الرئيسية / العدد السادس والعشرون / الأدب الروسي: فلاديمير فلاديميروفيش ماياكوفسكي

الأدب الروسي: فلاديمير فلاديميروفيش ماياكوفسكي

Mayakovskiy

 **

واحد من أهم وأبرز شعراء النصف الأول من القرن العشرين، ليس في جمهوريات الإتحاد السوفيتي، فحسب، بل والعالم أيضاً، دوّى صوته مجلجلاً في أصقاع روسيا القيصرية، وندّد بالعبودية والاستبداد، اعتنق وهو فتى صغير الأفكار الثورية، انضم إلى الحزب الشيوعي (البلاشفة)، واعتقل ثلاث مرات.

وقف حياته وكل مواهبه وطاقاته، من أجل الثورة الاشتراكية، وقضايا الشعب الكادح، الغارق في مملكة الظلام وها هي ذي الثورة، التي نذر حياته لها، وبشّر بها، وضحّى بكل شيء من أجلها، تنتصر. فيزيد من نشاطه، من أجل ترسيخ مبادئ الثورة الاشتراكية الفتية. لكن الشاعر العملاق سرعان ما اصطدم بالانتهازيين، والبيروقراطيين، والمتسلقين، فأصيب بخيبة أمل كبيرة جعلته ينهي حياته بيده.

ولد فلاديمير مايكوفسكي، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وتحديداً، في عام 1893، ذاك الزمن، الذي يوصف بزمن الغليان، والعواصف، والاضطرابات، والتناقضات. الزمن الذي كانت فيه البلدان والشعوب التي تهيمن عليها الامبراطورية الروسية تئن تحت نير الاستبداد والعبودية، وفي الوقت ذاته كان الثوريون من مثقفين وعمّال وفلاحين وتنظيمات ثورية سرية وعلنية تقود النضال الشرس ضد النظام القيصري المستبد.

في ذاك الزمن ولد فلاديمير مايكوفسكي، شاعر المستقبل، في قرية (بغدادي)؛ من أعمال جورجيا، في تلك القرية النائية، قضى طفولته الأولى، كان أبوه يعمل حارساً أو مشرفاً على الغابات. وكانت أمه، ابنة عسكري، تهوى الشعر والرسم.

كان الأب رجلاً كريماً مضيافاً؛ فمن النادر أن يمضي يوم من غير أن يستقبل أبوه في بيته الضيوف. وفي البيت المضياف، سمع الصغير فلاديمير اللغات المختلفة من الضيوف المنتمين إلى قوميات مختلفة متعددة اللغة: الروسية، الجيورجية، التترية والأرمنية.

عندما بلغ فلاديمير الثامنة من عمره، حملته أمه إلى بلدة (كوتايسي)، إذ لم يكن في قريته (بغدادي) مدرسة بعد.

في سني تعليمه الأولى أحس الصغير فلاديمير بالاغتراب، واصطدم بالفوارق الطبقية بينه وبين زملائه، أبناء الموظفين الروس المتعجرفين، ومن يومها أحس بالاضطهاد الطبقي، وفي عام 1905 بدأ فلاديمير وهو في بداية سن المراهقة التعرف إلى الكتابات الثورية العلنية والسرية، والتي كانت تأتي بها أخته (لودميلا) من موسكو حيث كانت تدرس. وبشكل تلقائي وطبيعي، وجد نفسه منضماً إلى الحلقة الماركسية في (المدرسة العليا) في بلدة (كوتايسي).

اشترك فلاديمير في تشرين الأول عام 1905 في أول مظاهرة سياسية، نُظمت في (كوتايسي) بمناسبة الجنازة التي أقيمت في موسكو للبلشفي (نيقولا باومان) الذي اغتالته جماعة (المئة السود) الرجعية، وفي العام التالي، أي في عام 1906 توفي والده بشكل مفاجئ.

بوفاة والده، انقلبت حياة الأسرة رأساً على عقب. وبقيت الأسرة، دون أي مصدر رزق يذكر، سوى عشرة روبلات ـ تقاعد الأب ـ فاضطرت الأم للرحيل إلى موسكو. ومنذ تلك اللحظة أحس فلاديمير ذو الثلاثة عشر عاماً بالمسؤولية الكبيرة، كونه «رجل» الأسرة الوحيد. عاشت الأسرة في موسكو الفقر المدقع. كتب الشاعر فيما بعد في مذكراته: «عشنا في فقر. عشرة روبلات لا تكفي. أنا وأختاي في المدرسة، فاضطرت الأم لتأجير غرفة، والذهاب للعمل، كانت روسيا هي حلم حياتي، ولم يمثل أي شيء آخر لدي مثل هذه الجاذبية المرعبة».

التحق فلاديمير في موسكو بالمدرسة الثانوية، وهناك انضم إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي وجناح البلاشفة، وشارك بقوة في الدعاية السياسية بين عمال موسكو، وهذا كان سبب اعتقاله للمرة الأولى في 29 آذار 1908، في مبنى المطبعة السرية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكن صغر سنه شفع له هذه المرة، فأفرجوا عنه ليوضع تحت رقابة الشرطة. بعدها التحق بكلية الفنون التطبيقية، وعلى الرغم من الرقابة الصارمة، بقي ناشطاً، تدفعه الحماسة الثورية للدعاية وتوزيع المنشورات السرية، فاعتقل شتاء 1909 للمرة الثانية، لمدة أربعين يوماً، أيضاً، شفع له صغر سنه، فأطلقوا سراحه. ولكن بعد ستة أشهر، أي في صيف 1909 اعتقل للمرة الثالثة، حين اشترك في عملية تهريب ثلاث عشرة سجينة سياسية من سجن (نوفنسكايا) لكن هذه المرة سجن قرابة العام، في زنزانة منفردة، كما يتذكر في الزنزانة (103). ويصدر الحكم بحق الفتى، بنفيه لمدة ثلاث سنوات، لكن استعطاف أمه واسترحامها من جهة، وصغر سنه من جهة ثانية؛ إذ لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة، ومن أجل رعاية أمه وأختيه أفرج عنه.

في السجن، كتب قصائده الأولى، وهناك قرأ بايرون، وشكسبير وقرأ الأدب الروسي؛ بوشكين، وليرمنتوف، ودوستويفسكي

بعد خروجه من السجن، يعلن مايكوفسكي: «أريد أن أصنع فناً اشتراكياً». فانتسب مجدداً إلى مدرسة موسكو للرسم. هناك تعرف إلى جماعة المستقبليين.

في البداية، أعجب مايكوفسكي بأفكار المستقبليين، الذين أعلنوا التمرد على الماضي، ونادوا بالإطاحة بالتراث الكلاسيكي ودعوا إلى تحرير الشعر من كل قيد. ونبذوا كل ما يمت إلى الأصالة الشعرية بصلة. ولم يكتفوا بذلك، بل كان سلوكهم الاجتماعي فيه شيء من الغرابة، فأخذوا يرتدون الثياب ذات الألوان الفاقعة، ويربطون المناديل في أعناقهم، بالإضافة إلى استخدام كلمات بذيئة في أثناء المناقشات الأدبية.

لم يستمر مايكوفسكي طويلاً مع جماعة المستقبليين، فأدار لهم ظهره، واتجه بكليته إلى الفن الواقعي، لكنه حافظ بقوة على التجديد الشعري المؤسس على تقاليد الشعر الروسي العريق.

ومن قصائده قبل الثورة، قصيدة هامة بعنوان: «غيمة في سروال». وتعد هذه القصيدة من أهم قصائد مايكوفسكي وأنضجها، قبيل الثورة، بدأها عام 1914، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة. كان عنوان القصيدة في البداية: «الحواري الثالث عشر». لكن الرقابة لم توافق على هذا العنوان، فاضطر بعد لأي، لتغييره إلى: «غيمة في سروال» قاصداً التهكم على الرقابة والسخرية منها، من ناحية، ومن الناس الرخوين من ناحية ثانية.

حدّد مايكوفسكي نفسه مغزى القصيدة، ومضمونها فكتب: (فليسقط حبكم. فليسقط فنّكم. فليسقط نظامكم. فلتسقط ديانتكم) أربع صرخات لأربعة مقاطع.

مهد الشاعر للقصيدة، بمقدمة تعطي القارئ المفتاح الانفعالي، ومن خلال هذه المقدمة، يدخل القارئ إلى عالم القصيدة المعقد والمركب.

خرج مايكوفسكي، كعادته، عن المألوف، فحطّم الوزن والقافية، وحافظ على الإيقاع، مستفزاً مشاعر الجماهير محرضاَ لها   

قصيدة : أيها القلب المجنون لا تدق عالياً

الحجرة فصل من جحيم “كروشونيك”.
والهواء
تأكله دخان السجاير.
ليلى الحبيبة!
بدلا من رسالة
أتذكرين –
وأنا أربت، محترقا، على ذراعيك
بحب مجنون،
للمرة الأولى،
عند النافذة؟
تجلسين الآن هناك
والقلب في الدروع،
وربما،
ذات يوم،
سوف أطرد إلى الخارج،
إلى القاعة الغائمة:
فلنرتد ثيابنا: كن أكثر هدوءا
أيها القلب المجنون، لا تدق عاليا هكذا!
ولسوف أندفع، عاصفا،
أطلق جسدي إلى الشارع
وقد أدماني اليأس من القدم حتى الجبين
لا تفعلي
لا تفعلي ذلك
حبيبتي
فاتنتي!
فالأفضل أن تقولي وداعا الآن، فورا.
وعلى أية حال،
فحبي عبء مشلول
يتعلق بك
حيثما تهربين
دعيني أبكي
مرارة تعاستي،
في زفرة أخيرة.
يمكن للثور المنهك بعد يوم من العناء
أن يقتحم المياه
أن يبترد ويستريح
أما أنا
فلا بحر لي سوى حبك،
وإلى الآن
فهو لا يمنحني الراحة من هذه الدموع المنسابة.
ولو أن فيلا متعبا يريد بعض الهدوء
فلسوف يتمشى، في وقار
على الرمال التي أحرقتها الشمس
وأنا لدي
حبك وحده
بديل عن الشمس والبلسم
لكنني لا أستطيع أن أخمن من الذي سيربت على يدك.
ولو أن شاعرا تعذب إلى هذا الحد
لأمكنه أن يبادل حبه بالمال والشهرة
وبالنسبة لي
فالعالم لا يحمل لي أية بهجة أخرى
أكثر من رنين وتألق اسمك الحبيب.
ما من حبل مشنقة
ولا نهر متواثب
ولا رصاصة أو سم سيقلتني
ما من قوة تفوقني
غير نظرتك
التي لها شفرة سكين.
وغدا سوف تنسين
أن من توجك كان أنا
أنا
من أذبل روحا مزهرة.
وسوف تدوم صفحات كتبي
حواليك
في دوامة احتفال وجود عقيم
فهل تستطيع كلماتي
وهي ليست سوى أوراق جافة
أن تستبقيك
مع قلب خافق:
آه،
دعي بقايا حبي
تحنو على موطئ أقدامك إذ ترحلين!

*

ترجمة القصيدة : رفعت سلام ـ عن الانكليزية

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً