قصتان للطيب صالح

قصتان للطيب صالح

الرجل القبرصي 


نيقوسيا في شهر يوليو
كما لو أن الخرطوم قامت مقام دمشق. الشوارع كما خططها الإنجليز، والصحراء – 

صحراء الخرطوم. ولكن ذلك الصراع بين ريح الصبا وريح الدبور كما أذكره في دمشق وهي إنجليزية من رأسها حتى أخمص قدميها بالرغم من كل تلك الدماء صدمت لأنني توقعت بلداً ذا طابع هليني لكن الرجل لم يهملني ريثما أوصل الفكرة إلى نهايتها. جاء وجلس جانب على حافة حوض السباحة التفت لفتة خفيفة فأحضروا له فنجان قهوة فوراً اتجه نحوى كأننا كنا على موعد.
وقال:
سائح ؟
قلت: نعم


أحدث صوتاً لم أفهم مغزاه كأنه يقول أن مثلي لا يستحق أن يكون سائحاً في نيقوسيا، أو أن نيقوسيا لا تستحق أن يكون مثلي سائحاً فيها.
انصرفت عنه بالتمعن في امرأة وجهها مثل ملائكة روفائيل، وجسدها مثل نساء قوقان. هل هي الزوجة أم المرأة الأخرى؟ وقررت بسرعة أن الزوجة هي المرأة الأخرى لأن الرجل منصرف بكليته إلى المرأة السماوية الوجه، الأرضية الجسد. مرة أخرى قطع علي صاحبي القبرصي حبل تفكيري:
– من أين؟
– من السودان؟
– ماذا تعمل؟
– في الحكومة؟
أيضاً ذلك الصوت الغريب، لكن مغزاه كان واضحاً لا مراء فه هذه المرة، يعني، أنني، والسودان، والحكومة، ماذا أقول؟ ابتسمت لأن الحكومات صدرها واسع على أي حال، وأنا في الواقع لا أعمل في الحكومة.
– قال بلا مناسبة ، بإنجليزية حسنة:
– عندي مصنع.
– صحيح؟
– لصنع أزياء النساء.
– شئ جميل.
– كونت ثروة كبيرة اشتغلت مثل العبد . عملت ثروة. الآن لا أعمل أقضي وقتي كله في الفراش.
– تنام؟
– أنام ؟ أنت تمزح. ماذا يفعل الرجل في الفراش ؟ يلهو. طالع نازل. واحدة تلو الأخرى. طول اليوم.
– ألا تتعب؟
– أنت تمزح. انظر إلى كم تظن سني؟
– أحياناً خمسون، وسبعون أحياناً، لكنني لم أشأ أن أساعده قلت له:
– سبعون
لم يؤلمه ذلك كما قدرت، ولكنه ضحك ضحكة مجلجلة وقال:
– خمسة وسبعون في الواقع، ولكن ما من أحد يعطينى أكثر من خمسين، قل الحق.
– خمسون إذا شئت.
– لماذا؟
– تتريض.
– نعم، في الفراش، أطلع أنزل بيض وسود وحمر وصفر. كل الألوان. أوروبيات وزنجيات وهنود وعرب ويهود مسلمون ونصارى وبوذيون جميع الأديان.
– أنت رجل متحرر.
– نعم في الفراش..
– وفي الخارج؟
– أكره اليهود.
– لماذا تكره اليهود؟
– هكذا، لوجه الله . ثم إنهم يلعبون بحذق !
– ماذا؟
– لعبة الموت. مارسوها منذ قرون.
– لماذا يغضبك هذا؟
– لأنني.. لأنني.. لا يهم.
– ألا يغلبون؟
– كلهم ستسلمون في نهاية الأمر، بكت ، في انتظار قودو.
– ونساؤهم؟
– ليس أحسن منهن في الفراش.. كلما ازدادت كراهيتك لهم ازدادت متعتك مع نسائهم انهم شعبي المختار.
– وزنوج أمريكا ؟
– لم تصل علاقتي بهم إلى درجة الكراهية. يجب أن أنتبه لهم أكثر.
– والعرب؟
– يثيرون الضحك أو الرثاء ، ويستسلمون بسهولة، في هذه الأيام على الأقل اللعب معهم ليس ممتعاً لأنه من طرف واحد..
فكرت، لو أنهم قبلوا بقبرص، لو أن بلفور وعدهم إياها.
ضحك الرجل القبرصي ضحكته المجلجلة وقال:
“المرأة تطيل العمر – يجب أن يبدو الرجل أصغر من سنه بعشرين سنة على الأقل، هذه هي الشطارة”.
– هل تخدع الموت ؟
– ما هو الموت ؟ شخص يلقاك صدفة ، يجلس معك ، كما تجلس الآن ، ويتبسط معك في الحديث ، ربما عن الطقس أو النساء أو أسعار الأسهم في سوق المال. ثم يوصلك بأدب إلى الباب يفتح الباب ويشير إليك أن تخرج بعد ذلك لا تعلم.
كأن غيمة رمادية ظللت برهة فوق المكان، لكنني في تلك اللحظة لم أكن أعلم أن القداح تضرب وأن الرجل القبرصي يلعب معي لعبة خطرة.
اتسعت موجة الضحك فشملتني كانت عائلة عذبة أنست لها منذ جلست، الأب طيب الوجه، والأم صوتها الإنجليزي مثل لحن إليزابيثي من أوتار قيثارة عريقة أربع بنات كبراهن لا تزيد عن الثانية عشرة. كن يدخلن حوض للسباحة ويخرجن ويضحكن، ويعابثن أبويهن ، ويضحكن وكانوا يبتسمون لي، ويوسعون دائرة سعادتهن حتى شملتني. وجاءت لحظة رأيت على وجه الأب أنه يوشك أن يدعوني أن أنضم إلى مجلسهم، في تلك اللحظة دهمني الرجل القبرصي قامت البنت الكبرى وخطت برشاقة نحو حوض السباحة قال الرجل للقبرصي والبنت توقفت فجأة كأن قوة غامضة أوقفتها قال:
– هذه أدفع فيها مائة جنيه إسترليني.
قلت له مذعوراً:
– “لماذا”؟
أشار الرجل القبرصي بذراعه إشارة بشعة.
في تلك اللحظة انكبت البنت على وجهها، سقطت على الحجر وسال الدم من جبهتها هبت العائلة الطيبة مثل طيور مذعورة وأحاطوا بالبنت فوراً قمت من جنب الرجل وأنا أشعر نحوه بكراهية طاغية، وجلست على مائدة بعيداً عنه.
تذكرت بنات وأمهن في بيروت وغضبت، ورأيت أفراد العائلة الجميلة ينصرفون مبتئسين، البنات يتشبثن بالأم والأم تتحامل على الأب، فغضبت أكثر ثم سكت وسكتت الأشياء حولي . وانحسرت الضوضاء وجاء صديقي الطاهر “ود الرواسي” وجلس إلى جانبي على الكنبة أمام متجر سعد كان متهلل الوجه نشطاً ممتلئاً عافية قلت له:
“صحح ليش ما كبرت أو عجزت مع أنك أكبر منهم كلهم؟”
قال:
“من وعيت على الدنيا وأنا متحرك ما أذكر أني وقفت من الحركة أشتغل مثل الحصان وإذا كان مافي شغل أخلق أي حاجة أشغل نفسي بيها. أنوم وقت ما أنوم بدري أو وخري، شرط أصحي على المؤذن أول ما يقول “الله أكبر الله أكبر” لصلاة الفجر”.
– لكنك لا تصلي؟
– أتشهد وأستغفر بعد ما المؤذن يخلص الأذان، وقلبي يتطمن أن الدنيا ماشية زي ما كانت. آخذ غفوة مثل نص ساعة، العجيب غفوة ما بعد الأذان تسوي عندي نوم الليل كله. بعدها أصحي كأنه صحاني منبه. أعمل الشاي واصحي فاطمة. هي تصلي صلاة الصبح.. نشرب الشاي. أنا أ،زل أقابل الشمس فوق صفحة النيل وأقول لصباح الله حبابك ومرحبابك. أغيب ذي ما أغيب أرجع ألقى الفطور حاضر نقعد أنا وفاطمة وأي إنسان من عباد الله تجئ به لينا القسمة أكثر من خمسين سنة على هذي الحالة”.
يوماً ما سأسأل الطاهر ود الرواسي، عن قصة زواجه بفاطمة بنت جبر الدار، إحدى أخوات محبوب الأربعة. هل أسأله الآن؟ لم يكن ولاؤه لنفسه، بل كان لمحبوب، وكان يضحك على نفسه وعلى الدنيا. هل صبح بطلاً ؟ واضح أنه إذا جد الجد فسوف يفدي محبوب بنفسه. هل أسأله الآن؟ لكنه قال، وحده جملة صغيرة مصنوعة من نسيج حياته كلها:
– “فاطمة بنت جبر الدار هالله. الله”.
– ومحبوب؟
ضحك الطاهر ود الرواسي ضحكة لها طعم تلك الأيام، وذلك مدى حبه لمحبوب، حتى ذكر اسمه يملؤه سعادة، كأن وجود محبوب على وجه الأرض يجعلها أقل عدواناً، وأكثر خيراً في نظر الطاهر ود الرواسي ضحك وقال وهو يضحك:
“محبوب حاجة تانية محبوب معمول من طينة غير”
ثم سكت وكان واضحاً لي أنه لا يريد وقتها أن يقول أكثر في ذلك الموضوع بالذات بعد مدة سألته:
“عبد الحفيظ قال إنك ما دخلت الجامع في حياتك أبداً صحيح؟
– مرة واحدة بس دخلت الجامع.
– ليش ؟ وعلشان إيش ؟
– مرة واحدة فقط كان شتاء من الشتوات طوبة أو أمشير والله أعلم.
قلت له:
– كان في أمشير بعد ما دفنتم مريم باللّيل.
– صحيح عرفت كيف؟
– كنت معاكم موجود.
– وين؟ ما شفتك داك الصباح، مع أن البلد اجتمعت كلها يومداك في الجامع؟
– كنت عند الشباك أظهر وأبين لحد ما قلتم ولا الضالين آمين.
– سبحان الله الرجل الغريب محيميد المسكن كان صرخ ويقول: الرجل الكان هنا راح وين؟”
– وبعدين؟
فجأة طائر الأحلام طار. اختفى ود الرواسي، واختفت “ود حامد” بكل تلك الاحتمالات وحيث كان يجلس رأيت الرجل القبرصي، سمعت صوته فانقبض قلبي سمعت الصراخ والضوضاء وارتطام الماء بجوانب المسبح، وتشكلت الأشباح على هيئة نساء عاريات ورجال عراة وأطفال يتقافزون ويتصايحون وكان الصوت يقول:
“أدفع في هذه خمسين جنيهاً استرلينياً فقط”.
ضغطت عيني لأصحو أكثر ونظرت إلى السلعة المعروضة في السوق كانت تلك المرأة كانت تشرب عصير برتقال في اللحظة التي قال فيها الرجل القبرصي ما قال شرقت واختنقت وهب إليها الرجل وهبت المرأة وجاء الخدم والسعاة واجتمع الناس وحملوها مغشيا عليها وكأنما ساحر أشار بعصاه السحرية، فإذا بالناس، كما خيل لي قد اختفوا فجأة والظلام أيضا كأنه كان على مقربة ينتظر إشارة من أحد، نزل دفعة واحدة أنا والرجل القبرصي وحدنا والضوء يلعب ألاعيبه على صفحة الماء قال لي بين النور والظلام:-
“بنتان أمريكيتان وصلتا هذا الصباح من نيويورك جميلتان جداً وثريتان جداً واحدة في الثامنة عشرة وهي لي والثانية في الخامسة والعشرين وهي لك. أختان تملكان فيلا في كابرينيا عندي سيارة لن تكلفك المغامرة شيئاً اسمع كلامي لونك سيعجبهن جداً”.
كانت الظلمة والضوء يتصارعان حول المسبح وعلى سطح الماء وكان صوت الرجل القبرصي كأنما يزود جيوش الظلام بالسلاح لذلك أردت أن أقول له فليكن، ولكن صوتاً آخر خرج من حلقي دون إرادتي قلت له وأنا أتابع الحرب الدائرة على صفحة الماء:
“لا، أشكرك لم أحضر إلى نيقوسيا بحثاً عن هذا جئت لأتحدث إلى صديقي الطاهر ود الرواسي في هدوء لأنه رفض أن يزورني في لندن، وأعياني لقاؤه في بيروت”.
ثم التفت غليه ويا هول ما رأيت أنا واهم أم حالم أم مجنون؟ جرت، جرت لائذاً بالجمع في مشرب الفندق طلبت شراباً ما وشربته لا أذكر مذاقه وشربته لا أعلم ماذا كان.. هدأ روعي قليلاً ولكن الرجل القبرصي جاء وجلس معي كان يقفز على عكازين طلب كأساً من الو سكي دبل قال انه فقد ساقه اليمني في الحرب أية حرب؟ حرب من الحروب ماذا يهم أية حرب؟ تهشمت ساقه الخشبية هذا الصباح صعد جبلاً ينتظر ساقاً جديدة من لندن. صوته إنجليزي أحياناً وتشبه لكنة ألمانية أحياناً ويبدو لي فرنسياً أحياناً، ويستعمل كلمات أمريكية:
– هل أنت…؟
– لا لست أنا بعض الناس يحسبوني إيطالياً وبعضهم يحسبونني روسياً، وبعضهم ألمانياً.. أسبانياً.. ومرة سألني سائح أمريكي هل أنا من بسوتولاند تصور ماذا يهم من أين أنا؟ وأنت يا صاحب السعادة؟
– لماذا تقول لي يا صاحب السعادة؟
– لأنك إنسان مهم جداً.
– ما هي أهميتي؟
– إنك موجود اليوم ولن تكون موجوداً غداً.. ولن تتكرر.
– هذا يحدث لكل إنسان ما أهمية ذلك؟
– ليس كل إنسان مدركاً أنت يا صاحب السعادة تدرك موضعك في الزمان والمكان.
– لا أعتقد ذلك.
شرب الكأس دفعة واحدة، ووقف على ساقين سليمتين إلا إذا كنت واهماً أو حالماً أو مجنوناً وكان كأنه الرجل القبرصي انحنى بأدب متصنع جداً وكان وجهه كما رأيته على حافة البركة يجعلك تحس أن الحياة لا قيمة لها وقال:
“لا أقول وداعاً ولكن إلى اللقاء يا صاحب السعادة”.
كانت الساعة العاشرة حين دخلت فراشي تحايلت على النوم بوسائل شتى وكنت متعباً سبحت طول اليوم حاولت التحدث إلى الطاهر ود الرواسي.. سألته عن قصة زواجه من فاطمة بنت جبر الدار سألته عن حضوره صلاة الفجر في ذلك اليوم المشهود سألته عن ذلك الغناء الذي كان يعقد ما بين الضفتين بخيوط من حرير، بينما كان محيميد المسكين يضرب في أليم ملاحقاً طيف مريم لكنه لم يجب . لم تسعفني الموسيقى ولم تسعفني القراءة وكان يمكن أن أخرج أذهب على ملهى أو أجلس في مشرب الفندق لا حيلة لي ثم بدأ الألم خدر خفيف في أطراف أصابع القدمين، أخذ يزحف تدريجياً إلى أعلى حتى كأن مخالب رهيبة تنهش البطن والصدر والظهر والرأس وكأن نيران الجحيم اشتعلت مرة واحدة كنت أغيب عن الوعي ثم أفيق، ثم أدخل في دوامة رهيبة من الآلام والنيران والوجه المرغب يتراءي لي بين الغيبوبة وشبه الوعي، ينط من مقعد إلى مقعد يختفي ويبين في أنحاء الغرفة أصوات لا أفهمها تجئ من المجهول ووجوه لا أعرفها مكشرة قاتمة ولم تكن لي حيلة كنت واعياً بطريقة ما ولكن لم تكن لي حلة أن ارفع سماعة التلفون أطلب طيباً أو أ،زل إلى الاستقبال في الفندق أو أصرخ مستغيثاً كانت حرباً شرسة صامتة بيني وبين أقدار مجهولة ولابد أنني انتصرت نوعا من الانتصار لأنني صحوت على دقات الساعة الرابعة صباحاً. والفندق والمدينة صامتين اختفت الآلام إلا من إحساس بالإعياء وإحساس بيأس شامل كأن الدنيا بخيرها وشرها لا تساوي جناح بعوضة بعد ذلك نمت في التاسعة صباحا حقت الطائرة الذاهبة بي إلى بيروت فوق نيقوسيا فبدت لي مثل مقبرة قديمة.
في مساء اليوم التالي في بيروت دق جرس الباب وإذا امرأة متشحة بالسواد تحمل طفلا كانت تبكي وأول جملة قالتها:
“أنا فلسطينية ابنتي ماتت”
وقفت برهة أنظر إليها لا أدرى ماذا أقول ولكنها دخلت وجلست وقالت:
“هل تتركني أرتاح وأرضع الطفل ؟”
– بينما هي تحكي لي قصتها دق جرس الباب أخذت البرقية وفتحتها وكانت المرأة الفلسطينية تحكي لي أنباء الفاجعة الكبرى وأنا مشغول عنها بفجيعتي قطعت البحار والقفار وكنت أريد أن أعلم قبل أي شئ متى مات وكيف مات . اخبروني انه عمل في الحديثة في حقله كعادته في الصباح وعمل الأشياء التي يعملها عادة في يومه لم يكن يشكو من شئ دخل دور أقربائه وجالس مع أصدقائه هنا وهنا أحضر بعض التمر في نصف نضجه وشرب به القهوة ورد اسمي في حديثه عدة مرات وكان ينتظر قدومي بفارغ الصبر لأنني كتبت له أنني قادم . تعشى خفيفاً كعادته وصلى صلاة العشاء ثم جاءته نذر الموت نحو الساعة العاشرة قبيل صلاة الفجر فاضت روحه وحين كانت الطائرة تحملني من نقوسيا إلى بيروت كانوا قد فرغوا لتوهم من دفنه.
وقفت على قبره وقت الضحى وكان الرجل القبرصي جالساً على طرف القبر في زيه الرسمي يستمع إلي وأنا أدعو وأبتهل. قال لي بصوت كأنه ينبع من الأرض والسماء ويحيط بي من النواحي كافة:
“لن تراني على هذه الهيئة إلا آخر لحظة حين افتح لك الباب وانحني لك بأدب وأقول لك “تفضل يا صاحب السعادة” سوف تراني في أزياء أخرى مختلفة قد تلقاني على هيئة فتاة جميلة تجيئك وتقول لك إنها معجبة بأفكارك وآرائك وتحب أن تعمل معك مقابلة لصحيفة أو مجلة أو على هيئة رئيس أو حاكم يعرض عليك وظيفة يخفق لها قلبك أو على هيئة لعبة من ألاعيب الحياة تعطيك مالا كثيراً لم تبذل فيه جهداً وربما على هيأة بنت تصغرك بعشرين عاماً تتشهاها، تقول لك نذهب إلى كوخ منعزل في الجبل احترس لن يكون أبوك موجوداً في المرة القادمة ليفديك بروحه احترس الأجل مسمى ولكننا نأخذ بعين الاعتبار المَهرة في اللعب.
احترس فإنك الآن تصعد نحو قمة الجبل”.
ولما تيقنت أنه كان ذلك اليوم في نيقوسيا يفاضل بيني وبين أبي، وأنه اختار أفضلنا بكيت الدموع التي ظلت حبيسة طول ذلك العهد بكيت حتى نسيت الموت والحياة والرجل القبرصي . 

يَومٌ مُبَارَك عَلَى شَاطِيء أُم بَاب 

“من أين يجيء البحر بكل هذا الحطب؟” 

قالت  رباب  :

“هذا اللوح من السويد.” 

“كيف عرفت أنه من السويد؟” 

” ألا ترى الكتابة؟ هذه الأحرف آخر كلمة” سويدن”. 

لم يمكث طويلاً في البحر كما ترى. لعله من صندوق سقط من سفينة.” 

” وهذا من أين؟.” 

” هذا جزء من قناة.” 

” من شمال افريقيا ربما من زنجبار؟. 

ألا تعرف أنهم كانوا يسقفون بيوتهم بالقنا في هذه المنطقة؟ هذه القنا عمرها على الأقل مائة عام. نقلتها المراكب الشراعية ربما إلى البحرين أم عمان. على الأرجح إلى عمان”. 

” لماذا عمان؟”. 

قالت كأنني طفل بطيء الفهم: 

” ألا تعرف الصلة بين عمان وزنجبار؟”. 

ضحكت وقالت ( رباب): 

” لعلهم هدموا البيت وبنوا مكانه بيتاً من الاسمنت، أو تهدَّم وحده. ألا تعرف انهم كانوا يبنون بيوتهم على سيف البحر؟”. 

” ما معنى سيف البحر؟” 

” يعني شاطيء البحر” 

” لماذا؟” 

” الهواء ابرد وأيضاً لأن حياتهم كلها كانت على البحر” 

” ماذا قال عنترة في القنا؟” 

نظرت إليَّ نظرة عاتبة بعينيها السوداوين، كأنهما بحيرتان جبليتان عند الغروب، بين السواد والبنفسج، بين اليقظة والنعاس. كانت تحب شعر عنترة، لكنها ظنت أنِّي امتحنها فلم تجب. 

جمعَ الأطفال حطباً كثيراً جعلوا من كوماً هائلاً على ساحل البحر. أوقفتهم( رباب) صفَّاً مثل طابور عسكري. وقسمتهم قسمين، قسماً أمرته أن يتجه يميناً وقسماً يتجه شمالاً. جعلت على كل فرقة قائداً، وهي القائد الأعلى. لم تكن أكبرهم سناً، وكان في الجيش ذكور، لكنهم أذعنوا لأمرتها بلا جدال. 

في التاسعة من عمرها، وأشهر ولدت في الصيف، والآن أول الربيع. ابنتنا الوحيدة، بل هي كل من أنجبنا، تأخرنا، لأننا ظللنا ننتظر أحدنا الآخر( الرجل) في الخمسين، ( المرأة) في الأربعين. ليس خيالاً. هذا يحدث أحياناً. أغلب الناس يتزوجون كيفما اتفق لأنَّ الظروف مواتية، لأنَّ الشخص لا غبار عليه. لأنَّ العمر يمضي، إنَّما قلَّة من الأرواح المختارة يطلب بعضها بعض. لا تستقر حتى تجد أحداها الأخرى. 

في المدينة، وهما سائران من الحرم النبوي بعد صلاة الفجر، في اللحظة التي رفع وجهه إليها، رفعت وجهها إليه، تماسكت عيونهما، وكان الضوء حول المآذن نبع يتفجَّرُ من تحت اقدامهما: 

” أنت فلانة؟” 

” نعم” 

“من كيت وكيت” 

” نعم” 

” وأهلك كذا وكذا” 

” نعم” 

” من وراء أزرعات: آه. أنت أم رباب” 

” وأنت فلان” 

” نعم” 

“من كيت وكيت وأهلك كذا وكذا. ياله من يوم مبارك. الحمد لله” 

” هل تعذبت كثيراً…..؟” 

” وانت….. سوف نتسلى بذلك في ليالي الشتاء الطويلة” 

بعد أن اعتمرت جاءت إلى المدينة مع أخيها الأكبر وامها واختها، وكنتُ وحيداً. تزوجنا في تلك الساعة عند باب المسجد وعقدنا بعد صلاة العصر. وأولمنا ليس أكثر مما فعله الرسول في زواج ابنته فاطمة. 

حملتها في تلك الليلة ووضعتها في سبعة اشهر. أردنا ان يتم الامر في المدينة حيث بدأ. جآءت مُكَمَّلة متسربلة باسمها (رباب) مثل سحاب في طيات سحاب. وجآءت لنا باسمينا. فقد كنا قبلها ( فلاناً وفلانة). ولما وقفنا بها في ذلك المقام، برقت عيناها الغريبتان، وارهفت السمع لصوتٍ ناداها وحدها. 

كأنها خلاصة الذُّريَّة التي لم ننجبها. قامت كأنها تركض ركضاً، واستوت فارعة العود، لها عرف يتراكم على كتفيها كجريد نخلة، وعيناها يجرحان كسنى برق نجدي. وصوتها له رنين مثل أجراس أديرة قديمة منقطعة في جزيرة. وكانت تتعلم كأنها تتذكر أشياء عرفتها من قبل. 

انتفضت بغتةً وجرت على الشاطيء، وقفت تنظر إلى البحر. ذهبت ووقفت معها. الحبور الذي افعم قلبي منذ أول الصباح، بنى لي طرائق من الضياء، وصلت بين ضوء الضحى في السماء، والضوء في الافق، والضوء الآخر، الذي ليس هذا ولا ذاك، احياناً كأنه برتقال، واحياناً كأنه عناقيد كرم ابيض، واحياناً كأنه حب الرُّمان. قالت ( رباب): 

” هل تسمع الصوت؟” 

قلت: 

” نعم. إنما النداء ليس لنا” 

انفلتت وألقت بجسمها في اليم، واخذت تسبح كما عرفتها تسبح، في ضربات قوية سريعة من ذراعيها، وساقاها تدفعان الماء كدولاب سفينة، وجسدها شفاف ينزلق على صفحة الماء كما ينزلق الشعاع على البلور. كان البحر ساكناً سكوناً مطلقاً، لا هبوب ولا موج. 

لم أعلق وأنا أراها تنأى عن الشاطيء، فقد كانت تسبح ميلاً وأكثر. ابتعدت جداً، تختفي وتبين، والماء حولها كنثار القطن. تجمع الاطفال، ووقف بعض الرجال، وجآءت ” الام” ووقفت على الشاطيء. ألقيت بنفسي في اليم على أثرها. فجأة قفلت راجعة. قالت وهي تضحك: 

” هل خفت أن أغرق؟ هل الماء يغرق في الماء؟” 

ثم سارت واشعلت النار في كوم الحطب، فاندلعت نار عظيمة، كأنها نيران آبار البترول، تحركت من مواضعها وراء التلال، وجآءت وتَلَهَّبَت على شاطيء البحر. وجاء الاطفال وتحلقوا حول النار، واخذوا يرقصون، وينشدون أناشيد بلغات قديمة منقرضة. يعلو فوق أصواتهم صوت ( رباب) الكاهنة البابلية، وأقبلت سحابة، مدت ظلها قليلاً، ونثرت حبات من المطر، ثم جمعت ظلها وانصرفت. 

وضعت ” الطفلة” رأسها المبتل في حجر ” الرجل”. سكنت وعادت طفلة لم تبلغ العاشرة. مسح بيده على شعرها، وسألها برفق، حين رأى الدَّمع على وجهها: 

“تبكين؟” 

” أبكي من شدة السعادة. هذا يوم عجيب” 

يعلم أنه يوم عجيب، بل كل أيامه عجائب، منذ وجد ( المرأة) عند الباب، ووقف بالطفلة في الضريح، وسمع الصوت كأنما لأول مرة، ورأى الضوء..أصبح الحبور يسقيهم من نبعٍ لا ينضب. 

” ما العجيب في هذا اليوم؟” 

” لا أدري. الضوء. البحر. الصمت. ربما”. 

” بل أنت.” 

” وأنت”. 

” وأمل”. 

ضحكت ورفعت رأسها والتفتت إلى التلال ناحية اليسار، وراءها نيران آبار البترول. 

” أنظر”. 

نظر فإذا جمل أحمر ضخم يقفُ على التل، ويُحدق في البحر، ثم يلتفت وراءه. قالت ( رباب): 

” الجمال تريد أن تُصَلِّي”. 

لكن الجمل لم يتقدم، فقد دوى في تلك اللحظة صوت مثل طلقات مدفع ثقيل. ظهر شاب يمتطي ظهر فرس من الحديد، تخرج من مؤخرته نافورة ماء، مثل النيل. كان الشاب منفوش الشعر، مربد الوجه كأنه عفريت. قالت رباب: 

” أعوذُ بالله”. 

أدار الشاب القارب دورة حادة، ليوجهه إلى الخلف، فانقلب به، فغرق، وأخذ يغطس ويطفو ولا يستطيع السباحة. أخرجناه وقاربه من الماء، فحمله في سيارته وأختفى. 

عاد الهدوء وابتسمت السماء. واشتد وهج الضوء في الأفق. 

قلت لها: 

” أنشديني من شعر عنترة”. 

ظلت ساكنة برهةً، ثم أخذت تغني بصوتها الآخر. ليس صوتها البابلي. 

لمعت نارها وقد عسعس الليلُ وضلَّ الحادي وحار الدليل فتأملتها وقلتُ لصحبي هذه النارُ نارُ ليلى فميلوا. 

آه يا حلاوة الصوت ويالمضاضة الذكرى ويا لفداحة الشجن!. قلتُ لها وقد دمعت عيناي من كثرة الحبور: 

” تحبين الشهر زورى؟” 

” ابن الفارض”. 

” أحبَّ شيء إليَّ القرآن”. 

قلتُ لها ممازحاً وقد سألتها مثل ذلك من قبل: 

” من أنت؟ من أين جئت؟”. 

” أنا من الله وإلى الله. أنا مسكينة فقيرة إلى الله”. 

” تتصوفين مثل رابعة العدوية”. 

تأوهت آهة طويلة وقالت: 

” متى نحج؟”. 

” حين يجيئنا الإذن”. 

” هذا العام إن شاء الله. هل تعلم أن الحج هذا العام يوافق يوم مولدي؟ الوقوف في عرفات ليلة الجمعة.” 

” ليس عليك حج”. 

” بلى.” 

” ماذا تؤملين من الحج؟”. 

” حين نصل المدينة سوف ترى..”. 

” يكونُ ماذا؟”. 

” ننتظر عند الباب إلى أن يؤذن لنا بالدخول. ثم يكون ما يكون”. 

” أخافُ أن تضيعي منَّا في الزحام”. 

رفعت رأسها فجأةً وقالت: 

” انظر”. 

رأيتُ البعير العود قد انحدر من التل وساق وراءه الجمال. دخلت البحر، وشربت، ثم جلست في الماء،قالت (رباب): 

” إنَّها تتوضَّأ”. 

ظلت الإبل تتقلب في الماء زمناً، ثم خرجت وراء البعير الأحمر. 

جلس عند البحر، فجلست وراءه وسكنت، تنظر إلى البحر. قالت ( رباب): 

” إنها تُصَلِّي”. 

نهض البعير العود، ونهضت الإبل وسارت خلفه، اختفت وراء التل، الذي وراءه آبار البترول، تصعد وتهبط مثل استغاثات غريق، وبقى الجمل الكبير واقفاً على الهضبة، ينظر إلى البحر، مشرئبَّاً بعنقه كمن يترقب أمراً. 

لم يلبث أن جاء فوج من نسوة متلفعات بعباءات سود كنساء النجف. دخلنَ وتوضأنَ في البحر، ثم وقفن للصلاة في المكان نفسه، حيث كانت الجمال. نظرت ( رباب) إليَّ. قلتُ لها: ” المسافة من (أُم باب) إلى الدوحة تجيز القَصْر والجمع. نحنُ على سفر.”. 

قالت: 

” يستطيع الانسان أحياناً أن يصَلِّي بلا ركوع ولا سجود. ألا ترى ذلك؟”. 

فجأة لم يبق أحد على الشاطيء. اختفى الناس واختفت النسوة. لم يبقَ غير الرجل والمرأة والطفلة، والبعير الأحمر الضخم، واقفاً على الهضبة، يراقبهم ويراقب البحر. استدار الزمان بين العصر والمغرب، ووضح الصوت،ليس الصوت الذي يتكلم به الموج، بل الصوت الذي يصدر من البحر ذاته، إذ لا هبوب ولا موج، وبدات الشمس تنزل من معارج السماء خطوة خطوة. ومع كل خطوة، تفتح نافورةٌ من ضوء بحت، كسا السماء والأرض، وأخمدت نيران آبار البترول. 

اسندت الطفلة رأسها إلى كتف الرجل، والمرأة أسندت رأسها على الكتف الآخر، وأحاطهما الرجل بذراعيه. لبثوا ينظرون إلى البحر، كمن ينتظرُ قادماً أو يودع مسافراً, 

بغتةً هبَّ الرجل واقفاً، وقامت الطفلة وقامت المرأة. دخلوا البحر في وهج الضوء المحض. وهم في شغلٍ عن البعير الذي رفع رأسه أكثر. أخذوا يسمعون بلا جهد، فقد كان الضوء كأنه يمتصهم إلى جوفه. ظلوا كذلك حتى كانوا يدخلون معارج السماء. ولكن المرأة وقفت فجأة، وأوقفت الطفلة، وراحتا تناديان نداء سمعه البعير، فتحرك كأنَّه يتأهب للنزول. 

سمع الرجل النداء أولاً يجيئه من امام، من ناحية الأفق. ثم كانه استيقظ وأدرك أن النداء يجيء من الخلف. وتذكر المرأة والطفلة فانقلب يريد العودة. اخذ يسبح الآن بجسمه كله. وطاقته كلها، وكأنه ثوب يتجاذبه البحر والساحل. وطاف به صوت الطفلة والمرأة،وقد صارا صوتاً واحداً ينشده نشيد الصفاء المقيم في الزمان المهاجر، فبكى بحرقة، ولم يدر هل المرارة في فمه من ملح ماء الدموع، أم من ملح ماء البحر. ولما تهيأ له أن يرى، رأى الشمس قد أخذت الأرجوان من نيران البترول ونسجت منه ملآءة ألقتها على جسد الماء. 

عاد إليها، فقالت المرأة: 

” إبتعدت عنَّا جداً. خشينا ألا ترجع.”. 

وقالت الطفلة: 

” بلى. كان لابد أن يعود. نداؤنا يجيء من مصدر آخر في زمن آخر. هيَّا. علينا أن نلحق بالمدينة”. 

ظل البعير العود يراقبهم حتى خرجوا من الماء. ولما دخلوا سيارتهم، وأداروا محركها، وأشعلوا ضوءها، أدار ظهره للبحر، وانحدر وراء التل لاحقاً بأهله. 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً