الغريب (2)

n51c1c774947f0 (1)

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

تسمرت للوهلة اﻷولى و أنا أكذب عيني ، و ما أن إستعدت وعيي و تأكدت أنه هو بعينه ،لم أتردد في أن أصرخ في وجهه : ما الذي تفعله هنا !!!

ببروده المعتاد ، أجابني : حسناً هذا ما كان ينقصني ..مذ متى و أنت تستأجرين منزلي ؟

عقدت ساعدي أمامي بتحد و أجبته : هل هذه حيلة جديدة ؟ ، رفع كفيه أمامه تأكيداً على أنه ﻻ ينوي العراك ، و قال بلهجة بريئة و صادقة جداً : “لم أكن أعلم أنك تقطنين هنا”

لكني لم أتنازل عن لكنتي العدائية في الحوار ، فأردفت أقول : و إذن ؟؟ ، قال : يبدو أني مضطر لأن أشرح الأمر .. السيدة التي إستأجرت منها المنزل هي عمتي ، و كنت أعهد إليها بمهمة تأجير منزلي و استلام دفعية الإيجار نسبة لإنشغالي ، لكنها إضطرت للسفر بصورة مفاجئة لمدينة أخرى في أقصى شمال البلاد ، و كان علي العودة هنا لأدير بعض أعمالي و أتولى أموري . صمت لبرهة و هو ينظر لي باستياء قبل أن يقول : هل سأكمل القصة و أنا أقف بالخارج ؟

أجبته بذات طريقته الباردة : نعم يبدو أن هذا ما سيحدث ، ثم أضفت : الآن تريد إستلام ثمن الإيجار أم ماذا ؟

أجابني : كلا ..أظن أني أتيت لأبلغك بأني بحاجة للمنزل و عليك تدبر أمرك و الإنتقال لمكان آخر ،سأمهلك مدة أسبوعين ، يمكنك تدبر الأمر أليس كذلك ؟

“صحت قائلة” : ﻻبد و أنك تهذي .. ﻻ يمكنك أبداً أن تفعل هذا بي !!! لقد إعتدت على المكان ، كما أن المنزل قريب من مكان عملي .. أوووه يا إلهي !! ليس بإمكانك أن تفسد لي اليوم و حياتي بهذا الشكل ؟؟ كما أني ﻻ أملك الوق…….

قاطعني قائلاً : و لا يمكنني أن أمضي بقية حياتي في غرفة فندق حقير .. أليس كذلك ؟ جئت أعلمك و عليك أن ترتبي أمر رحيلك من هنا ، أنا آسف .

لوح بيده و أدار محرك سيارته و قبل أن يذهب ترجل مرة أخرى ، كنت لا أزال أقف مذهولة من هول المصيبة التي هوت على رأسي ، حين تقدم مني و وضع الكارد الخاص به على يدي مضيفاً عبارة : (( في حال إحتجت إلي )) .. ابتسم إبتسامته الماكرة تلك و غادر .

مر وقت طويل قبل أن أستوعب المصيبة التي حلت علي ، و أغلق الباب لأعود فألقي جسدي الخائر على أقرب مقعد . أظنني أمضيت الليل كله في ذات المقعد حتى إنبلج الفجر ، أعددت كوب شاي ، و إستعدت بعض الحيوية بعد الدوش البارد ..

و أنا أعبر رواق الشركة كان علي أن أجيب على أكثر من شخص سألوني عما إذا كنت أعاني من المرض أو خطب ما (بكلمة واحدة مقتضبة) : ﻻ ، على عكس الأيام السابقة ، فالوقت صار يمضي في خطفة بصر ، و الأيام تتناقص بشكل مريع و لم أوفق في عمل أي شيء ، أو ترتيب أوضاعي على الإطلاق .

كل الذي فعلته أني تقدمت بطلب أجازة من العمل كي أستطيع ترتيب شؤوني ، و أظن أن الإطلالة الكارثية التي أذهب بها للمكتب جعلت المدير لا يتردد في قبول الطلب .

التلفاز .. القهوة .. النوم .. التلفاز .. القهوة .. النوم .. هكذا سارت الأيام الخمسة الأولى ، حتى ظننت أني سأجن أو أموت .

الجزء الأسوأ بالنسبة لي كان هذا الرجل البغيض الذي ظهر فجأة و جاءت معه كل المصائب ، كنت أفكر في شيء ﻻ أذكره و أشعر بأن رأسي ثقيل جداً ، بصعوبة تمكنت من فتح عيني لأجده يقف أمامي حاملاً بيده كوب ماء ، لم أستطع أن أفهم ما الذي أتى به و كيف دخل منزلي ، أردت بشدة أن أصفعه أو أصرخ بوجهه لكني كنت متعبة جداً ، كما أن نظراته القلقة وقفت حائلاً دون ذلك .فاكتفيت بأن أسأله : ماذا حدث ؟

سألني بريبة : هل أنت بخير ؟

نهضت قليلاً و قلت : أظن أني بخير ، إنتبهت لبعض الماء يبلل قميص بجامتي ، فقطبت حاجبي و سألته بصوت واهن : أنت سكبت الماء علي ؟؟ لوى شفته بامتعاض و قال : بلى ماذا أنت فاعلة ؟ كان يجب أن أتحقق من أنك على قيد الحياة .

أنا ؟؟ و لما !

حسناً .. أخبرني الجيران أنك لم تخرجي منذ يومين و أنك لا تصدرين أي حركة بالمنزل ، و أنك كنت تبدين بحال سيئة في الأيام الأخيرة ، مما جعلهم يعتقدون أنك ربما أقدمت على الإنتحار أو أنك قد مت من المرض ، طرقت الباب كثيراً و لم تستجيبي لي ، ما دفعني لأستخدم نسخة المفتاح الذي بحوزتي ، جيد أنك لم تموتي بأيه حال ، قالها و هو يمد لي كوب الماء لأشرب . ثم أضاف : ما الذي حل بك ؟

تناولت الكوب و تجرعته بالكامل ، و نهضت من فراشي بصعوبة حتى صرت بمحاذاته ، رغم تعبي أصررت على وضع يدي على خاصرتي بوضع عدائي ، و أن أصرخ فيه باستهجان : ما الذي حل بي ؟؟

أفسدت لي كل شيء و تأتي ببساطة و تسألني ما الذي حل بي ؟ ألم يكن بوسعك أن تستأجر أي منزل بدلاً عن أن تطالبني بالرحيل ؟ هل تعرف أن المدينة مكتظة ؟ و أنه من سابع المستحيلات أن أعثر على منزل في مثل هذا الوقت ؟؟

أنانية و تفكرين بنفسك .. المدينة مكتظة و من المستحيلات العثور على منزل بالنسبة لك ، و ماذا عني ؟

سيصبح الأمر يسيراً أليس كذلك ؟ كان علي أن أدرك منذ البداية بأنك معتوهة …هه ترتدين ساعة لا تعمل ” هذا يفسر بعض الأمور ، أحدها أنك مجنونة

شعرت بالدوار مجدداً .. فاستندت على حافة فراشي ، فهب إلى مساعدتي كي أعود للفراش و قال بلهجة طيبة مناقضة لما قبلها : ربما تحتاجين لتناول بعض الطعام ..

خرج ، فسمعته يصفق باب الثلاجة ، يبدو أنه لم يعثر على شيء صالح للأكل . و منها خرج خارج المنزل و عاد بعد دقائق حاملاً بعض الجبن و العصائر و أشياء أخرى ، أعد لي بعض الساندويتشات و كان حريصاً على أن أتناولها ، وضع يده على جبيني ليختبر درجة حرارتي ، ثم سألني : هل تودين أن أصطحبك للمشفى ؟

قضمت قضمة من الساندويتش و حركت رأسي بصمت . ..كان لا يزال ينظر إلي .. فقلت بتصميم : ﻻ .. الأمر لا يستحق ، تغيرت ملامحه القلقة على الفور و إستعاد نبرته الباردة .. قال لي بأنه يجب أن يغادر ، و أنه سيكون بالقرب إن إحتجت له . رحت أنصت لوقع أقدامه ..أحسست أنه توقف للحظات . . خيم فيها السكون على المكان ، ثم سمعت صوت الباب يفتح و يغلق بهدوء .

إبتلعت لقمة أخرى و أنا أصغي لهدير محرك سيارته و هو يبتعد و يبتعد إلى أن تلاشى …

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

اترك تعليقاً