رقصة الظل

1011211_566258723424746_2129433522_n

مجاهد علي الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 **

إبتدأت الحفلة بطريقة غير متوقعة، وفي زمن غريب أيضاً، و لسبب أغرب، فأغلب الأشياء هنا هكذا… تبتدئ دون تخطيط مسبق وتنتهي على نفس الشاكلة ، العراك ، البكاء، ممارسة الجنس، التغوط ، الموت، بل و حتى ولادة الأطفال، ففي الليلة السابقة ، وبعد منتصف الليل – في الواحدة و سبع دقائق تحديداً – و الكل يتوسد حيزه من الرصيف، يلتحفون أمانيهم بعد يوم آخر ؛ طويل و شاق، مخدرين و شبه نائمين ، يحلقون في سماء عالم مختلف بفعل تلك المادة التي تكتشف أماكن جديدة في ثنايا قطع القماش التي تزين أفواههم ، تختلط بعد ذلك مع لعابهم ، ثم ينز الخليط و يتسرب تأثيره ليغطي ما تبقى من مساحات وعيهم ، فيشعرون بالسكون و الدفء ، فهنا بقدر ” انسطالك ” يكون دفئُك.

وهم في حالتهم تلك سمعوا أنات كمواء قط صغير، ظن البعض أنها تتسرب من حلم يقظة عابر، لكن عندما تكررت بضع مرات هب أغلبهم إلى مصدر الصوت بكسل لذيذ مثل كائنات الزومبي، يجرجرون أجسادهم التي ثقلت عليهم ، كانت الأصوات منبعثة من تنقا ، المنكفئ علي جسده النحيل، مرتجفاً كعصفور إندلق عليه سطل ماء بارد، حتى يسمع صكيك أسنانه مع بعضها ، تنساب من عينيه قطرات من الدمع إلى وجهه الأغبش، يتكلم بمشقة، يخبرهم بأنه يشعر بشيء بارد يتحرك من أسفل معدته إلى أعلى صدره، تدور في عقله الصغير دوامات من الأسئلة عن طعم الموت ، و لماذا يموت الأطفال هكذا دون أن يستمتعوا بهذه الحياة ، الشيء الوحيد الذي يتمني من الله عدم إصابته به ، لكنه رغم ذلك متعلق بالرب كثيراً، ربما تأكيداً لقول نيتشه بأن : “الأغنياء لم يتركوا للفقراء شيئاً سوى الله “.

إصطفوا حول تنقا الذي كان يخبرهم بصوت متقطع أنه لا يريد أن يموت قبل أن يحقق حلمه الأكبر؛ وهو مشاهدة فيلم هندي، فقد حكى له دوشكا مراراً عن متعة هذا الأمر. هو الآن يتخيل نفسه محمولا فوق عنق دوشكا حتى يتمكن من رؤية المشهد المنتظر منذ الأزل ، يتقدم البطل نحو حبيبته ، تتقدم نحوه، يفتح ذراعيه ، تحتضنه ، يزيح خصلات الشعر المتبعثرة على وجهها ، تلتقي أنفاسهما الدافئة ، ثم يذوبان في قبلة عميقة ، بعمق قصيدة صوفية. في تلك اللحظة تتسع عيناه الصافيتان إلى آخرهما ، يكبر إنسان عينه إلى الضعف ، يبتلع المشهد بكل تفاصيله ، يصفق.. يصفر .. يقفز عالياً من كتفي دوشكا، يندهش: ” دينااااك ! ” ، يحتفي مع الأصدقاء أمام الله ، الملائكة ، و الحضور الذين يشرعون في سبه بذريعة أنه يشوش عليهم، هم فقط يحسدونه ، يودون أن يفعلوا الأشياء التي فعلها قبل قليل ، لكن أناهم الزائفة تمنعهم من ذلك و تقلم أظافر إرادتهم .

قطع عليه دوشكا حلمه الجميل ذاك بقوله : ” ما حا نخليك تموت يا ود الكلب ” دوشكا الصارم دوماً بعينيه التائهتين في الفراغ، تكسوه قسوة مصطنعة، لتحافظ على هيبته كزعيم مشردين أصيل، هو متعلق بتنقا إلى حد كبير، الأمر الذي حاول تجنبه ليس لشيء سوى أنه لا يريد التعلق بشخص لا يضمن بقاءهُ ، فمنذ أن ظهر تنقا فجأةً ، كقبس أُلقي به من السماء ، بشخصيته المرحة و ابتسامته التي تطوق عنق المكان المسمى مجازاً بيت، تعلق به إلى أقصى حد ، أحبه محبة أخ أكبر، إحتواه بكل ما يسع القلب، حكى له عن أزمان ماضية، وسرد له تفاصيل حيوات أسلافه من المشردين،عن السينما، التسكع و قوانين التشرد، عن الأصدقاء الذين عبروا جسر الغياب ، ومع هذا فقد كان يعتب على تنقا أنه لا يتعاطى ” السلس ” ، المادة التي حسب قوله : خلقها الله خصيصاً لهم ، وليس للساتك السيارات كما يروج له الإعلام ، وذلك ليس لدواعي أخلاقية أو دينية ، بل لأن تنقا لم يستطع أن يبقى قطعة القماش في فمه أكثر من دقيقة . بدأ دوشكا بخلع ملابسه المتسخة عن جسده الضخم قطعة قطعة ، رماها على جسد تنقا ، ثم تبعه بعد ذلك فكة ،كودي ، آدماي ، نادية ، ثم جوك، وبقية المشردين ، الذين كانوا نحو خمسين شخصاً، أمسى تنقا كومة من الملابس الممزقة التي تطفو في عفونة عتيقة ، أحس تنقا بحميمية اللحظة ، وبأنه أكثر شخص محبوب على إمتداد الأرصفة وربما العالم ككل ، ثم شرع ينظر إليهم من تحت كومة الملابس التي تغطيه ، وهم في كامل عريهم، البرد ينهش أجسادهم كذئب جائع منذ أسبوع.

تفرقوا في كل الجهات ، جمعوا الكثير من الأوراق ، الأوساخ ، و كل ما يثير شبق النار، وضعوها بقرب تنقا الصغير ، ثم أشعلوها ، بدأت ألسنة اللهب تعلو شيئاً فشيئاً ، تحلقوا حولها على شكل دائرة، و كشيء معد له مسبقاً إبتدأت الحفلة على أنغام صوت جوك العزب وهو يشدو لهم ببعض الأغاني بينما كانوا يتحركون حول النار ويصدرون همهمات منتظمة كأنه كورال سماوي، يرقصون بكل حرفية لتنعكس ظلالهم على الحائط الذي خلفهم، فيبدون كأشباح جميلة خرجت من العدم، لتمارس رقصة الظل

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

اترك تعليقاً