وحش المدينة (03)

fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الحلقة الثالثة – هدوء ما قبل العاصفة

كلنا نعلم القاعدة، الهدوء دائمًا ما يسبق العاصفة، حيث يبدو كل شيءٍ على ما يرام، تُطل الشمس على الجميع و تداعب الجِباه و الأجفان، و كأنها تُشفق عليهم أو تلتمس لهم يومًا طيبًا قبل أن ينقلب الحال. قُبيل العاصفة بقليل، يسود صمتٌ رهيب، و كأن العالم يستجمع قوته ليصرُخ دفعةً واحدة.

في صباح هادئ، كان الضابط علي السالمي في مستشفى الأمراض العقلية و العصبية، رفقة صديقه و رفيق عمله أحمد المدني، الاثنان لم يكونا في مهمة رسمية، لكنهما اليوم أشبه بالصيادين المحترفين، يتعقبون فريستهم التي تختبئ في حي الشمس.

في مكتب الدكتور عبد العظيم مدير المستشفى كان علي يحاوره و كأنه تحقيق رسمي.

-د. عبد العظيم أعلم جيداً أن المجرم كان نزيلاً بهذا المستشفى.

– أي مجرم؟

– وحش المدينة.

– لا، لم يقم عندي شخصٌ بمثل هذا الإسم.

إعتدل الضابط بينما إبتسامته تخفي غضبه:

-طبعاً المجرم، له إسم مختلف، لكن..

– سيدي، نحن لا نخفي مجرمين هنا، بل أناسٌ يعانون من أمراضٍ مستعصية، و..

– أعلم، أعلم.. أنا لست هنا لأحاكمك، ثم نظر نحو صديقه للحظة، أومأ أحمد برأسه موافقاً. أنا هنا فقط لكي أجد رأس الخيط الذي سيوصلني لمجرم خطير، و سأكون شاكراً لك كثيراً إن ساعدتني.

كانت هذه الكلمات آخر ما تبقى له من زجاجةِ اللطف و التي لم يعد فيها أي قطرةٍ ليرشها على ملامحه و صوته.

مال الدكتور إلى الخلف قليلاً، و كأنه يشاور نفسه قبل أن يرفع سماعة الهاتف ليطلب من سكرتيرته أن تتصل بالأرشيف ليستقبل الضباط.

في قسم الأرشيف كانت أحد العاملات هي التي إستقبلتهم بابتسامةٍ بلاستيكية، ثم سألتهم عن طلبهم بالتحديد.

– شاب قد أقتيد إلى هذا المكان من سجن المركز قبل ست سنوات في الشهر الثامن.

– بحثت المتأنقة بشدة في الملفات بسرعة، ثم إلتفتت نحوهم مستفسرة.

– في أي شهر؟

– لقد قلت لك في الشهر الثامن. محاولاً الإبقاء على أعصابه هادئة.

– طيب، ألا تذكر اليوم بالتحديد؟

– عصر قبضته بشدة، ثم لمعت ذكرى ذلك اليوم بقوة في مخيلته.. اليوم التاسع و العشرون.

– جيد.. ثم رسمت على وجهها الابتسامة البلاستكية ذاتها و عاودت الإنكباب على ملفاتها.

بعد لحظاتٍ من الصمت، كاد الضابط الفارغ من الصبر أن ينفجر في عاملة الأرشيف حين نطقت أخيراً..

-فعلاً ، إستقبل المستشفى شابا في العشرين، كان يعاني من مشاكل جمة، صرع و عنف غير مبرر اتجاه الآخرين.. المهم، أنه لم يكن مستقرًا أبدًا و كان قادماً من سجن المركز المقفل حالياً كما يعلم الجميع، لكن هنالك أمر آخر.

– ما الأمر؟ نطق الضابط أحمد الذي كان بدوره منقضي الصبر.

– توفي منذ سنتين.

– كيف ذلك؟؟ قال الضابط.

– لقد حصلت حادثةٌ أليمة، حيث أن شاحنة قد ارتطمت بجانب المستشفى و التي تواجدت فيها غرفة النزيل، و قد إنهار عليه الجدار و لقي مصرعه في الحين.

– هذا أمرٌ مستحيل!! صرخ علي.

– هذا ما يوجد في السجلات، و بإمكانكم الحصول على نسخة، لكن طبعًا، بعد أن يصدر أمر من المحكمة أو من وكيل الملك. ثم رسمت الإبتسامة ذاتها.

كاد يهاجمها الضابط لو لم يوقفه صديقه، مطالباً إياه بالخروج من المكان.

*****

في الجانب الآخر من المدينة، مركز الشرطة الشرقي، كانت مجموعة من الشرطيين متجمعة بجانب الباب الكبير تستعد لركوب حافلات الشرطة الكبيرة و التي أتت متأخرة، قاربت الساعة الخامسة مساءًا و مال لون السماء نحو الحمرة، و بدأت الأجواء في اتخاذ طقس الخريف الذي لازال يحاول بصعوبةٍ أخد روح الصيف بعيدًا.

لم يتبق من تلك المجموعات غير سبعة شرطيين و هم ينتظرون آخر حافلة لكي يلتحقوا بزملائهم المتجهين نحو حي الشمس لتبدأ عملية تمشيطه من الساعة السادسة و حتى الثالثة صباحًا، حسب الأوامر الصادرة. في دائرة من أربعة رجال من الشرطة، كان الشباب يتجاذبون أطراف الحديث في انتظار الحافلة.

– سحقا، يا له من حظٍّ كليل.

– ما الأمر؟ ما سبب وصلة العويل هذه؟

– طبعًا، فأنت في عالم آخر، ستكون مع محبوبتك إكرام، ألا تخاف عليها يا رجل من ذلك المكان المرعب؟

– نحن نعمل في الشرطة، أليس كذلك؟ فمن الطبيعي أن نتعامل مع الخطر أحيانًا.

– عبد المنعم، ما رأيك؟

– هاه!!

– هاه؟؟ أهذه إجابتك؟ هل أنت معنا أم مع الحيوان المتوحش الواقف هناك؟

– كن محترمًا و لا تتكلم عن الفتاة هكذا!! مقطباً حاجبيه

– لا يهم، فأنت بالتأكيد لن تصل لما تريده منها، وسيلة من النوع الشرس، و تحتاج لنوع أشرس منها من الرجال لكي يستطيع التعايش مع طبيعتها الغريبة. ما رأيك بهدى الواقفة من الناحية الأخرى مع إكرام، تتضاحكان و تسردان ما لا نهاية له من الأحاديث، ربما هي سمينة بعض الشيء لكنها بالتأكيد صيد سهل لأمثالك. ما رأيك؟

– سمير، إمنح الرجل فرصة ً على الأقل!

– رشيد الشديد، ربما أنت من تستطيع الفوز بتلك الغنيمة، ثم قهقه قهقهةً أشبه بالصراخ

– أنت منحرف، لكنك تعجبني، مرسلاً غمزة  لعبد المنعم الذي إحمر وجهه من شدة الغضب.

كان الأربعة واقفون و على مقربة منهم إكرام و هدى و على الجانب الأخر، بعيداً، كانت وسيلة مكتوفة اليدين، تحدق في الشجرة المقابلة لها، مسندةً ظهرها إلى الحائط، غير مبالية بمن حولها، تراقب تلاعب الرياح بأوراق الأشجار المصفرة، حيث لا يقوى بعضها على المقاومة فيهوي على الأرض، سريعاً، صريعاً، ثم قالت لنفسها بما يشبه الهمس:

  • كلما قاومت أكثر إزدادت شدة سقوطك.

بعد لحظات وصلت العربة التي سيركبونها إلى حي الشمس، قبل أن تركب وسيلة توقفت قليلاً، و كأنها تسمع نداءًا بعيدًا، يناديها. بينما الجميع يتكلمون و يضحكون، كانت وسيلة منقبضة الخاطر، مشغولة بشيء لم تفهمه و لم تستطع تفسيره.

*****

– مجددًا، يا له من عذاب!!

كان عبد الغفور في حافلة عمومية، مكتظة بما يخيل إليه أنهم كل سكان المدينة، محدقًا بالسقف طالباً من الله الصبر، في لحظات يكرهها بكل ما أوتي من قوة. بعد إنكسار مشغل الموسيقى عند باب الحافلة، لم يعد له بد من سماع دقات قلوب الجميع، كان المكان أشبه بغرفة تعذيب. حاول جاهدًا أن يفكر بأي شيء آخر.. حقائبه معدة، كل الأوراق اللازمة جاهزة، المحل باعه بثمن جيد كل شيء جاهز، لم يبق إلا الرحيل و الذي يجب أن يكون الليلة. لا مجال للتأخير، فلقد كشف الأمر و القبض على وحش المدينة صار مسألة وقت.. لكن دون فائدة صوت القلوب كان أقوى من صوت أفكاره، و بينما كانت آخر جهود مقاومته تنهار، سمع ما لم يتوقع أن يسمعه يوماً.

كان لحن قلب يعرفه جيداً.

هو في آخر الحافلة بالتأكيد، كان صوت قلبه كفيلاٌ بأن ينسيه أصوات الجميع. دقاتٌ هادئة، عذبة و معذبة، كانت أشبه بسيمفونيةٍ قديمة، لكن متقنةٌ بشكل لا يصدق، لا شيء يشبه تلك الدقات.

فُتح باب الحافلة و نزل منه عدد من الناس، كان ذلك الشخص من بينهم، ثم هم بالركض نحو شارع متفرع، يعلم بأنه مراقب، فما كان من عبد الغفور إلا أن يتبعه..

الأحياء المتفرعة في المساء تبدو أهدأ، لا يعكر صفوها إلا القطط، و في أحدها كان عبد الغفور يقتفي أثر ذلك الشخص، كان يسمع دقات قلبه تطرق صدره بشدة، حتى تنفسه كان صعبًا، كان بعضٌ من الخوف يسيطر عليه كلما إقترب عبد الغفور، حتى أصبح بينهما خطوة. ذلك الشخص يختبئ وراء المنعطف، غالباً ظهره إلى الحائط، دقات قلبه تغيرت من دقات خائفة إلى مركزة، مركزة جدا، تشبه دقات قلب ذئبٍ قبل أن يهم بالهجوم على ضحيته، صوت سكين يشق الهواء حين ارتفع، في استعدادٍ لأن يضرب المعتدين، كان واضحاً، خطوة واحدة تفصله على رؤية صاحب هذا القلب، و خطوة واحدة تفصله عن موته. قرر عبد الغفور في النهاية أن يتراجع، ليختفي عن ناظري ذلك الشخص العجيب، بتحليل بسيط، علم أن هذا المكان ليس مكانه و أنه أراد التخلص من مراقبه هنا. بعد لحظات كان قد ارتقى فوق دراجة نارية، لم يكن عبد الغفور بعيدًا، وضع الخوذة على رأسه و هم بالهروب من المكان، اتجاهه كان نحو المكان الوحيد الذي يؤدي إلى كل المصائب.. حي الشمس.

هل يعود إلى المنزل و يرحل؟ أم يجب عليه العثور على هذا الشخص؟ هل هو نفسه من أنقده من جحيم الماضي؟ و إن كان كذلك فلماذا يتهرب منه الآن؟

في وسط أسئلة كثيرة، كان عبد الغفور كالغريق بدون منقذ، ثم بعد أن أنصت لسكون الغروب و منظر الشمس و هي تنغمس بين الأبنية، قرر أن يعود إلى ذلك المكان للمرة الأخيرة.

*****

الساعة السادسة، بدأت العتمة بالإنتشار و قوات الشرطة كذلك، إنتشرت ست مجموعات من الشرطة كل مجموعة تضم سبعة أفراد من الشرطة، يمشطون قطاع من قطاعات الحي لمدة ساعة ثم تتبادل المجموعات القطاعات حتى تمشط كل قوة المكان كله، ثم تبقت ثلاث ساعات سترابط فيها كل مجموعتين عند النقاط الحيوية للحي. هكذا كانت الخطة.

-واضح أن من حظنا أن نكون مع بدينة و مرتبطة و متوحشة يا سيد رشيد.

– على الأقل المتوحشة ستدافع عنا وقت اللزوم، أليس كذلك سم-ير (نطقها مفككة)؟

– صدقت، كالكلب الوفي. ثم قهقه كالمجنون.

– القوات العامة، بدأت عملية التمشيط للقطاع الثاني، حول. خاطب أحمد القوات.

– بدأت عملية تمشيط القطاع الأول، حول

-بدأت عملية تمشيط القطاع السادس، حول

– يلاحظ حركة غريبة في القطاع الرابع، حول

– ما هي هذه الحركة، و هل يمكن لك تحديد هل..

لم يكمل أحمد جملته حتى سمع صوت صراخ للمجموعة الرابعة، ثم صوتًا يشبه الزئير يملأ ذلك المكان، و حشرجة مختلطة بنداءات إستغاثة متقطعة.. تزامن هذا مع إنقطاع التيار الكهربائي عن الحي و عن الوجوه التي توشحت بالرعب.

(يتبع)

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

تعليق واحد

  1. Some really prize posts on this internet site , saved to bookmarks .

أضف تعليقاً