المُعَلم

1379643950

مجاهد علي الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

يجلس علي ماكينة من الطوب الأحمر، يخرج قارورة من كيس النايلون الملفوف بعناية ، يفتحها ببطء ، يعبق المكان برائحة العرقِ المميزة ، يشرع في أداء صلاة الكأس بكل خشوع ، يفرغ القارورة الى آخرها وهو مغمض العينين ، وكأنه يغوص في دهاليز ذاته  يعبر صحراء لا غرار لها ، يخلف وراءه حضارات و أجيال ، يحتفي بكينونتهِ ، يفتحهما بعد برهة من الزمن مذهولاً كغريق كان على وشك الهلاك ، يحملق في الفراغ الذي أمامه ؛ الفراغ الذي يعني له ضياع الإنسان ، غربته، حيرته ، بؤسه، عدميته ، ولا جدواه أيضاً ، هو يعتقد أن كل من انتحر، جُن، كفر بوجود إله ، شكك في وجوده ، حرقته الأسئلة ، كل ذلك كان بسبب هذا الفراغ ؛ الفراغ الذي حاول أن يملأهُ بثلاثي البحث عن معني – كما يسميه: السفر، الجنس، و الخمر.

كور سفة سعوط بحجم ثمرة لالوب، وضعها في جيب شفته السفلي، كان يرقبهم و هم يجهزون حوض المونة ، ينقلون الطوب كي يباشروا العمل ، في أثناء ذلك أشعل سيجارة من نوع بينسون، لم يدخن منها شئ ، اكتفي بمشاهدة النار تسري في روح التبغ ، تذكر ذلك المشهد من فيلم طروادة ، عندما قال اخيل العظيم : إن الالهة تحسدنا علي الفناء ؛ ما إن سمع تلك الجملة حتي  تبادر إلى ذهنه منظر الفراشات التي تقترب من مصدر الضوء بالرغم من علمها أنه الفناء إلا إنها لا تقدر على كبح نفسها ، تذهب إلى الضوء بغنج فتاة إفريقية عاشقة ، وفي تلك اللحظة تحديداً – لحظة الفناء- عندما تقترب من الضوء وتتحد معه تشعر باللذة . إسبوع وهو يفكر في تلك الجملة ، يتعمق فيها ، يحاول أن يفسرها ، يقلبها عسى أن يكتشف بعداً اخر، يفكر في ماذا لو كنا خالدين؟ يا الهي .. كانت الحياة ستكون أكثر بؤساً، دائماً ما يفكر أن الموت هو سر الحياة الأعظم .

هو رجل في بداية العقد الرابع من العمر ، بهي الطلة ذو بشرة يميل لونها للسواد ، متوسط الطول، أسنانه الامامية متاّكلة بفعل السعوط ، عيناه صغيرتان وغائرتان في تجاويفهما ، تكسوه مسحة حزن واضحة كنبي كذبه قومه ، ما إن تراه حتى تظن أنه يبكي ، له عرجة خفيفة في رجله اليسرى ، يخدعك مظهره فتظن أنه لم يتجاوز الثلاثين بعد ، و كأن معاول الزمن لا تعمل علي جسده ، قدِم الى هذه المدينة قبل ما يقارب السنة ونصف ، إستأجر بيتاً صغيراً عند نهاية الحي من الناحية الشرقية ، منزله مكون من حمام ، مطبخ ، وحجرة وحيدة هي غرفة نومه ؛ يتوسط الغرفة سرير مقابلاً لمروحة السقف، طاولة هرمة، رف به بعض الكتب ، لمبة نيون تزين الحائط، لوحة لبوب مارلي ، راديو ترنسزستر قديم ، شماعة ملابس بها بنطالي جينز و قميصين ، احداهما أبيض مشجر والآخر رمادي .

لم نكن نعلم أن اليوم هو الأخير له هنا ، فقد كان يوماً عادياً  كغيره ، بدأنا العمل بعد أن فرغ هو من طقوس كيفه ، و أنهينا نحن تجهيز المونة ، كنا سعداء لأننا سوف ننهي العمل اليوم في هذا المبني ، إضافة الى ذلك أن اليوم هو الخميس، الذي من أجله يباع القميص ، توقفنا عند الحادية عشر للإفطار ، الفترة التي نحب ، وذلك لأنه يمنحنا نصف ساعة للراحة لكن ما يجعلها مميزة أنه يقص علينا حكاياته الشيقة ، عن كلية الفنون التي في العاصمة ، وقد تخرج منها قبل عشرين عاماً ، عن سفره الى فرنسا، و حياته هناك لمدة سنتين، عشق خلالها ، ضاجع كل امرأة مرت عليه ، سافر كل مدنها ، أقام معرضه الأول ، حصل على عدة جوائز في النحت ، زار برج ايفل ، الشانزلزيه ، الحدائق ، متحف اللوفر، إستمع للأوبرا ، زار معارض الفنانين القادمين من مختلف دول العالم ، محلات المساج ، ثم عن عودته الى هنا ، عن سفره الى كل مدن السودان ، كان دائماً ما يحكي لنا عن إندهاشه بنمط الحياة وأشكالها في تلك المدن البعيدة ، عن حياة الأنبررو الذين يسكنون الدمازين ، عن النوبيين في شمال السودان ، لغاتهم عاداتهم و عن النوبة في كردفان قبائلهم، كجورهم، طريقة دفنهم للموتى ، مواسم حصادهم ، عن البجة في شرق السودان، الهدندوة ، البني عامر؛ تداخل لغتهم  مع الأثيوبين ، عن  جبل مرة و الذي يقول عنه أن الله بذل مجهوداً جباراً ليخرجه في ذلك الرونق المدهش ، كان دائماً ما يقول ان الحياة بائسة و أنه يحاول أن يعيشها بطريقة أقل بؤساً ، لم نكن نفهمه في كثير من الأحيان ، وفي إحدى المرات سألناه بتعجب عن السبب الذي جعله يترك كل شئ و يرجع الى هنا ، فقال : و ما معنى كل ذلك؟ بل و ما معنى كل شئ ؟!

في المساء رجع إلى بيته بعد أن زار حي برلين أخذ حصته من العرق الجيد الذي تعده النساء هناك ، بدأ في رسم جدارية لهم هم الثلاثة ، يقفون أمام نهر عظيم ، ينظرون لمشهد غروب الشمس ، إنتهى من الرسم قبل الفجر بقليل ، فكر في أن يكتب لهم رسالة ، بدأ في كتابتها ، ثم مزق الورقة وقال مخاطباً نفسه : اللوحة أجمل من الكلمات في الوداع .

في الصباح لف اللوحة في قطعة قماش ، ذهب الى السوق الكبير ، أودعها عند حاج الصافي الترزي الأقدم في السوق ، أوصاه بأن يعطيها إياهم ، ودعه وأخبره أنه مسافر، سأله حاج الصافي بصوته الهش :

– علي وين يازول؟

– لا أعلم !

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

اترك تعليقاً