الرئيسية / العدد الخامس والعشرون / حكاية غاسل الصحون المحترم

حكاية غاسل الصحون المحترم

131f94a12450bc3b9dca1565492cea97

أيمن محمد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

” أنا لا أصرخ، الضرب بالسياط يحفز العبيد وحدهم على الصراخ، وأنا لست عبداً لأحد “

قال ذلك ثم مضى في عمله يغسل الصحون دون أن يراوده فتور أو تعب.

ألقى صاحب المطعم العجوز عشرة صحون أخرى داخل الحوض وقال : إعمل أيها العبد ..

قالها مستفزاً، وعندما أحس أن الغضب تملك غاسل الصحون صاح بصوت عال: أنت مدين لي يا وغد، أمك السمينة مدينة لي، والدك المرحوم يدين لي بخمسة آلاف، ثم هرب إلى العالم الآخر دون أن يفي بدينه، أليس لي الحق أن أكره عائلتك ؟

توقف غاسل الصحون قليلاً، وتنهد، نظر إلى صاحب المطعم العجوز بطرف عينه، ثم واصل عمله دون أن يرد . قال صاحب المطعم العجوز: عموماً، لم يتبق لك الكثير لتعمله، كلها خمسمائة جنيهاً ثم أعتقك من هذه العبودية، و ذهب يترنح عبر الباب، وساعتها لاحظ غاسل الصحون أن صاحب المطعم العجوز، يميل في مشيته ناحية اليمين أكثر، هو لا يشبه نفسه من الخلف، يبدو نحيلاً وأكثر وشحوباً، بينما ظلت رقبته تكتنز شيئا كثيراً من اللحم.

قال غاسل الصحون في حنق: تباُ لك، عندما أفرغ من هذا الدين، سأضربك كل يوم على قفاك الممتلئ، وسأتلذذ بذلك الصوت الذي سوف تصدره رقبتك بفعل الضربة.

ومن الخارج، سمع ضحكاً مدوياً وكلمة بذيئة (…) : إفعلها إن استطعت .

كانت أول صفعة تلقاها صاحب المطعم العجوز في يوم ماطر، يوم أن أعتق غاسل الصحون من عبوديته، أعطاه أوراقاً كثيرة كانت أمه قد وقعتها عن أبيه، أغلق المطعم جيداً ثم انصرف تحت المطر، وعندما سمع الصفعة على قفاه خر على الأرض مشدوهاً، وظلت رقبته الممتلئة ترتجف لدقيقة، ثم وقف غاسل الصحون عند رأسه قائلا : أنت لم تر شيئا بعد، كنت تظنني أهذر أو أهذي، لن أدعك، سأنتقم لنفسي، وغداً صفعة أقوى، وذهب بعيداً يتلاشى شيئاً فشيئاً تحت أضواء الإنارة.

وفي كل يوم يحاول فيه صاحب المطعم العجوز النجاة من الصفعة، كان غاسل الصحون يضاعف له العذاب مرتين، ومع صفعة القفا كان يعاجله بركلة على البطن، وعندما استعان صاحب المطعم العجوز برجال الشرطة لحراسته، إستطاع أن يرتاح لمدة ثلاثة أيام، ولكنه في اليوم الرابع تلقى أربعة صفعات قويات، وأربعة ركلات على البطن، وقد كان الأمر محرجاً لعشرة رجال من الشرطة المدربين، يحيطون به كالسوار في المعصم، ذلك دعاهم للشك، كيف لرجل يتوسط عشرة رجال يحرسونه أن يتلقى هذا الكم من الركلات؟ هم لم يروا شيئاً غير أن الرجل وقع على الأرض يتلوى.

لذلك قررت الشرطة أن تسحب رجالها، وأن يدون بلاغاً ضد غاسل الصحون . وعندما عرضت الشرطة غاسل الصحون أمام القاضي، قال القاضي : السيد غاسل الصحون، أنت متهم بصفع وركل السيد صاحب المطعم العجوز، ما قولك؟

قال غاسل الصحون مندهشاً وهو يمسح بضع حبات عرق عن جبهته : كيف؟ أنا لم أصفعه سيدي القاضي، فعلاً أنا توعدته بالصفع، ولكني لم أفعل.

قال القاضي: وكيف تثبت أنك لم تفعل؟

قال غاسل الصحون: يا سيدي القاضي، كيف لي أن أصل إلى رقبته وهي محشورة بين عشرة رجال من الشرطة؟ سيدي هذا الرجل يهذي فقط، لقد حول حياتي إلى جحيم، استعبدني وهدد أمي بالسجن إن لم ندفع المال، ولكني إنسان محترم لا اضرب أحداً على قفاه.

تداول القاضي الأمر بينه وبين نفسه ثم وجه كلاماً للرجل صاحب المطعم : سيدي العزيز، أنت المذنب، ما ذنب غاسل الصحون إن كان ضميرك هو من يضربك على قفاك؟ أنا استغرب كيف لرجل في مثل سنك ومكانتك يرفض أن يتصالح مع ضميره، صدقني حتى وان حكمنا على غاسل الصحون بالموت، ستظل تتلقى الصفعات يوما بيوم، أنصحك أن تزور مستشفى المجانين لأيام.

ثم التفت إلى غاسل الصحون : سيدي إنك لست مذنباً، أنت أكثر غاسلي الصحون الذين قابلتهم إحتراماً، خاصة في السنوات الأخيرة، أنا مندهش حقا، كيف لكلماتك أن تثير هذا الرجل وتدفعه نحو الجنون.

رفعت الجلسة ..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة