الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / مؤلفات عن المريود

مؤلفات عن المريود

النوراني

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

أكثر من ثلاثين عاماً استأثر فيها الروائي المتميز الطيب صالح بإهتمام العالم بمنتجه الأدبي, وقد بايعه الروائيون العرب في مؤتمر أُقيم في القاهرة أميراً للرواية العربية المعاصرة, وأشادوا به أيما إشادة. فصدرت في شأنه عشرات الدراسات والبحوث التي أكَّدت خصوصية تناوله وفرادة سرده، فليس غريباً إذن أن يتناول أدبه وعالمه الخاص والعام هذا الكم الهائل من المؤلفات, إبتداءًا بالرسائل العلمية في الجامعات, مروراً بالكتب النقدية لعظماء النقاد في العالم العربي وغير العربي, والمقالات والمنشورات. وفي هذا المقال سنعرض لبعض تلك المؤلفات.

  • (الطيب صالح .. سيرة كاتب ونص)

صدر عن دار كمبردج للنشر بريطانيا, كتاب من القطع المتوسط, يقع في (430) صفحة, ألفه الأكاديمي والناقد السوداني أحمد محمد البدوي, في يناير 2008م. ومنهج أحمد البدوي لا يدور حول أعمال الطيب و لكنه يستعرضها في بساطة و ترتيب تاريخي إلى القارئ، إذ يركز على استجلاء علاقة التداخل الحميم بين إنتاجه الأدبي و سيرته الذاتية ، و كأنه يريد أن يقول بأن حياته هي مصدر عالمه الأدبي. الفصل الأول من الكتاب يعرض فجر الحياة الشخصية للأديب الراحل ومراحل طفولته وصباه وشبابه, فيما يتناول الفصل الثاني مساره المهني في غربته, ونوعية الأشخاص الذين إرتبط بهم من زملاء في العمل وجيران وأصدقاء. ويحاول الكتاب اكتشاف الحقيقة وراء المعاني المجازية التي عبر عنها الطيب صالح في كتاباته, مع إلقاء المزيد من الضوء على مرتكزات الحياة الشخصية للأديب باعتبارها لب فطانته وأساس إبداعه. حيث خصص الفصل الثالث للحديث عن قصة “نخلة على الجدول” التي كتبها الأديب سنة 1953م بلندن وهو ما يزال قريب عهد بالسودان, بينما يسهب في الفصل الرابع في الحديث عن روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” قبل أن ينتقل للفصل الخامس الذي تناول فيه بالتحليل حواراً للطيب صالح مع ناقد عراقي أكد فيه أنه فرغ من كتابة الثلث الأخير من رواية “عرس الزين” في قرية بجنوب فرنسا سنة 1962م. لقد قرأت هذا الكتاب قبل شهرين, وما أن فرغتُ منه حتى أقنعني تماماً أنه لا يمكن تجاوزه في معرض الحديث عن الطيب صالح.

  • (الطيب صالح .. دراسات نقدية)

بمشاركة (23) كاتباً من السودان والوطن العربي وبلدان العالم الفسيح صدر كتاب الطيب صالح : دراسات نقدية من تحرير الناقد والباحث السوداني الدكتور حسن أبشر الطيب، عن دار رياض الريس للكتب والنشر ببيروت – لندن 2002م وحوى الكتاب نحو (431) من الصفحات ذات القطع الكبير. في القسم الأول (شهادات ومقاربات) كتب وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى كلمة آسرة حملت عنوان (سيد الطيب : الحشوم الوقور)، فيما كتب التشكيلي السوداني الرائد إبراهيم الصلحي كلمة بعنوان : (الصديق الكاتب، نبع الصفاء والمودة والحكمة ) تراوحت بين النقد الأدبي والإخوانيات والذكريات، بينما كتب الإذاعي السوداني رفيق غربة الطيب صالح اللندنية صلاح احمد محمد صالح (صديق الطيب), وكتب رفيقهما الإذاعي والكاتب السوداني عبدالرحيم الرفاعي (أكرم الناس), واعتبر الشاعر والدبلوماسي السوداني البارز سيد أحمد الحردلو أن “اسم الطيب صالح صار وطنا”, في الوقت الذي كتب فيه قبيل رحيله الشاعر العراقي بلند الحيدري كلمة في حق الطيب صالح (في صحبة الطيب الإنسان).. وحمل الكتاب كلمة في رسالة وقعها التشكيلي السوداني رائد الحروفية العربية عثمان وقيع الله بعنوان “إلى أبي زينب” وختم هذا القسم بتوقيع عبدالمنعم سليم “اللقاء الأول مع الطيب صالح” وعبدالواحد عبدالله يوسف (الطيب صالح: الإنسان النبيل العاشق لوطنه).في القسم الثاني (حوارات) نقرأ: (هكذا حدثني الطيب صالح) في حوار صحافي أجراه الصحافي بشير القمري حمل عنوان (الإنسان يحمل في داخله معلمه) فضلا عن تلخيص لحوار أجراه مركز تلفزيون الشرق الأوسط (mbc) مع الطيب صالح في تكريمه بمناسبة بلوغه السبعين من العمر. وحول الكتاب بعض أعذب ذكريات أديب السودان الكبير الطيب صالح في حديث عامر بالشجن عن رفاق غربته اللندنية حمل عنوان “العالم المفتوح” في تذكر ” أكرم صالح” وجاء في باب “لمحات من السيرة الذاتية”.في قسم “دراسات نقدية” نقرأ الأثر الديني الصوفي في أعمال الطيب صالح للناقد السوداني البارز رئيس تحرير مجلة “الدوحة” القطرية الأسبق الدكتور محمد إبراهيم الشوش و”الطيب صالح روائيا وشاعرا مبدعا” لمحرر الكتاب الناقد وخبير العلوم الإدارية الدكتور حسن ابشر الطيب و”فتنة الطيب صالح بابي الطيب المتني ” للشاعر والدبلوماسي السوداني محمد المكي إبراهيم، وجاءت مساهمة الشاعر المصري الكبير احمد عبدالمعطي حجازي في كلمة حول رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” فيما كتب الناقد المصري البارز رجاء النقاش مقالة متميزة بعنوان “قصيدة من العشق والمحبة”. وأسهم الناقد الانجليزي الذي قدم روائع الطيب صالح لقراء الانجليزية روجر الن بمقالة في “عرس الزين” التراث والتعبير”.. فيما كتب الأديب السوداني الشاب طارق الطيب “الاغتراب عند الطيب صالح” وأحمد الأمين البشير أسهم بمقالة عنوانها “الطيب.. وصلاح وهوى عزة” ومحمد صالح خضر كتب “رجل كرمكول” و”البحث عن الأمان في أدب الطيب صالح” للكاتب عبدالوهاب موسى، و”تجديد الجنس الفلكلوري” للقاص والباحث السوداني الدكتور محمد المهدي بشرى. وفي القسم الخامس نصوص مختارة من كتابات الطيب صالح فيما حوي القسم الأخير ببليوغرافيا الروائي الطيب صالح أعدها مركز قسم المعلومات، وهو المركز الوحيد المختص بالمعلومات الببليوغرافية في السودان ويقوم على  إدارته اختصاصي المكتبات والمعلومات الدكتور قاسم عثمان نور. وتشير “الرياض” إلى أن أعمال الأديب السوداني البارز الطيب صالح حظيت بالعرض والتحليل والدراسة في الدوائر الأدبية العربية والأعجمية، وشملت أعدادا وافرة من الكتب والمقالات التي نشرت في الدوريات والحوليات، فضلاً عن الدراسات الأكاديمية الجامعية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه بأكثر من خمس لغات حية. إن كتاب الطيب صالح: دراسات نقدية، يعد تحفة أدبية رائعة جمعت بين دفتيها أجناس متنوعة من التأليف، تعبر عن رغبة صادقة في الاحتفاء بهذا الروائي المبدع الجدير بالاحتفاء والتقدير.. وذلك لما تميز به عمله من قوة ومتانة ورصانة تجلت عبر بصماته التي وضعها على بناء الرواية شكلا ومضمونا، فملأ الدنيا وشغل الناس، وأضحى رمزاً ومعلماً يقتفي أثره كل المبدعين الذين ينشدون التميز في العمل الروائي. ولكل ذلك يحتل هذا الكتاب مرتبة رفيعة في ما تم كتابته عن أديبنا الراحل.

  • (على الدرب .. مع الطيب صالح, ملامح من السيرة الذاتية)

صدر عن “توب للخدمات والإسثمار” بالإشتراك مع مركز الدراسات السودانية بالقاهرة, ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول لعل أفضلها الأول والثاني، فهما ينيران مقطعاً من حياة البيئة الشمالية حيث يتشكل المزيج العرقي في المنحنى الأعلى للنيل السوداني، بتخالط القبائل العربية والإفريقية، ولعلّ تلك الوحدة هي بحدّ ذاتها الملمح الانثربولوجي الأبرز. تلك كانت واحدة من أهم استلهامات الطيب صالح في أعماله الروائية التي عرفتنا بطبيعة الناس وعاداتهم وأمزجتهم ولغة التخاطب بينهم، وما يمكن أن نسميه صلة الألفة والمودة التي تطبع شخصية السوداني أينما كان… وهذه الطبيعة السودانيّة تبدو فيها الحروب والصراعات السياسية العنيفة على شيء من الغرابة، لا تتفق مع تلك الشخصية المتميّزة ببساطتها وابتعادها عن التعصب. فالكتاب يكشف في جانب من جوانبه السودان باعتباره سوسيولوجيا وفولكلور وسياسة وطبيعة جغرافية. ويلاحظ القارئ مدى الإعجاب والمحبة التي يكنها المؤلّف لابن بلده, كما أن الحنين والمحبة يتدفقان بين ثنايا الكتاب، ويحددان طريقة ترتيب طلحة جبريل لمادة الحوار مع الطيب صالح، وطبيعة أسئلته التي تربط الماضي بالحاضر وتستعيد التاريخ في تداخلاته الخصبة. حيث يعرض فيه المؤلف لأحوال أسرة الأديب قبل مولده, ثم يتتبعه خطوة بخطوة خلال مراحل حياته, فيوثق لأدق التفاصيل. ويتابع طلحة جبريل رحلة الطيب صالح من السودان إلى لندن التي وصلها في شتاء العام 1953 للعمل في الإذاعة البريطانية ومن لندن يذهب إلى الدوحة ليشغل منصباً مرموقاً في وزارة الإعلام القطرية، ثم يصبح مستشاراً لمنظمة اليونسكو، كل تلك المناصب مكنت الطيب صالح من أن يعيش برخاء من دون أن يصادف المتاعب التي يصادفها الأديب عادة في مهنة لا توفر لكتابها العيش الكريم. والكتاب بما حوى يمثل أفضل ترجمة –حتى الآن- تمت طباعتها عن الأديب الراحل.

  • (العالم الروائي للطيب صالح)

وهو بحث أكاديمي, صدر عن دار قرطاس للنشر في الكويت, لمؤلفه “فهد الهندال”. يركز في كتابه على جزئية سردية هي تقنية السارد وأهميتها في العمل السردي عامة والعمل الروائي خاصة، ولذلك فقد قسم كتابه إلى مقدمة يليها الفصل الأول الذي تضمن مفهوم السارد في نظرية السرد، حيث انطوى على مبحثين تنظيريين هما السرد والسارد، وقبل اجتياز عتبة التنظير والدخول إلى رحاب العالم الروائي للطيب صالح.. وما يشكر للكاتب والكتاب هو هذا الرصد الدقيق للمنجز السردي العالمي والعربي على حد سواء وبما له صلة بنظرية السرد المعاصرة. وفي الفصل الثاني من الكتاب وهو الذي ورد تحت عنوان (سارد القص في العالم الروائي للطيب صالح) يدشن الباحث هذا العالم المدهش بمبحث تحت عنوان (السارد المشارك في موسم الهجرة الى الشمال). ويأتي الفصل الثالث من هذا الكتاب تحت عنوان «من سارد القص إلى كاتب النص» ولكي يسوغ الباحث فهد الهندال هذه العودة إلى التنظير السردي عامة فإنه يشير إلى أن فصله الثالث يحاول أن يربط بين سارد القص وكاتب النص في العالم الروائي للطيب صالح بعد أن خضعت تقنية السرد في الفصل الثاني للجانب التطبيقي، وهو يهدف من تخصيص هذا الفصل الى كشف رؤية الكاتب الخارجية للعالم ومن خلال رواياته الثلاث (عرس الزين/بندرشاه/موسم الهجرة ). ويتجلى النسق الأكاديمي في هذا الكتاب عبر أكثر من مظهر ومن ذلك أن الأحكام النقدية هادئة وموضوعية ومستقاة من استقراء صحيح لنتاج الطيب صالح. من ذلك أيضا أن الباحث ختم كتابه بنتائج وتوصلات ورد فيها: أن السارد ما هو إلا شكل يحتال فيه الكاتب لتقديم وجهة نظره في النص، ويرسم من خلاله ملامح عالمه الروائي ليصل معه إلى رؤيته للعالم المحيط به، ما يعبر عن حضور الكاتب وتدخله في النص، حتى وان ادعى حياديته.   ومع ذلك فإنه لا يمكن القول: إن الكاتب هو السارد، فالأول شخصية إنسانية ومخترع العالم الروائي، والثاني تقنية سردية وأداة للكاتب في السرد وتوصيل الخطاب، ولعل حضور الطيب صالح الصريح في رواياته من خلال أدلة ذكرت في غضون هذا الكتاب مما لا جدال فيه لاسيما انه عرض متنوع ما بين السارد العليم والسارد المشارك وتعدد الساردين وهو ما يشكل قوام الفصل الثاني من هذا الكتاب الذي يستحق الدراسة عن جدارة.

  • (تحولات الشوق في موسم الهجرة إلى الشمال)

أما عن أعمال الطيب صالح فسأبرز واحدة من أهم الدراسات عن رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”, وهي دراسة نقدية أجراها الدكتور محمد شاهين, صدرت ببيروت سنة 1993م, وهي من الدراسات التي ركزت علي أفكار ومضامين العمل وهي تحاور عدداً من الأعمال الروائية الأوروبية، التي تعد علامات في تاريخ الرواية، ولا يعوّل الناقد علي ثبوت إطلاع الطيب علي تلك الروايات، المهم أنه وصل في موسم الهجرة إلي درجة من الإبداع تجعل أية أصول ومصادر مجرد روافد للإبداع بطريقة أو بأخري. ولقد خلَّق الناقد قراءات موازية للنص مع روايات “رحلة إلي الهند” لفورستر و”مرتفعات وذرنج “لإميلي برونتي و”القرمزي والأسود” لستندال، و”قلب الظلام” لكونراد و”عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم. ومع ذلك وجه عدد من النقاد نقدهم إلى هذه الدراسة بوصفها تحتاج المزيد من البحوث المكملة, على أن ذلك لا يؤثر في أهميتها وأصالة النقد الذي اتبعه د. محمد شاهين.

هذه قطرات من بحر التأليف عن الطيب صالح, والذي ما زال مده عنيفاً لا يهدأ, وهذا إن دل على شئ فإنما يؤكِّد هذه العبقرية الفذة لأديبنا الراحل, ومع ذلك أتمنى ألا يكون هذا التعظيم حاجزاً ومانعاً من ظهور أديب يفوق الطيب صالح, فالأديب الكامل لا وجود له, ولكن الأفذاذ قليلون, كما هو مأثور.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً