الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / بريد القراء : هادئ تماماً

بريد القراء : هادئ تماماً

بريد

سلمى صديق :

أولسنا نشبه هذا النهر كثيراً ، إنه هادئ تماماً ، يتلقي الأحزان ، الحجارة ، الالام ، الإخفاقات ، و الأرواح اليائسة دون أن ينطق ببنت شفة ، لقد كان لقاءنا الأول حزن مكتوم ، و ألم منكر ، و الكثير من الدمع المحبوس . لونه أخضر تماماً ، إنه يتلون بلون المروج الخضراء المجاورة له ، لماذا ينزع عنه ثوبه الأزرق الجميل ، و يستبدله بهذه الخضرة المقززة ، كأنه يتخفي هارباً من شئ ما ، أيعقل أنه يشعر بالتعب ، لأن عليه أن يهتم بالجميع وفي كل الأوقات ؟ هل آلمه كيف نلقي علي وجهه بالحجارة و القاذورات ؟ هكذا كنت احدث نفسي و أنا أقف علي ذلك الجسر ، أراقب نهر بلدتنا الأعظم لأول مرة في حياتي ، لم تكن الرياح القوية هي ما تفزعني ، و لا الإهتزازات التي تحدثها العربات المتوجهة الي اللامكان ، نظرات ذلك النهر كانت تخيفني ، جوفه كان يناديني بألم أن أقترب ، شئ ما كان يشدني اليه ، و يغريني بتلك الظلمة الهادئة وسطه .

هكذا كنت أحدث نفسي ، بينما يكسوني الصمت ، أقف بعيداً لا أعرف ما الذي أتجنبه لكن بالطبع ليس الغرق ، لكن صوتاً عميقاً بداخلي كان يقول : ارحلي و إلا ستبقين هنا للأبد ، لم أكن أعرف مصدر ذلك الصوت ، إحتجت الكثير من الأسباب لأقنع ذلك القلب بأن ينفك من أسر النهر ، و لأقنع مساماتي وحاسة الشم لدي بأن عوادم السيارات قد تكون منقذتنا اليوم ، و هكذا جرجرت اقدامي و بداخلي رغبة في العودة الي هنا ، و أكثر من مرة .

كانت الأيام التي قضيتها وأنا أحاول فهم ذلك العشق المفاجئ لصفحة المياة تجعلني أتورط اكثر فأكثر، لست أدري متي تحولت صفحة وجهه التي تصيبني بالغثيان ، إلى شئ ساحر أقف ساكنة أمامه وأتمنى لو يمتد بنا الزمان ، لرائحة النسيم الذي يحمل عطره شئ يجبرني كي أحاول صنع ذكريات وأحملها إياها ، لكنني لا زلت أكره ضفة النهر ، إنها مليئة بالحشرات والعشب الأخضر ، هذا الكره زرع بداخلي طمأنينة أنني لم أقع تحت تأثير لعنة فرعونية قديمة .

توجهت إلى هناك ثانية كما يقتضي الفضول ، طوال الطريق كنت أفكر أن الفراعنة كانوا يلقون أجمل فتياتهم داخل هذا النهر ، أستغرب هل كُنّ يؤنسن وحدته ، هل كان يجد قصصا و حكايا جديدة كلما تسرب عبر مساماتهن ؟ لابد أنه أصابه الملل من كشف العقول بنفس المرارة دوماً . مر عي خاطري كيف أن بعض أهلي لا زالت زيارة النهر عندهم احدى طقوس الزواج المهمة ، و كذلك غسل المواليد بمياه النهر ، وصلت هذه المرة إلى ضفته ، و لم استغرب انني هذه المرة أجوب كل زواياه ، لم أستغرب أنني أتجاذب الحديث مع عم أحمد : صاحب المركب الذي يقودني في هذه الجولة ، فجأة خطر ببالي شئ فقلته له علي التو : لطالما سمعت الجميع يقولون أن النيل مصدر العطاء غير المحدود ، أظنهم لذلك يحضرون من سيؤسسون أسراً جديدة ليغتسلوا بالقليل من ماءه عند الغروب ، إنهم يأملون إن يهديهم شيئا من قدرته علي العطاء والتحمل ، حسن الإصغاء و جميل الصبر ، و لنفس السبب يغسل الأطفال هنا دوماً . و لكن لماذا عندما تضيق الأمور بالجميع يهرعون اليه ؟ لماذا يرمون بكامل غضبهم علي وجهه ، و لماذا يختارونه من بين الجميع ليخبروه كيف خدش الحزن مرايا أرواحهم ؟ أترى لأنه من وهبهم هذه الصفات ، التي لا يعترف بها المجتمع البشري ، ألأنه منحهم القدرة علي العطاء و التسامح بينما يعتبرها الجميع ضعفاً ، ألأنه أورثهم رقة و صفاء تجعل من السهل ايذاءهم ، أم لأنهم يرونه كالأم يسرع الجميع إلى أحضانها حين تطل الخطوب ، شئ ما بداخلنا جميعاً سينبهنا يوماً الى الوصول الى ضفة النهر أو قلبه ، شئ ما سيجعلنا نتحدث اليه ، شئ ما زرع بداخلنا الكثير من اللامبالاة ، عندما ننسى بأن هذا النهر يستحق أن يسمع أفراحنا كما سمع أحزاننا .

هنا تنهد العم أحمد و قال لي ببساطة : أتعلمين ما هو أعظم درس علمني إياه هذا النهر ؟ لقد علمني ان الإتحاد دوماً يعني مزيداً من التضحيات ، لأجل مستقبل أفضل لأشخاص غيرنا ، يعني أننا نحتاج إلى بذل قوة أكبر ، و قرارات أكثر حزماً ، الوحدة دوماً تعطينا فرصة لأن نتهاوى ، لا بأس لو سقطت يمكنك أن تقف ثانية ، لكن و برفقة الآخر لا يمكنك أن تفكر في أن تضعف و لو لوهلة لأنك و ببساطة ما يرتكز عليه شريكك .

شئ ما بالعم أحمد يشبه هذا النهر جداً ، و كأن النهر إختار وجهه سفيراً ليخبر عن مدى جمال تموجه ، فأختار أن يرسمها على وجهه تجاعيداً ، و لكأنه إختاره سفيراً لما يشعر به ، فترى ذلك الحزن الذي يفوق الإحتمال ، تطليه ابتسامة عذبة و مواسية ، جسمه النحيل يختزن قوة هائلة كما يخفي هذا النهر قوته .

على خاطري مر سؤال : أيغضب النهر و لذلك يفيض و يدمر ؟ أتراه يعيد إلينا أحزاننا المتراكمة ، و يرمي علي ضفاف قلوبنا مخاوفنا الكبرى ، هل يسأم النهر ذات يوم فيختار أن يجوب السماء كغيمة بدل أن يكون بالقرب من بشر بهذا الغباء ؟ أم أن الفيضان إيمان عميق منه بأننا نستحق بداية جديدة ، و بداية أفضل ؟

وهكذا أنتهت جولتي و لم تنتهي معها رغبتي في الحديث الى النهر ، و بصراحة أكبر الي الجزء الخاص بي داخله .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً