الرئيسية / العدد الثاني والعشرون / رسائل على قيد الإنتظار (4)

رسائل على قيد الإنتظار (4)

d8b1d8b3d8a7d8a6d984

شروق أبو نجمة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الساعة الثالثة والنصف فجراً ولا زلت في قمة إنعزالي عن الكون بك، دوماً ما يشدني هواك لأنعزل في التفكير بك، لأتأملك، لأشدو بين يدي الليل أعتاش الحلم في حضرة اليقظة، الحلم بك، والتفكير بك، والتفكير بهذه العلاقة المتشابكة، السهلة بقدر صعوبتها، والمستحيلة بحجم سهولتها، لم أشهد يوماً علاقة كهذه، لم أسمع ولم أجرب، بدائية في حياة البشر أنا، لا زلت في ريعان نضجي، لا زالت وريقات الطفولة متشبثة بأغصاني، ولا زلت صغيرة على حجم هذا الحب، أفكر دوماً كيف لأنثى مثلي بعفويتها وبساطتها وانعدام خبراتها أن تحب رجلاً مثلك أنت، أنت الذي أنهكته التجارب وأشبعته الخبرات، في الواقع تفرقنا سنوات عديدة، ولكن الحقيقة بأنك إجتزت عمري مرتان في بضع سنوات عشرينية، أنت الذي تمنيته كما لم أتمنى شيئاً من قبل، وكأنني لم أعرف يوماً سبيلاً للحب إلا حين صادفتك، وكأنني لم ألتق بأي مخلوق من جنس آدم إلا حين التقيتك، ولكم يشقيني كل هذا، يمزقني هذا الحب الملعون، الحب الذي يأبى أن يكون يوماً حقاً لغيرك..

أتعلم، دوماً ما ينشلني التفكير بك لمتاهات أبدية، ما إن أقف على عتبة الحل حتى أجد نفسي قد احتجزت في متاهة أكبر، أحياناً أظن بأنه علي الإعتياد على هذا الواقع المقدر، وأحياناً أتمرد على قلبي لأجلك، فكيف سأقبل بأن يصبح حبي في عمرك مجرد تجربة ستقمع، حبي لك الذي لم أشهد في عمري حكاية تماثله، حتى الأساطير لم تعد تغريني، فأنا موقنة اليوم بأني على عتبة حكاية مثقلة في جيوبها كل الحكايات العشقية التي أذهلت كل العاشقين، ولكنها لم تعد تجذبني أنا، لم تعد تذهلني، فأنا البطلة اليوم في حكاية أصعب وأشقى، وأنا أجازف اليوم بما هو أكبر، وأنا أحبك اليوم في زمن بات الحب فيه حكايات ليس أكثر، وأحمل لك في قلبي حباً لا تدركه، أحاربك وأحارب نفسي وأحارب الحياة، أثور في دولة عشق إقطاعية، ولا أجني من حبي سوى جلدات القدر!!

أيا ليل ما بك لا تعاتبني، ويا ليتك تعاتبني، ليتك تدعوني لموائد النوم الشهية، تأمرني التهامها بنهم، علِ أُشبع ذهني قليلاً، عل القلب يغفو، فقد طال انتظار القمر، صدقاً يا ليل يرهقني ذاك القمر..

غافلتني واعتزلت الإنارة، لم تعد تنير دنياي بقدر ما تحرقها، وبقدر ما يحرقني الشوق لعيناك، منذ دقيقة، منذ عشرون دقيقة، منذ ساعة، منذ ثلاث ساعات، مللت الترقب من خلف الشاشة!!، احتاج اختطاف ملامحك قليلاً، فهل يحق لي يا قمري وهل على العاشق حرج؟؟

استوحشت يا قمري الملائكي، بت تعذبني، بت تغيب ويناوشني في غيابك السهر، حنين وملل، شوق بلا أمل، لا اعرفني!!، لم أعد أصلي الليل كما في السابق، بت أصليه لأجلك، أجدل لك دعواتي في كل ليلة سراً، طالبة لك الهداية، طالبة المغفرة، وهل من مغفرة تلحق بي على هذه الخطيئة، خطيئة الحب الأعرج؟!، ما بالي يا أنت بت منزوعة العقل، ضحية نفسي أنا اليوم، أعدو خلفك كطفلة فقدت كل عائلتها في مدينة خالية، لم أجد فيها إلا أنت، فكفاك عبثاً في بالي يا أنت، كفاك استلالاً للنبض تلو الفكر، فعمر الليل طويل جداً ووحدي حين أرافقه أجن!!

أذكر صوت الشحرورة مع كل بزوغ للقمر” عاشقة وغلبانة والنبي”، تضحكني حالة الغلب التي استوحدت ملامحي يا قمر…

أثم قلبي للحد الذي لم تعد تجدي التوبة، ويا ويلتي حين يأثم القلب بجريمة الهوى، فلن يفلح محامي التهرب أو النسيان من اكتساب هذه القضية، قد تخفف الأحكام العاطفية إِلى المؤبد بدلاً من الإعدام عشقاً، لكن مع نهاية الجلسة سيصدر حكم النبض: حكمت محكمة الحب بأن لا يحصل هذا القلب على البراءة أبداً…

***

دوماً ما أذكر ذاك اليوم، اليوم الذي حفرت تاريخه وساعته وثوانيه في عمري نحتاً عاطفياً، يوم حديثنا الأول، الحديث الذي لا زلت أذكره بأدق تفاصيله، أنا التي تنعت نفسها دوماً أنها تعاني من الزهايمر!!، وها قد عجز الزهايمر أمام فتنتي بك، كم هو موشوم في ذهني ذاك الحديث، الذي بدأ يكرر نفسه اليوم تلو اليوم، حتى أصبحت أنت اليوم في يومي، كم بدأت تستحوذني منذ فجر لحظاتك في حياتي، أدركت يومها وبشعور أجهل مصدره أنك لن تمر في عمري كأي عابر، ولن تقتحم حياتي كأي إنسان مسالم، ولربما كان حدس العاشق؟!

دوماً ما كان التعمق بك يغريني بقدر ما يذهلني، أنت الثورة الغامضة في تاريخي، النابض في قلبي، وكأنك منذ كُتب القدر أعلنوك جزءاً مني، كنصفي الآخر، بل كأنا!!، بت أبحث عن نفسي لأجدني فيك، شيء ما يربطنا، رغم كل الحدود التي تفصلنا، دوماً ما أجدني مشدوهة لك، بالأسماء، بالمكان، بالحياة، بكل الحقائق التي أجهلها والتي أعرفها، حتى بت متأكدة بأننا لسنا كسوانا، فمعك أنت فقط أدركت بأن القلوب عند بعضها، وكل الأشياء عند بعضها…

يحيرني الترابط الذي يربطنا من لا شيء يا أنت، يحيرني نقصي الذي يلوح في دنياك، أفكاري التي تحاصر كونك، خططي التي وجدتها في حضاراتك، خرائطي التي تزينت بتخميناتك، اختلافاتنا المتشابكة، بداياتنا، حاضرنا، مستقبلنا، رشاقة حكايتنا!!

أجزم اليوم بأن مجيئك لم يكن عبثاً، فلكم بعثرتني الدنيا يوماً لأكون الآن هنا، أعلن القدر يوماً الانقلاب في عمري، باغتني بالجنون، لتهوي بي الحياة إليك، لأجدك متربعاً في مملكتي، أنت الأمير المنتظر، أنت ما وراء العشق، أنت اللانهاية وما بعدها، غارقة أنا بك حتى آخري، أنا التي ارتدت الشروق منذ بداية العمر، ولم تشرق، أشرقت اليوم بعدما أقر النصيب بأنك شمسي، لا يحجبني عنك شيء سوى كل شيء، أنت سبيلي المعروف و اللا منطقي…

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً