برقية من دنـقلا

يس

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كروح معلقة بين السماء والأرض, يجلسُ وحيداً على كرسيه البلاستيكي أمام دكانه وسط الحي, ترى في عينيه نظراتٍ أنهكها السفر إلى مكانٍ ما, لا تشدَّهما حركة العابرين أمامه على كثرتهم, دقيقة تزيد أو تنقص قليلاً تفصل بين رمشة الجفن وأختها, كأنه ليس هنا, أو كأن هذا الجسد على الكرسي غريباً عنه. ومنذ انتقاله إلى مدينتا قبل ثلاثة أعوام قادماً من دنقلا لم يسمع أحد صوته وهو يضحك, حتى مع مداعبات (جوكينا) المميتة من الضحك تراه يكتفي بابتسامة سرعان ما يخبو نجمها, كأنها انفلتت منه على حين غرة فاستدرك الأمر بسرعة. (الجذر أخضر والغصن يابس)

أيقنتُ أن صمتَ هذا الرجل ينطوي على حكاية ما, ولم أتعجّل معرفة ذلك ريثما أجد طريقة ترغِّبه في الحديث. بدأتُ ألاحظ تحركاته, كان لا يشارك الناس أفراحهم ولا يحضر الأعراس, ولكنه يتبع الجنائز, ويعصر الفراش مع أهل الميت, حتى إن الغرباء يظنون أنه قريب الميت فيرفعون أكفهم (الفاتحة). ولا يزور أحداً باستثناء حاج الصادق, فتحفزت غريزتي لإكتشاف السر, والذي لم يكن سوى أن جذور الصادق من فرع أبيه تعود إلى دنقلا, حيث كان جده الثالث صاحب فلوكة للصيد, مركونة الآن على شاطئ النيل. ولكن جده الأول قد هاجر بالأسرة إلى المدينة حيث يسكنون الآن, عرفتُ ذلك من حاج الصادق نفسه, وقد جمعتني به علاقة طيبة, فدعوته إلى تناول الغداء في بيتي بعد يومين عقب صلاة الجمعة على أن يصطحب معه عبد الودود, وألححتُ عليه في ذلك فقبل قائلاً : (أبشر يا زول .. أصلاً طولنا من طبيخ “سَمْرَه” , علي باليمين طعم الكُدَّاد* الأكلتو في صينيتك لاصق في حلقي من رمضان) ..

فضحكتُ لهذه المبالغة اللطيفة, فقد مضى على رمضان شهرين, وشكرته على ذلك ثم شددتُ عليه بضرورة حضور عبد الودود.

***

في مدينتنا ذاك النوع من الرتابة الذي يُلقي بك مكتوفاً في محيط من الملل لا تعلم له شاطئاً ولا ترى فيه فنارا, ضجة هائلة تصدر من محركات العربات صغيرها وكبيرها, وهواء عابق بالكربون, في جو حار يبعث شعوراً في النفس أشبه بالإحتضار. الناس رائحون وغادون, كلٌ في سبيله, كأنهم منظومة آلية تتحرك وفق إرادة غامضة, وتفتقر لذاك الطابع الذي يجعل منها حياة. كنتُ منغمساً في التأمل عندما علا صوت الخطيب بإحدى زعقاته ليعيدني إلى جو الخطبة, رأيتُ وجوه المصلين ساكنة التعابير وهم يغالبون نعاساً يتسلط على أجفانهم ويجاهدون أفواههم لمنعها من التثاؤب, حواجبهم أقواس على جباههم, وأجفانهم تنعرجُ مع تكويرة المُقل حتى منتصفها, فتبدو عيونهم كجمراتٍ قد غطى نصفها الرماد. ويذوب ذلك الصوت في هدوء لأعود إلى تأملاتي, ولا أنتبه إلا لهمهمات المصلين وهم يؤمِّنون على دعاء طويل فيه يعز الله الإسلام والمسلمين, ويمحق الشرك والمشركين, وينصر السلطان على الخونة والمارقين, ثم قمنا إلى الصلاة لا ندري إن رحمنا الله أو زاد غضبه علينا.

خرجتُ من المسجد بعد أداء فريضة الجمعة وأنا أطرد تلك التأملات, وصلت البيت وشرعتُ أتهيأ لاستقبال حاج الصادق وعبد الودود. لحظات وسمعتُ قرع الباب, خرجت إليهما بحبور ورضا, وفضلتهما إلى الديوان ..

قال حاج الصادق: (والله ياخوانا مافي أحسن من لمة زي دي)

وقلت: (إيه الدنيا غير .. لمة ناس في خير .. أو ساعة حزن!)

رد حاج الصادق: (أي والله .. رحم الله مصطفى وحمِّيد)

ولم يقل عبد الودود شيئا.

كانت نظراته مشغولة بذبابة حطَّت على يده فلم يهشها, وتبعها لما طارت واختلطت برفيقاتها حيث أفلتت من مراقبته (الجذر أخضر والغصن يابس) تركتهما وخرجت لجلب صينية الغداء, وضعتها أمامهما وسحبتُ كرسياً وجلستُ عليه, كان التلفاز مطفأً وهاتفي يناديني من وقتٍ لآخر بتغريدة جميلة ولا أعيره بالا. تخللت لحظات الأكل أحاديثاً مبتورة بسبب الإنشغال بشوك السمك والتلذذ بطبيخ الكُدَّاد, وعندما فرغنا أتيتهم بالشاي فراقهما مذاقه, وهمس حاج الصادق بنشوة (حرَّم يا “أسمر” ربنا كرمك بالمرة, يا زول “سَمْرَه” دي رحمة الله ونزلت عليك, أبقى عليها عشرة)

كنتُ أركز نظراتي على عبد الودود بعمقٍ بالغ, أستكنه ملامحه, وحينما رأى حاج الصادق ذلك مني إنصرف عن حديثه وركز هو الآخر نظراته عليه, وقال: (شنو يا عبدالودود, اليشوفك يقول ميتلك ميت!)

لابد أنه أدرك للتو وجودنا بقربه, فقد بدا وكأن هذا الكلام فاجأه, وأحسَّ بضرورة أن يقول شيئاً ليصرف نظراتنا المتفرسة في وجهه : (أبداً والله كفانا الشـ ..)

وقبل أن يكمل عبارته قلت بإصرار من يقدم على أمر مصيري: (الموت ما شر يا عبد الودود, لكين البتسوي فيهو دا شر .. ورينا شن هاميك, يانا معارفك وناسك ولابد تشاركنا همك)

وكأن هذه الكلمات كانت المفتاح السحري لصمته, وشهق شهقة عميقة كغريق يخشى الغرق في بحيرة من الأسرار, حبس الهواء في صدره لحظات, مغمضاً عينيه, ثم زفره وفتحهما, وانفتحت عندئذٍ أقفال كثيرة في أعماقه (سمح .. حا أحكي ليكم حكايتي) وبدأ يتحدث (الجذر أخضر والغصن يهتز) ..

وعندها وهبنا الله تلك القدرة الخارقة وسافرنا عبر الزمن, رافقناه إلى أهل (هند) طالبين يدها لـ (أحمد) ابن أخيه عبد الشكور المغترب بالمملكة العربية السعودية, فأحسن أبو الفتاة وفادتنا وأكرمنا, جلسنا في الحوش على أسرَّة مفروشة بملايات يدوية التطريز, وشربنا العصائر وتناولنا التمر المكسو بحبوب السمسم, وكان الجواب واضحاً, فقد سمعت القلوب قول الخير وصدَّقتها الضحكات, وأتممنا معه العرس الذي دام سبعة وعشرين ليلة. ثم حضرنا معه حصاد الفول المصري الأخضر, فأخذنا بعضه للنسوة وقلينه, وحين شممنا رائحته إنتهى طعمه إلى حلوقنا, كأننا لم نتغدَ سمكاً وكُدَّاد بل فول أخضر مقلي. وانسجمنا مع ثلة من الرجال, يخرجون عصراً ويدخلون البيوت بيتا بيتاً, وحينما هدَّنا التعب أوينا إلى سرائرنا الخشبية المصنوعة من أغصان المسكيت والسنط, وكانت قريبة من الأرض كمثيلاتها. وفي الصباح الباكر, في الحقول القريبة من البيوت, نظَّفنا بعض النخلات من الجريد اليابس المصفرَّ, ولقحنا بعضها, وأدرنا وابور الجاز فسقى حيضان البرسيم (الجذر أخضر والغصن مثمر) عند الظهيرة فرغنا وذهبنا إلى السوق, سلَّمنا على كل الناس فرداً فرداً, وفجأة إذا بصيحاتٍ نشَذَت عن صيحات الباعة المعروفة, ترك الجميع ما في أيديهم ووقفوا يلقون البصر ويرهفون السمع, تعابير وجوههم فيها بِشر عظيم, يليق بأمر جلل على وشك أن يحدث, بعد لحظات, على مدخل السوق بدا نيسان أبو علي قادماً من سفر بعيد, كان مزيناً بأرائل على جنبيه أطولها كان عند منتصف غطاء المكنة, وتفننت قَدَم أبو علي في إخراج صوت الجاز, بينما برعت يده في العزف على بوري تلاتة** وكانت معزوفة تراقصت لها القلوب, و حازت على إعجاب مسامع سوق دنقلا, فانطربت الأشجار وتمايلت, وعوى ثور موثوق إلى شجرة جمِّيز يمتد ظلها ليغطي الجزارة بكاملها, حتى (مريم) بائعة الفسيخ ساهمت بزغرودة شقَّت الضجيج واستقرَّت في الآذان, وانصهر تجار الجملة وبائعي السمك وأصحاب متاجر الملبوسات, يتغزلون في لوري أبوعلي الذي وقف أمام متجر كبير لبيع الآلات الزراعية يفرغ شحنته. في الثالثة ظهراً بدأت الحركة في السوق تسكن شيئاً فشيئاً, كبركة صغيرة فاجأتها شمس الصيف الحارقة, وعند الرابعة عصراً بدا السوق كأنه مهجور منذ سنين …

وسكت عبد الودود.

(الجذر أخضر والغصن يابس)

كان أحدهم يصيح منادياً, فخرجت إليه وناولني مظروفاً وقال: (ده لي عبد الودود, برقية من دنقلا) وحينما ناولت المظروف لعبد الودود وأخبرته بمصدره اختفى فجأة, وإذا برجل آخر, لا أكاد أعرفه يجلس محله, وكدتُ أسأله من أنت إلا أنني تريثتُ ..

قال حاج الصادق: (والله إن عارفين جواب بسوي فيك كده كان جبنالك كل أسبوع واحد!!)

قلت: (بالله الراجل كان زي الشجرة الوحيدة في الخلا, تشوفو كأنو عايش لكين أبداً ما هو حي!)

وضحك عبد الودود!

 

__

* الكداد : نوع من الورق يشبه نبات الخضرة

** بوري تلاتة : أبواق تطلق في النيسانات القديمة .. بها ثلاثة أزرار بثلاثة نغمات

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً