عن شوق الدرويش

886

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

* تقول الناقدة الدكتورة منى طلبة : ” إننا نشهد فى الرواية الحديثة ثورة كبيرة على التراث، وأن هناك إعادة لترميز الرمز التراثى، وإعادة تعقيده وإدخاله فى إطار رمزى آخر، يفهمه فهماً ذاتيًا، ولكنه فى ذات الوقت لا يستنفد دلالاته، بل يجعلها كعناصر إبداع أكثر ثراءً ” ، وهذا ما يمكن للمرء إستشعاره جلياً أثناء قراءته ” شوق الدرويش ” لحمور زيادة الصادرة عن دار العين للنشر .

* تدور أحداث الرواية في أواخر القرن الثامن عشر ، وعبر تقنية الفلاش باك وتجاوز الأزمنة يروي لنا حمور أحوال السودان قبيل وأثناء الثورة المهدية ” مع تسمية كل فصل عددياً ، وإلى اقتباسات نصية ذات دلالة للراوي الذي يستحضر في حكيه كل الحكايات القديمة مع انحياز مبدئي لسرد تاريخي محفوظ عن الدولة المهدية. ” ، وبواسطة سرد يستطق ثلاثة أشخاص ” بخيت منديل ، الحسن الجريفاوي ، ثيودورا أو حواء ” يستعين زيادة لصقله بالتناصّ مع نصوص تعبّر عن خلفيتها الثقافية وهمومها الخاصة. فبخيت وحسن تتخلّل سردهما آيات قرآنية وأشعار صوفية، أما ثيودورا فيختلط صوتها بأجزاء من الأسفار.

* بخيت منديل الذي تبدأ الرواية بتحرره من أغلال السجن نكتشف لاحقاً أنه لا يزال يرسف في أغلال عديدة بدءاً من حياة العبودية التي عاشها منذ أن جيء به صغيراً من الجبال القصية في الغرب ، مروراً بتحوله إلى مجاهد يؤمن بالمهدي ورسالته ثم حالة الشك التي إنتباته حيالها ، عطفاً على حبه لثيودورا وسعيه للإنتقام لها بعد أن كرّس لذلك حياته أو ماتبقى له من حياة .

*  رغم الفترة الزمنية التي تعالجها الرواية إلا أننا لا يمكن إعتبار النص تاريخي ناقل للماضي ، بل هو نقد للحاضر كذلك ، ومصادمة مع حالة التطرف إزاء أي معتقد : ” احذر الإيمان يا ولدي، فمنه ما يُهلِك كالكفر” ، فحينما تتقاطع المبادئ مع الرغبات فتنتصر طينية الرغبة على روح المبدأ ، هنا تشرع الأسئلة وتحاكم المسلمات ، وهنا تكمن مهمة الأدب عبر إزعاج الواقع بالتساؤل حول الثوابت وماهية الأشياء وحقيقة المكتوب .

* الحب في ” شوق الدرويش ” بدون نهايات سعيدة ممكنة بدءاً من حب بخيت لثيودورا الغير المتكافئة ، وكذلك عشق يوسف أفندي سعيد، سيد بخيت المصري، لزوجته نفيسة فودة المتعالية ، وحب الحسن الجريفاوي لفاطمة الذي لم يعكر صفوه سوى رغبة الأول في الإلتحاق بجيش المهدي ومن ثم تطليقها ، فهكذا وبدون سذاجة في السرد يقوم حمور بالإقرار بكل هذه المتناقضات دون أن يقوم بتنميطها ؛ فـ” العشق داء في القلوب دفين “. كما تصوّر هذه المقولة الحب على أنه قد يودي بصاحبه إلى الهلاك .

* حمور زيادة يحفر في سرده على الهامش متتبعاً حياة من هم بالأسفل متجاوزاً القادة وساكني القباب والأضرحة الشهيرة بفتوحاتهم وبطولاتهم ، ومنحازاً لمريسيلة وجوهر وفاطمة زوج الحسن الجريفاوي ” وفي هذا تتبع سردي روائي تاريخي لمدارس نشأت لرفع الغبن التاريخي تمثلها مدرسة “التابع” وأبرز مفكريها الأكاديمي الهندي هومي بابا ” .

* “من الصعب أن يقول الكاتب الروائي هذا ما أردت قوله ، فالأدب والفن عموماً عمل رمزي تماماً، فلو كان الكاتب يرغب في قول الأشياء بشكل مباشر لكتب مقالاً أو دراسة ، أريد تقديم حكاية ممتعة .، وأترك تأويل مقاصدها للقراء” ، ربما فكر حمور كثيراً أثناء الكتابة بحالة الإصطفاف ” مع أو ضد ” التي سيواجهها النص ، وأنه من المؤكد لن يقرأ فقط داخل إطار سياقه المكتوب ، وقد تجلى ذلك بوضوح أكثر بعد فوز الرواية بجائزة نجيب محفوظ حيث بدأ الحديث عن أجندة وأيدلوجيات وراء هذا التتويج بسبب ما بدا أنه محاباة وتعاطف من حمور مع الإحتلال المصري للسودان حينها .

* مهما يكن من أمر فإن فوز ” شوق الدرويش ” بجائزة مرموقة كهذه يعود بالفائدة على المنتوج السوداني ككل ، فبعيداً عن الجائزة المادية ستتم ترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية وهذا سيجعل القارئ الأوربي يلفت مجدداً للأدب السوداني في مرحلة ما بعد الطيب صالح .

* لحمور عدة أعمال منها «سيرة أم درمانية»، وهي مجموعة قصصية صدرت عام 2008، ورواية «الكونج» في 2010 و«النوم عند قدمي الجبل» مجموعة قصصية عام 2014 وأخيراً «شوق الدرويش». وهو من مواليد أم درمان، عام 1977،  درس تقنية المعلومات وعلوم الكمبيوتر، وتخرج عام 2002، ثم عمل باحثاً في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ثم عمل في الصحافة السودانية، وهو يقيم في القاهرة منذ عام 2009 .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

اترك تعليقاً