عن مسرح تشيخوف

452556

مأمون الجاك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

ظلت أعمال تشيخوف خالدة لأنها تحدثت عن الإنسان : القصور في النفس الإنسانية وأخطاؤها ، الجوانب السيئة والوضيعة في الإنسان  آلامه وأماله ، إنه ينظر إلى الإنسان كما هو وكذلك يفعل جميع أدباء روسيا لكنه يبتعد عن ثورية مكسيم غوركي وأستاذية تولستوي ، يكتب في هجاء مبطن يناسب كل الأزمان و يلائم جميع القبعات ، ونصوصه قابلة لقراءات متعددة ومختلفة

في مسرحيته ” بستان الكرز ” يخاطب جايف دولابا قديماً مصنوعاً منذ 100 عام فيقول

” أيها الدولاب العزيز الموقر إنني أحيي وجودك ، الذي كان موجهاً منذ أكثر من مائة عام إلى المثل المشرقة للخير والعدالة ، إن دعوتك الصامتة إلى العمل المثمر لم تضعف طوال مائة عام ، وهي تساند الهمة والإيمان بمستقبل أفضل في أجيال عائلتنا ، وتربي فينا مثل الخير والوعي الإجتماعي “

 وأثناء إحدى الإحتفالات المحتفية بتشيخوف حياه أحد الأدباء بنفس الكلمات تقريباً التي حيا بها جايف الدولاب القديم ” أيها العزيز الموقر أنطون تشيخوف .. إنني أحييك ” ، فندت عن وجه تشيخوف ابتسامة ماكرة.

وبإمكاننا نحن الذين رأينا خلود أعمال تشيخوف فعلاً بعد أكثر من مائة عام أن نسقط ذلك الخطاب كاملاً على نصوصه – القصصية والمسرحية – التي تدعو دوماً إلى التغيير – في هدوء وصمت – حتى أن ادواردو غاليانو قال عنه : كتب كمن لا يقول شيئاً وقد قال كل شيء ، إنه يقول للقارئ : هذه هي الحياة القاسية والواقع السيء فماذا أنت فاعل ؟

 مسرحياته التي تبدو لأول وهلة مملة ومضجرة وتخيم في أجوائها الكآبة لكن سرعان ما يتضح عمقها ودلالاتها البعيدة .

ناقداً للحياة الإجتماعية في روسيا الثمانينات من القرن التاسع العشر- الفترة التي شهدت بدايات سقوط طبقة الملاك والأسياد – : حياة الخمول وفتور الهمة ، الضياع والتشتت ، اليأس والقنوط ، التذمر وعدم الرضا بالواقع وعدم القدرة على تغييره في آن واحد ، يهجو الإقطاعيين الكسالى الذين يقضون أيامهم في شرب الشاي وتبادل الأحاديث التافهة والمبتذلة وقشور الثقافة وعدم تأدية أي عمل سوى امتصاص دم الفلاحين السذج بدورهم – الخادم الوفي ككلب لأسياده والذي يتحسر على اليوم الذي شهد إنهاء العبودية وإلغاء القنانة – ، كما يفضح العلاقات الزائفة بين الأصدقاء والكبرياء المدعى للإقطاعيين .

 يهاجم المثقفين الذين لا عمل لهم سوى مضغ الكلام بدون فعل أي شيء ، ” الذين لا يقرأون أي شيء بجدية ، ولا يفعلون شيئا على الإطلاق ، وعن العلم يتحدثون فقط ، ولا يفهمون في الفن إلا القليل ”  يؤكد أن قراءة الكتب الرائعة ليست كافية لكي تصير مثقفاً حقيقياً، يحكي على لسان يبيخيدوف في ” بستان الكرز ” : ” أنا شخص مثقف ، أقرأ شتى الكتب الرائعة ، لكنني لا أستطيع أبداً أن أحدد الإتجاه وما الذي أريده في الواقع ، وهل أعيش أو أنتحر في الواقع ؟

 وعلى لسان تروفيموف بيتيا : ” يبدو أن كل الأحاديث الجيدة عندنا تهدف إلا إلى صرف أنظارنا وأنظار الآخرين “

ما فائدة الثقافة إذا لم تمنحنا الإرادة وذاتية التفكير ، القدرة على تحديد مصيرنا وتبعدنا عن القطيع ، تدفعنا إلى العمل بجد نحو مستقبل أفضل للبشرية … دائماً كانت هناك الشخصية المبشرة بأفكار تشيخوف في الثورة والثقافة ، شخصيات تبين فلسفته في الحياة ك ” تروفيموف بيتيا – بستان الكرز ” ، ” أوستروف – الخال فانيا ” ، ” الطبيب – النورس ” ، لهذه الشخصيات أيضا أخطائها بل وفشلها في تحقيق ما ترنو إليه أحيانا .

السخرية كانت دوماً سلاحه المفضل في  كتاباته ، البناءة والدافعة للتغيير ، رغم أن مسرحياته تميل لكونها درامية أكثر من هزلية ، بل إن ” بستان الكرز ” لا طرافة فيها سوى بعض التصرفات الساذجة من يبيخيدوف والجمل غير المترابطة والمفككة التي يلقيها جايف .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً