الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / سينما الطيب صالح التي كان يجب أن تكون .. عرس الزين نموذجاً

سينما الطيب صالح التي كان يجب أن تكون .. عرس الزين نموذجاً

مرسال

ابراهيم مرسال:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

والكتابه عن ما يخص الطيب صالح (رحمه الله) أمر جلل, كيف تقول ما تريد قوله في حضرة الأديب السوداني الأول وأحد أعمدة الأدب الأفريقي والعربي .. الرجل كنز لم يستكشف كامل الاستكشاف , أصابته لعنة “لا كرامة لنبي في قومه “, فهذا الأديب الذي يحتفي به كل العالم, نصيبه من الاحتفاء عندنا هو جائزة أدبية تجارية , و شارع غير رئيس في العاصمة ! .

إن أكثر صور عدم استغلال الكنز المسمى بالطيب صالح , يظهر في جانب السينما .. فالفيلم الوحيد الذي أنتج من أعماله هو إنتاج كويتي , فيلم (عرس الزين) الذي كتب السيناريو الخاص به  واخرجه الكويتي خالد الصديق , من معالجة لرواية الطيب صالح التي تحمل نفس الاسم, انتج الفيلم عام 1976, وكان الممثل الرسمي للكويت في مسابقة أفضل فيلم أجنبي في أوسكار ذلك العام , إلا انه لم يترشح .

كان الفيلم وفياً للرواية وأحداثها , مع بعض الإضافات الضروريه لمعالجة النص الروائي درامياً , ويظهر لك حيز الإبداع الواسع لو وجدت أعمال أديبنا الطيب صالح , بعضاً من الاهتمام السينمائي ..

الفلم نجح كما الرواية في نقل تفاصيل القرية السودانية بصورة بديعة .. ولا عجب , فالمخرج الكويتي نظر للرواية ولمواقع التصوير نظرة السائح المنبهر .. ويحسب له دقته في نقل تفاصيل المناسبات الإجتماعيه التي تعج بها الروايه والفيلم ..

اختيار المخرج للممثلين كذلك كان ممتازاً .. فالرواية صعبة في شخصياتها, تحتاج الى عين بصيرة لاختيار الممثل القادر على تجسيد انسان الرواية , وقد سألت نفسي كثيراً كيف يمكن ايجاد ممثلين قادرين على إحياء شخصيات هذه الرواية العظيمة , لو قدر إنتاجها الآن في شكل فيلم .. وأعتقد  أن المخرج وفق غاية التوفيق في هذا التحدي .. إن أميز ما كان في الفيلم هو أداء الممثل (علي مهدي) لشخصية الزين , فقد نجح في التقاط جنون و صخب الشخصية , مع الابقاء على روحها الغامضة والجذابة .. كذلك يجب الإشارة لأداء الممثلة (تحيه زروق ) في دور نعمه, فقد جسدت و عبرت ببراعة عن جملة الروايه الشهيرة في وصف (نعمه) :” كل هذا وفي الحي فتاة وقورة المحيا, غاضبة العينين, تراقب الزين في صمت ”  ..

ما يعاب على الفيلم إبتعاده عن سرعة الرواية .. فرواية (عرس الزين) من الروايات التي يندر وجود من قرأها في اكثر من جلسة واحدة .. إذ أنها تتقافز ببراعة بين مزيج كبير من الشخصيات والقصص, يصعب معه الشعور بالملل أو مقاومة الإنجراف مع الوتيرة السريعة .. وأعتقد أن المخرج قد وقع بين مطرقة كثرة شخصيات الرواية , وسندان صعوبة استكشافها كلها في فيلم واحد .. فحاول تقديم موجز بصري عن الرواية , بدل التركيز على نقل وجهة نظر واضحة ..

كذلك فان الفيلم يحتاج إلى معالجة تقنية تحول النسخة الاصلية الى نسخة رقمية جيدة .. فالنسخ الموجودة الآن على الانترنت مريعة في سوء جودتها .. وهذه دعوه لسودان فلم فاكتوري, المؤسسه الرائدة في معالجة الأعمال الفنية السودانية القديمة رقمياً, كي تقوم بسحرها مع هذا الفيلم الذي يحمل بصمة تراثية  من المخجل رؤيتها بالجودة السيئة الموجودة الآن ..

ختاماً .. فإن روايات الطيب صالح كنز سينمائي لا مثيل له .. هي روايات تغوص بعمق في نفسية الانسان السوداني, وتحتوي كذلك على الكثير من الأحداث المثيرة , خالقة مزيجاً فريداً من الدراما المشوقة ومن المؤسف عدم استغلالها حتى الان .

 زد على ذلك مواقع وقوع الروايات , فهي أماكن ثرية لتشكيل الشخصيه في حد ذاتها .. وكان سيكون من الممتع رؤيتها وهي تستغل بصرياً ..

أفضل ما يمكن به ختام هذا المقال , هو كلمات الرجل نفسه .. الطيب صالح متحدثاً عن أعماله والسينما حين سأله محرر مجلة العربي عن السينما و الرواية  .. فكان رده :

 ” علاقتي بالسينما؟! الله يعلم ما علاقتي بالسينما !! .. علاقتي بالسينما كروائي أنني مشاهد مهتم ومتابع للمتميز من الأفلام ، وأعتبر نفسي مشاهداً غير عادي.. إذا كان المشاهد العادي يبحث في السينما عن مجرد المتعة ، فأنا أزيده في أنني أتتبع النشاط السينمائي فناً قائماً بذاته، ويهمني أن ألاحظ مزايا مدارس هذا الفن وإنجازاتها، وأعجب بإبداعات السينمائيين الكبار في كل أنحاء العالم، أما علاقتي الشخصية بالسينما – وأقصد علاقتي الروائية – فلا تزيد على أن إحدى رواياتي وهي “عرس الزين” قد حولت إلى السينما، على يد المخرج الكويتي خالد الصديق ، ولكنني أرى أن ثمة علاقة واجبة بين مختلف أشكال الفن وفروعه، ومن المفترض أن تنفتح الفنون على بعضها بعضا، ثم إنني أرى في وسائل الاتصال الجماهيرية وفنونها والسينما والتلفزيون , تعزيزا للإنتاج الروائي، فهي تنقل الرواية من حيز الورق إلى حيز الصورة المجسدة حيث يراها أكبر عدد من الجمهور , وخصوصا الجمهور الواسع الذي لم يعتد قراءة الكتب في حياته اليومية، وهذا مكسب يعد في صالح الروايات وكتابها أما قضية المطابقة أو عدم المطابقة بين الأفلام وأصولها الروائية ، فأعتقد أن علينا أن ندع هذا الأمر للعاملين في ميدان السينما، ولمدى حساسيتهم، وإدراكهم للعلاقة الحميمة بين الأدب والسينما. . ولو نظرنا إلى ما يجري في عالم اليوم لرأينا أن السينما والتلفزيون يعيشان على الإنتاج الروائي بالدرجة الأولى، ويقدمان من خلاله أبرز إبداعاتهما الدرامية، والأمر لا يتعلق بالإنتاج الروائي المعاصر والحديث فحسب، بل يمتد ليشمل عيون الإنتاج الكلاسيكي إن في الرواية أم في المسرح، ولكن إذا تساءلنا: هل نقلت هذه الأعمال الروائية إلى السينما كما يريد الكاتب، أم أن السينما غيرت وبدلت في هذا العمل أو ذاك؟ فتلك في رأيي قضية أخرى، هنا لا بد من الاعتراف- وهذا هو رأيي الذي أكرره دائماً – بأن لكل وسيلة فنية منطقها الخاص، ولغتها المميزة، ولذلك فإن مسئولية الكاتب الروائي تنتهي عند حدود ما كتب بين دفتي روايته.. وإذا ما وثق هذا الكاتب بمخرج معين، وقبل أن ينقل هذا المخرج روايته إلى لغة السينما، فإن المسئولية عند ذلك تقع على عاتق المخرج، ويكون الكاتب في حل من هذه المسئولية الفنية في هذا النتاج السينمائي الجديد. “

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً