الله معاك

249839172398

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“ياااا خالة مشينا ياخ “

يعلو صوت الكمساري نحيلُ الجسم المُنحشر داخل تلك المساحةُ الضيقةِ التي تفصلُ المقاعد الأمامية عنْ الخلفيةِ لحافلة النقل الصغيرة “الهايس” ، مذعورةٌ تصحو من غقوتها, غفوة رحلتْ فيها بخيالها إلى سنينٍ غابرة إقتربت ذكرياتها المُتخمة من أن تغيبُ عن ذاكرتها المشوشة ، تعودُ إلى قريتها الصغيرة الخضراء الجميلة “تنقلي” ، تلك التي تتموضعُ عميقاً في وسط الجبال الشرقية لجبال النوبةٍ ، تتجول لبرهةٍ داخل حوشَ منزِلها، القطيتين الكبيرتين والتُكل برائحة العجين المخمّر والشرموط واللبن الرائب ورائحة الإحتراق ، السويبة الممتلئة  بعيش الفتريتة نتاج الموسم الزراعي ، زريبةُ الغنمِ برائحتها النفاذة ، العرديبة الشامخةِ الواقفةِ أمام باب الحوش الحديدي ، الجنينة والتي قبل أن تشقُها بذاكرتها يشقُ مسمعُها صوت الكمساري الذي يبدو أنه غضب من عدم إستجابتها لطقطقات أصابعهُ ،

معليش يا ولدي ، تقول وهي تمد له فئة حديدية من الجنيه مضيفةٌ :

“نازلة صينية المركزي” .

تعيدُ وضع محفظتها بين ثنايا ثوبها، في مكانِ هو أقرب ما يكون إلى قلبها، هي إعتادت وضعها هناك منذ أن تم نشل محفظتها التي كانت تحوي إيراد يوم كامل من بيع الشاي، المهنة التي أمتهنتها منذ أن وطأت رجلاها حيث ينام الرئيس نازحة وهاربة من ضجيج الأسلحة ورائحة الدماء، خلالَ لحظاتٍ كانت تجلس على منبرها تعيد ترتيب البرطمانيات وأواني إعداد الشاي والقهوةِ على صندوق خشبي مطلي بالأزرق السماوي كُتب على واجهتهِ بالأسود،

“كلما نشتل الأفراح تجي الأقدار تمد إيدا”

ربما قصدتْ بالأقدار تلك التي قذفت بها إلى جحيمِ العاصمة هي وإبنتيها حيثُ لم تكن تعلم حين هربت بهم إلى الجبل ذات غارة أن ذاك كان آخر خروج لهم ، لو علمت لربما أخذت معها أقراط الذهب التي أهداها إياها زوجها “كندة” حين زواجهما أو علها أخذت معها شهادات “ميلاد” صغارها التي تم إستخراجها من مدينة الدلنج قبل فترة قليلة ، بل لألحت على زوجها بالهروب معهم إلى الجبل ،لأغرته بأن تعد له جردل ممتلئ من” الكانيمورو” حين عودتهم، فقد كانت تلك نقطة ضعفه الأزلية، في أسوأ الفروض لكانت إحتضنتهُ طويلاً ووضعتْ على رأسه قبلة الوداع ، ولكنها لم تكن تعلم وللأسف ..!!!

تنادي على ” سليمان ” والذي يلبي مسرعاً ، تُرسله إلى دكان أحمد :

“قول لي أحمد يديك رطلين سكر وظرف لبن بدرة وسلك لماع بي خمسمية ورطل بن”

ثم تضيف بصوت منخفض قليلاً مع إبتسامة مزجتها ببعض خبث :

“قول ليهو خميسة قالت ليك (المغنطيسة ) البتختها تحت صحن الميزان دي شيلها برة لما توزن لي أنا” .

و سليمان بحيوية معتادة يلقي بصندوق “الورنيش” أرضاً ، مسرعاً إلى الدكان ليعود بما طلب منه بعد لحظات قلائل، ثم يحمل “الباغة” الفارغة متوجهاً إلى مطعم “أولاد شندي ” ليجلب الماء من الماسورة ويضعها قبل أن يتوجه إلى زريبة الفحم دون حتى أن ينتظر ليستمع إلى التوجيه المكرر منها :

“قول لي ( ابكر) دا بت النوبة قالت ليك دقتك البتدينا ليها دي يوم بكبها ليك في راسك الكبيردا لما تعرف حاجة” .

بهمةٍ ونشاط يذهب سليمان ويعود، يلبي طلباتها بكل أريحية، وخلال دقائقٌ يأتي بكل ما تحتاج خميسة من أجل بداية يومها العملي، دقائق يكتملُ معها إعداد أول كوب من الشاي المخلوط باللبنِ ، كوبٌ هو أكبر بقليل من الأكواب التي تستخدم في البيع، تضع خميسة الكوب أمام سليمان مع حبات زلابية صنعتها” كلتوم” التي تجاورها في العمل ،

يلا يا ولدي، تقول.

ليرد سليمان والابتسامة تعلو وجهه :

شكراً يمّة .

كانت ترى فيه إبنها الصغير لو قدر له أن يعيش، رضيعها الذي لم تحتمل أنسجته الرخوة وهو إبن الستين يوماً مشقة التنقل بين الجبال أثناء الهروب لتفيض روحه البريئة إلى بارئها ذات ليلة ممطرة داخل إحدى الكهوف. سليمان بدوره يرى فيها أمه والتي لم يرها منذ سنين ليست بالقصيرة ، منذ أن ودعها مغادراً مدينة الجنينة إلى الخرطوم من أجل جمع المال اللازم لخطبة إبنة عمه “ثريا”، ثريا التي جيء إليه بخبر زواجها من أحد تجار المدينة ليقرر بعدها البقاء بالخرطوم ، فلا فائدة للعودة طالما لن يستطيع بلوغ ” الثريا ” .

تبدأ في جمع ما تيسر من رزق من خلف جمرات النار المشتعلة على الموقد المصنوع من الصفيح.  تتحمل في ذلك بعض ما لا يسر من مشاغلات الزبائن ونظرات بعضهم التي تفيض شهوة ، نظرات تنم عن إستعداد  للإنقضاض على أنوثة فيها هي بواقي أنوثتها التي حزمتها منذ زمان ثم أطلقتها لتتبعثر في سماء ظروف المدينة القاسية، ربما تعمدت متواطئة مع ظروف عملها على إهمال الإهتمام بجمالها, لم تعد تستخدم تلك العطور النسائية إلا ما ندر لا تضع من “الخمرة” على بدنها، لم تلامس رجلاها الحنة منذ زمن طويل كما أنها لا تستخدم “الدلكة ” إلا عند الأعياد والمناسبات المهمة ، تنكرت لأنوثتها ، بالأحرى لم يعد يعنى لها شيئاً كونها أنثى طالما لم يعد “كندة” بقربها ، كندة الذي إنجذب نحوها من بين عشرات الفتيات في يوم الاحتفال بنفير الحصاد ليؤشر ناحيتها بعصاة الخيرزان المعقوفة من الأمام مختاراً إياها لتشاركه رقصة “الكرنق” على صوت دقات النقارة وتصفيق الفتيات مع ترديدهن أغنية تتذكرها تماماً كأنما كان الحدث في قريب الأمس :

أبني ليك قطية يا زول

عشان نعرس فيها يا زول

كدا بس كدا بس يا زول

عشان نعرس فيها يا زول .

كيف لا تتذكر وهي التي رقصت في ذاك اليوم كما لم تفعلُ من قبل , دقت على الأرض بقوة أنثوية ناعمة ، حركت ساعديها إلى الخارج كما موج البحر الهادي ، وأهتز جسدها بكل تضاريسه الأنثوية البكرة حينها بتناغم مع دقات الأرجل على الأرض وتصفيق الفتيات وغنائهن :

كدا بس كدا بس يا زول

عشان نعرس فيها يا زول .

تتذكر جيداً دقات رجل “كندة” القوية على الأرض، قوية بدرجة إمتلأت بها ساحة الرقص بذرات الغبار المتصاعدة من تحت أرجله، تتذكره جيداً وهو يقترب منها حيناً بمسافة إستطاعت أن تسمع معها وبوضوح صوت أنفاسه المتصاعدة أثناء الرقص، رافعاً عصاه إلى أعلى، كأنه يهدد ويتوعد كل من يحاول الإقتراب منها .

ربما هي الرقصة التي جعلت ” كندة” يتصيد الفرص ليحظى برؤيتها، ولعلها هي التي جعلته يختبئ يوماً بين الحشائش منتظراً إياها في رحلة عودتها من البئر لجلب ماء الشرب ،ثم مطلاً فجأة أمامها من بين الحشائش حين ظهورها، جاعلاً إياها ترمي من على رأسها ” الريكة” التي كانت تحمل بداخلها أواني الماء الممتلئة مفزوعة و خجلة، مطلقة ساقيها للريح معلنةً بداية قصة الحب التي إنتهت بزواجهما .

يمضي اليوم سلساً خاصة وأن آخر عدّ لما جمعته من مالٍ يؤشر بأن اليوم كان يسيرُ جيداً ، وأنها ربما تستطيعُ دفع ما عليها من دينٍ لم تسددهُ في صندوق نساء الحي ، خاصةً وأن سعدية أمينة الصندوق لم تحتمل تأخرها عن السداد لأسبوع غابت فيه عن العمل لعلةٍ، لتأتي إلى منزلُها وتأخذ سريرين محذرة إياها :

“يومين بس لو ما دفعتي القروش حا اتش ليك سرايرك ديل انشاءالله بي خمسين جنيه “،

وتتردد كلمات قالتها سعدية على أذنيها :

“الواحدة لو ما قادرة تدفع زي النسوان مافي زول جابرها تخش “.

تضع ما تجمع من مال داخل الإناء البلاستيكي الموضوع أمامها لتسهيل حركة إرجاع “الفكة ” للزبائن، يمر اليوم وتميل الشمس لتأخذ زاوية حادة تخفُ معها حرارتها قليلاً، وبين لحظة وأخرى يمر سليمان حين يرهقهُ مسح الأحذية ، يجلس قليلاً ليأخذ ويعطي معها في الكلام ، تلح عليه ليشرب من الشاي “السادة ” ، يشرب أحياناً ويرفض حيناً أخرى قائلاً :

“والله أنا دا لو عصرتيني من راسي كدا بكب ليك شاي زي الصبارة”.

تضحك ملء شدقيها ، ثم تمد ناحيته كوباً معدني ملأته سائلاً أحمراً ،

“طيب اشرب الكركدي البارد دا بيفيدك في الحر دا” .

تهدأ حركة الزبائن قليلاً وتبدأ هي في تهيئة نفسها للرجوع إلى بيتها، تتكئ بظهرها على جدار كشك الجرائد الذي تعمل تحت ظله لتغفو قليلاً، غفوة تصحو معها مخلوعة على صوت ارتطام قوي، تفتح عيناها على موقد نارها الذي انكفأ على عقبه وكفتيرة الماء التي إندلق ماءوها على النار لتنطفي، ورِجلٍ ترتدي “بوتاً” عسكريا تبعثر معداتها .

يا الله …!!

لم تنتبه لأصوات التحذير بوصول الكشة في غفوتها.

جاءها صوت صبية الورنيش

” كبس كبس ” ، “الدفار كبس” كما الحلم ، ليغافلها رجال المحلية دون أن تضع لهم حساباً .

تتدارك بسرعة، تخطف الإناء البلاستيكي وتهرب قبل أن يتم إلقاء القبض عليها، تبتعد بسرعة لم تنتبه معها لوجود حفرة تصريف مياه أمطار تحت قدميها، تتعثر لتسقط على وجهها ويسقط إناء البلاستيك ليهرب بعيداً مفترقاً عن غطاءه ، ينتشر الألم في جسدها بسرعة سريان تيار كهربائي في سلك عاري، تضغط على جسدها محاولة لملمة أطرافها ، تفتح عينيها والتي تتجول أولا بحثاً عن إناء المال ، تلجمها المفاجأة حين تقع عيناها على إناء البلاستيك الواقع على بعد خطوات قليلة منها تكتشف بأنها وفي غمرة استعجالها وارتباكها أخذت الإناء الخاطئ ، ضاع كل شيء ، تعيد إغماض عينيها متحسرة ، معتصرة دمعة اختلطت بكل إحساس المرارة ، إحساس لم تحسه إلا مرة واحدة، حين جاءوا إليها بالنبأ الأليم، حين قيل لها إن ” كندة” حين الغارة رفض أن يترك أبقاره لتطالها أيادي المليشيات التي تستغل وضع الحرب لتسرق المواشي، أخذ سلاحه الخرطوش واحتمى بقمة شجرة تبلدي ليحمي أبقاره، إنهالت عليه الرصاصات بعد إصابته لواحد منهم حاول الإقتراب من حظيرة الأبقار, قيل لها أنهم وجدوه يحتضر وأن آخر ما طلبه هو إيصال سلامه إلى خميسة

قال لها، إعتني بأولادنا “والله معاك” قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة .

تجمهر الناس حولها يسألونها :

أنتِ كويسة ؟

أنشاءالله ما حصل ليك حاجة ؟

أستجمعت بعض ما تملك من قوة، تذكرت أن عليها أن تعود لأولادها، فالله معها كما قال كندة ، ضمت رجليها رغم الألم لتجلس ثم رفعت الإناء البلاستيكي ووضعت عليه الغطاء الذي أتى به أحدهم. تقوم لتقول :

أنا كويسة مافي حاجة يا جماعة وشكراُ ليكم .

ينفض الناس من حولها، تفكر في كيفية الوصول إلى البيت وهي لم تعد تملك ولو جنيه واحد ، ستذهب لعثمان الميكانيكي زبونها الدائم فهو لن يقصر في أداء الواجب كما أعتادت منه.

 وهي تضع الخطوة الثانية إتجاه بنشر عثمان الميكانيكي، يخترق أذنيها صوت تعرفه جيداً :

أقيفي يا يمة …!!!

“دا جردل القروش أنا خطفتو وجريت قبال ما ناس الكشة يشيلو العدة” .

“الله يخليك يا ولدي”  تردد غير مصدقة .

تقترب من سليمان بكل ما تحمل من مشاعر جميلة, تحتضنه بكل حنان الأم، فهو قد أخذ تماماً مكان إبنها الصغير، رضيعها الذي لم تحتمل أنسجته الرخوة وهو إبن الستين يوماً مشقة تنقلها بين الجبال أثناء الهروب لتفيض روحه البريئة إلى بارئها ذات ليلة ممطرة داخل إحدى الكهوف

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

لا تعليقات

  1. نذهب مع سردك الجميل إلى مطرح اﻷحداث التي ترويها…
    إنسياب التفاصيل ..و تموضع كل منها في منزلتها اللتي تليق بها…
    هذا ما عهدناه مع كتاباتك …
    لقد صورت لنا مرارة الواقع و جمال ثنايا يحتضنها.

  2. نذهب مع سردك الجميل إلى مطرح اﻷحداث التي ترويها…
    إنسياب التفاصيل ..و تموضع كل منها في منزلتها اللتي تليق بها…
    هذا ما عهدناه مع كتاباتك …
    لقد صورت لنا مرارة الواقع و جمال ثنايا يحتضنها.

اترك تعليقاً