذا الإحساس, إلى جانب أنني عشت في لندن سنوات أطول, وتعمّقت في حياتهم أكثر من هؤلاء الأساتذة (من واقع الغربة).

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

3 تعليقات

  1. Totalmente de acuerdo. Los políticos terminarán colgados de las plazas antes de que nos demos cuenta.

  2. This website was… how do I say it? Relevant!! Finally I have found
    something which helped me. Cheers!

اترك تعليقاً