الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / “موسم” الطيب صالح يعبر الحدود

“موسم” الطيب صالح يعبر الحدود

أزهار

لين روجرز :

خاص لـجيل جديد 

ترجمة : أزهار أحمد 

أول ما يأتي ذكر السودان لا يخطر على بال الناس إلا أمران ، الأول الأزمة السياسية في دارفور، والثاني الكاتب العبقري الطيب صالح الذي توفي في لندن وهو في الثمانين من عمره.  إعتبر العديد من النقاد رائعة الطيب صالح ” موسم الهجرة إلى الشمال” التي نشرت لأول مرة باللغة الإنجليزية  في عام 1969، على أنها العمل الذي أدخل الأدب العربي المعاصر إلى الساحة العالمية وإلى المعايير الأدبية الحديثة ولد الطيب صالح في عام 1929 بقرية شمال السودان ودرس في جامعة الخرطوم.

في عام 1956 غادر الطيب صالح السودان إلى المملكة المتحدة لدراسة الشؤون الدولية في جامعة  لندن، وعمل في قسم الدراما بهيئة الإذاعة البريطانية، ثم هاجر إلى قطر، وعمل في وزارة الإعلام القطرية. بعدها عمل في مكتب اليونسكو  بباريس.  ثم ظل بعد ذلك يكتب في مجلة “المجلة” التي تصدر في لندن.

كان الطيب صالح متعاطفاً مع الأدب العربي، وكثيراً ما أبدى أسفه من عدم وجود ترجمات لمؤلفات الكتّاب العرب. وفي حوار للجزيرة قال: ” دائماً ما يذهب الناس إلى الاستنتاجات الخاطئة عندما تظهر أزمة سياسية وذلك لأنهم يفتقرون إلى المرجعية الصحيحة”.  كان الطيب صالح مؤيداً للحقوق الإنسانية، ومعارضاً صريحا للنظام الإسلامي في السودان، وإلى الاستغلال السياسي الخاطئ للقرآن.

 ولأنه مهاجر مثل الكاتب الأيرلندي جيمس جويس، ظل الطيب صالح  باستمرار يستقي إلهام رواياته من موطنه الأصلي/القرية. ومثل الكاتب الإنجليزي توماس هاردي، والروائي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل ويليام فوكنر شكلت القرية البسيطة المتخيلة موضوعاً مهماً في كتاباته الإنسانية والكونية. كما  في مجموعته القصصية الأولى التي نشرت عام 1960 ” دومة ود حامد”.  ففي قصة ” دومة ود حامد” من هذه المجموعة يصف الطيب صالح مونولوجاً مأساوياً كان بداية لإستخدامه الحياة الخارجية والحداثة التي غزت حياة القرية في كتاباته ، حيث كانت شخصيات القصة تصارع الظلم والفساد الأصلي المتجذر في كل قرية وعائلة.  كما في قصة “حفنة تمر” التي تتحدث عن ولد صغير يكتشف قسوة ومكر جده الحبيب.  دائماً ما  تمثل شخصية الجد بصفته ناقلاً للثقافة، دافعاً مستمراً للكتابة لدى الطيب صالح، فهو الذي ينقل قبح وجمال القرية السودانية لحفيده ، ويحمّل ذلك الولد القروي البسيط تلك المسئولية.

في كتابه “الطيب صالح الأيدلوجيا وصنعة السرد”، ناقش الناقد العربي الأميركي وائل حسن في دراسة نقدية بعنوان “دائرة حياة ود حامد”، تكرار موضوع علاقة الجد بالحفيد التي تؤطر في كثير من الأحيان مخاوف الطيب صالح بشأن القديم والجديد ، والتقاليد والحداثة، التوافق والمعارضة.

في روايته القصيرة “عرس الزين” والتي نشرت عام 1967، تتجسد براعة الطيب صالح في خلط الثقافة الشفهية السودانية والمعايير الكلاسيكية الغربية. تذكرنا شخصية الزين بشخصيات شكسبير الحمقى الحكيمة ، فهو أحمق ومغفل يشبه الحيوانات في تصرفاته ، لكنه أيضا وهب الحساسية الروحية، ولديه نظرة خاصة في رؤية الجمال.  عندما عاد من المستشفى بعد أن أصلح أسنانه ظهرت وسامته ولم يعد مضحكاً ، ليتزوج بعدها من ابنة عمه الجميلة ويقف أمام الناس مثل “سارية سفينة”.

 لاحقاً تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي في ليبيا من إخراج المخرج الكويتي خالد صديق وفاز في مهرجان كان. وفي روايته الثانية التي تتماس مع السياسة أيضاً “ضو البيت – بندرشاه” يتعمق الطيب صالح في تبني الموضوعات الأساسية لصياغة الأسطورة، وغواية الاستسلام، وقوة الحياة التي يمنحها نهر النيل، والحب الأمومي، ومغامرات المراهقين.

ظل الطيب صالح في تصوير حياة القرية، يستمد  مواضيعه من تنوع الفئات الإجتماعية ، وكل ما يطال المجتمع القروي من فساد ، ومشاكل الري، والاحتفالات، والتمسك الصارم بالتقاليد.   ثم اتجه للرموز العالمية التي احتلت أيضاً روايته الأكثر تأثيراً ” موسم الهجرة إلى الشمال”. وبعد صدورها بسنوات في بيروت ، صدر لها ترجمة بعنوان “موسم” لاقت رواجاً واسعاً نشرت في مجلة أدبية معروفة عنوانها: إنكاونتر. ثم اكتشف لاحقاً أن تلك المجلة كان يمولها مركز الاستخبارات المركزية عبر ” مؤتمر الحرية الثقافية “.

وبالرغم من أن روايته المترجمة أصبحت أحد الروايات الكلاسيكية الرائجة في دار بينجوين للنشر، وهو أمر نادر بالنسبة لعمل أدبي عربي ، إلا أنها وبسبب المواضيع الجنسية الصريحة ، والنقاشات الواضحة عن الإسلام ،  وملامسته لموضوع ختان البنات حظرت هذه الرواية في عدة دول عربية منها مصر، وما زالت حتى اليوم ممنوعة في السودان ودول الخليج العربي.  وفي مقارنة مألوفة اليوم للثقافة الغربية والشرقية تستفتح هذه الرواية بطالب درس الشعر يكتشف غريباً متخفياً في قريته وعندما سمع الطالب الغريب مصطفى يقرأ قصيدة لفورد مادوكس فورد وهو ثمل، انجذب إلى حياة مصطفى وماضيه القاسي الذي عاشه أثناء إقامته في لندن.

قارن النقاد بين رواية جوزيف كونراد المعقدة لإدانتها الاستعمار، وبين ازدواجية السرد في رواية الطيب صالح الذي يطمس الحدود بين الراوي والحكاية .  أما الناقد عيسى بلاطة فيرى أن هذه الرواية ” تؤكد على الجانب السياسي لمواجهة الشرق/الغرب من خلال تقمص شخصية مصطفى سعيد وتحوله إلى شخصية حقودة تعبر عن غضبها بالاغتصاب والفجاجة “.  وقد قال المؤلف بنفسه ” لقد أعدت تصنيف ما يسمى بالعلاقات الشرقية/الغربية إلى خانة الصراعات، بينما كانت في الماضي تندرج ضمن التعبيرات العاطفية”،  فحين كان بطل الرواية مصطفى يعرّف نفسه للفتاة المغتصبة على أنه “عربي- أفريقي” فهي إشارة إلى التعقيدات السياسية التي تجاوزت النموذج الشرقي/الغربي في تلميح  للتوترات في السودان. ومع ذلك، فإن جوهر الرواية الذي يكمن في إستجابة الطيب صالح للشاعر العظيم يوضح عمق ورسوخ الأفكار المسبقة الناتجة عن الثقافة. 

خلال محاكمة البطل بتهمة القتل، وبينما كان المحامون مستميتون في الدفاع كل من مكانته، كان يفكر في نفسه راغباً في أن يصرخ منتقدا إياها : ” أنا لست عطيل..عطيل كان أكذوبة “. إلا أنه ظل صامتاً. وبعد مرور ما يقرب من 50 عاماً عندما سادت موجة المنظومة الأدبية الحديثة على الكتابات التقليدية السائدة، احتفظت “موسم الهجرة إلى الشمال” بقوتها في صدم القراء بقناعاتهم المخفية. وتقول المصادر الأدبية العربية  والبريطانية ، أن الرواية أظهرت العمق والوعي الفكري للموقف السياسي ” الحاد” لذكاء مصطفى الفطري.

 أشاد ديفيد برايس جونز في قراءة أعدها عن الرواية المترجمة  قائلا : ” نثر مدهش وسلس، هذه الرواية أكثر تثقيفاً من أي كتاب أكاديمي آخر” أما الناقد المعروف روجر ألن فقد وصف بناء الرواية على أنه ” بارع” على إعتبار أنها عبرت الحدود الثقافية. كتب روجر: يكمن الأسلوب الفذ الذي استخدمه المؤلف لينقل سوء الفهم على أوسع نطاق ثقافي في استخدامه للمكان وبالتحديد من غرفتين فقط.” وينعكس المكان المزدوج ذاك في زوجتين ميتتين هما جان موريس في لندن، وحسنى بنت محمدين .

 كتب الناقد ستيفان ماير عن التجريبية في الرواية العربية:  ” قد تبدو هذه الرواية مهمة من عدة نواحي، لكنها من ناحية أهم هي وسيلة لاكتشاف تشابك العلاقات بين النوع الإنساني والسلطة”.  ضمن مظلة الشرق/الغرب تنسج الرواية مجموعة كبيرة من الجدليات، مثل: الذكر/الأنثى، المسلم/ المسيحي، الشمال/الجنوب، التقليد/الحداثة، الريف/الحضر، الأيروس والثاناتوس، وهي كافية لظهور كتابات جيل من الأكاديميين حول الفروق الدقيقة غير المكتشفة في الرواية. 

وبما أن النقاد لم يتفقوا بعد على الصورة النهائية لخاتمة الرواية ، إلا أن عيسى بلاطة يرى الخاتمة على أنها تأكيد للحياة حين يقوم الراوي باتخاذ قراراته لأول مرة بنفسه. بينما يرى الآخرون أنه لا جدوى من صرخة البطل النهائية. 

لكن رغم ذلك ستستمر عبقرية الطيب صالح ملهمة للكتاب والمفكرين العرب والغربيين.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً