الرئيسية / العدد الخامس والعشرون / فانتازيا تنقلات أزمون

فانتازيا تنقلات أزمون

11078204_410180839162637_5515090853933339163_n

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الأمور لا تسير وفق ما هو مخطط له, لا يجد تفسيراً لهذه المعاكسة التي تمارسها ضده الحياة, فقد تحققت نبوءة والده عند ولادته حيث توفيت  أمه, قال أول كلمات يسمعها الصغير: (إنت تعيس, وحتعيش طول عمرك تعيس .. أهي أمك ماتت) ورغم حداثة سنه, فإن هذه الكلمات, وبصورة غامضة, كانت تنمو مع أعضائه, وكلما بلغ مرحلة من الوعي أدرك شيئاً جديداً وشعوراً غريباً. كان تعيساً بصورة مشفقة, وبائساً.  إلى أن بدأ يلاحظ  قبل أيام تلك التغيرات في حواسه.

في البدء ظن أن الأمر لا يعدو كونه من إفرازات الإرهاق الناتج من أعمال البناء الشاقة. ولكن بمرور الأيام أصبح يشعر بأنه يفقد الإحساس بأطرافه, إلى أن أصبح يتحرر كلياً من جسده. وهنا ارتعب لهذا التغير, ولم يفهم ما يجري له. لكنه لم يقرر زيارة الطبيب أبداً, بل لم يفكر في الأمر قط. فما حدث قبل أشهر جعل الكثيرين يتخذون ذات القرار بمقاطعة الطب الحديث, حيث قرر كبير الجراحين بالمدينة إجراء عملية إزالة طحال لمريض بالملاريا, وعندما لم يفلح العلاج, ولم يتحسن المريض؛ قرر عملية أخرى بإزالة البولينا, ثم أزال إحدى الكليتين, ثم بويضة تناسلية واحدة, فمات المريض بعد أربع وعشرين ساعة … واكتفوا بالعلاجات البلدية و الأعشاب والرقى الشرعية.

أما السؤال الذي شغله فهو كيف يتعامل مع هذا الوضع الجديد؟ خاصة أنه لا يشعر بأي آلام جراء ذلك.

بحث عن الإجابة كثيراً, قبل أن يهتدي للإستعانة بـ “الشيخ” فحدثه بأعراضه. ولكن الشيخ لم يجد تكييفاً لحالته غير أنها مسٌ شيطاني. ومن ثم عليه المواظبة على تلاوة القرآن. قال الشيخ ذلك واثقاً مزهواً بإيجاده حلاً للمشكلة, وتظاهر أمام جيرانه بالحكمة. فغضب أزمون وتمنى لو يتحول إلى (طورية), كتلك التي في ناحية الغرفة. فيهوي على رأس هذا الشيخ (كيف يتهمني بمس شيطاني؟ أيراني نجس؟!) هكذا تذمر ساخطاً. ولكنه تفاجأ عندما داهمته الأعراض التي يشكو منها, فتحرر من جسده وتركه ملقياً على الكرسي. انتقل بكل غضبه وتفكيره وذاكرته البشرية ليعيش داخل تلك “الطورية”, ولم يطل التفكير حتى حقق أمنيته على رأس الشيخ, فهوى صريعاً.

لبث ثوانٍ في جسم “الطورية”, ثم انتقل إلى جسده المطمئن, حيث اختفت تعابير الهلع. ترك الجيران حيارى مذهولين في أمر الطورية. خرج إلى الشارع يترقب. أحس أن الأمر يمكن كشفه ولو كان مستحيلاً. قرر ترك المدينة بصحبة بعض الأسئلة الصغيرة بعد أن اكتشف هذه القدرة.

ذهب إلى العاصمة, وهناك راقته الحركة الدائبة, وراقه أكثر أن لا أحد يراقبه كما يفعل أهل مدينته الصغيرة. وعلى الفور شرع في اختبار هذه القدرة. يجلس على كرسيه. ينتقل إلى التلفاز, الأريكة, ثم النافذة, الهاتف. وبحلول الظهيرة من ذلك اليوم, تقمص كل الأشكال التي وقع عليها بصره. بقي لديه سؤال واحد: هل يمكنه تقمص شخصية إنسان آخر؟!

الأمر حقاً معقد. فالجمادات ليست لها أرواح ولا تفكير, وما عليه إلا الإنتقال بحياته إلى أجسامها, وترك جسده. أما الأشخاص البشرية فلهم أرواح وحياة, ويفكرون, وبالتالي عندهم إرادة, فماذا لو قاوم أحدهم؟ وأين ستذهب روحه, وأين سيذهب شعوره؟ لم يكن الأمر يحتاج سوى التجربة. ورغم إحساسه بالخطر, توجه إلى أسفل أحد الكباري, حيث يقطن شاب مشرد. هذا المشرد لم ينتبه حتى لوجود إنسان بقربه. يواصل مضغ قطعة قماش ببطء وتلذذ. عيناه نصف مفتوحتين. جسده مرتخٍ. يتكئ بظهره على عمود إسمنتي. ويمدد ساقيه أمامه.هذا الوضع شجع أزمون فلم يتردد لحظة. إنتقل إلى جسم الشاب. نسي جسده واقفاً. فقد التوازن, فسقط. أصابته تشوهات في مؤخرة الرأس والكتفين. اختبر الأطراف, الصوت, وحتى المشية. عاش حياتين, بعقلين, وقلبين, وذاكرتين بشريتين في جسد واحد. دون مشكلة في التعامل معهما, عندها صاح, دون الإكتراث للمارة:

(( مرحى .. الأمر أشبه بتوصيل جهازي حاسوب عبر شبكة والتعامل معهما عبر شاشة واحدة وجهاز واحد)). عاد إلى جسده. عرج إلى مشفى قريب ليخيط جرح رأسه.

سمع في أخبار العاشرة بقيام مؤتمر على مستوى الوزراء. حدد المكان والزمان بالضبط. قرر الحضور. ليس له هدف محدد, كل ما لديه إحساس المغامرة. فكر في الطريقة المناسبة لفعل ذلك دون أخطاء. مدد بصره خلال النافذة. إلتقط طائراً يغرد في غصن شجرة بالخارج:

(لطالما أردتُ اختبار هذا الشعور. مَن مِن الناس لم يراوده هذا الحلم؟ .. لا احد).

دخل رأس الطائر. حلق عالياً في الهواء:

(كم هو جميل إحساس الهواء بينما يتخلل إبطيك! بل كم هو جميل أن تشعر أنك طائر! أن تكون طائراً خيرٌ من أن تعيش بشراً تحت سجن الضمير).

وصل حيث ينعقد الإجتماع. تحرر من جسد الطائر. تنقل بين كل كراسي القاعة. كان روحاً حرة, لكنه لم يستصحب شعوره الإنساني؛ حتى يشعر مثلما يشعر كرسي. أحس ببغض شديد نحو الأشخاص الجالسين على جسده. تمنى لو أن للكرسي فماً, ليشتمهم ويسبهم. أرهقه العجز:

(لماذا لا أستطيع إيجاد أعضاء جديدة في الأجسام التي أستعمرها؟) ..

وقف أحد الوزراء على المنصة. قفز أزمون إلى مكبر الصوت تحت حنك المتحدث. حضره خاطر (لو أنني يستطيع تكبير كلام غير ما ينطق به هذا الوزير!). شب في هذا الجسد المنتصب. تحدث بلسانه. أبان أن هناك فراغاً وزارياً كبيراً, ولابد من وزارة جديدة. ولما كان لابد من تزكية نصف المجلس زائداً واحد, فقد تنقل في أجساد كل الوزراء. مع المحافظة على ذاكرة كل منهم الخاصة. وترك فيها قناعة بأهمية هذه الوزارة. تمت التزكية. هكذا صار أزمون –في فراشه- وزيراً.

المنصب الجديد استلزم الكثير من الإنضباط. فتكاثرت القيود على موهبته. قدم استقالته للمجلس. أقنعهم بتلك الأسباب مستخدماً قدرته في ذلك. على أن تظل مخصصاته كما هي, من راتب, وحوافز, وإمتيازات تقديرية. في الواقع, كان هو الوحيد القادر على إدارة شؤون الوزارة, مما جعل الإستغناء عنه بالكامل أمراً صعباً. تم تعيين وزيراً آخر بالإنابة تحت إشرافه عند الضرورة. فرغ لاستغلال موهبته كما ينبغي. أسابيع قليلة حتى صار رجل الأعمال الشهير حبيباً لكل الفتيات والنساء في المدينة. يمتلك أكبر سلسلة مطاعم على مستوى القطر .. عرف الحياة بعمق .. عاش أكثر من حياة .. رأى كثيراً, أكثر مما يستطيع شخص طبيعي أن يراه. خمدت جذوة الحياة بداخله؛ فابتأس إلى الحد الذي فكر معه بالإنتحار. هذه الفكرة نفسها, دفعته إلى آخر تجربة: أن يعيش في جسد ميت, ويبعث ذاكرته للحياة. وحينها إنتهى إلى قناعة, بلا فرصة للشك: أن الموت أفضل من الحياة.

ولأنه, في وقتٍ مضى, كان ينفق وقتاً ثميناً بين صفحات الكتب؛ فقد تذكر تلك المتعِ عندما رأى إحدى المكتبات, فعاودته الأسئلة حول الكتابات ومؤلفيها, وفوراً فكر في المعجزة: الولوج إلى عقل الكاتب. استغرقه الأمر أياماً, مقلباً الأفكار والحِيَل, تجاربه كانت على أشخاص حاضرين, والمهم أن أجسادهم موجودة, وهذا هو أساس كل شيء ..

(ماذا عن أجسادٍ أبلتها الأرض حتى قلَّ احتمال وجود رفاتها؟) هكذا قال, ممعناً في متاهات الإحتمال والأمل. ثم أدرك أنه تقدم في اكتشاف موهبته ..

(الروح الحرة لا تعرف الزمن, ويستوي عندها المستقبل والحاضر وبدء الخليقة) .. إرتقى إلى سموات الخيال, ودخل عقل الكاتب, لم يستطع تغيير حرف واحد, لكنه إنتهى إلى قناعة: لا مجال للصدفة والفوضى في الحياة, كل شيء يسير وفق قانون إلهي قدري غامض, يشبه معادلة الوجود التي كاد آينشتاين أن يكتشفها.

وتماهى في دوامة من التأملات:

هل تنبأ كاتب قصة “تحولات بكتور” بقدراتي واستوحى الأمر في قصته؟ .. أعلم أنها ليست صدفة .. إنها قوة عظيمة خفية تداعب بأناملها حركة الكون والناس, تنظمها وتختار لها البداية والنهاية, ولذلك لم تكن علل الفلكيين مقنعة لأسئلتي حول حركة الكون ..

أيما إجابة تولِّد سؤالاً فهي ليست إجابة.

إن الذي يملك الإجابة النهائية هو من افتعل كل هذا, إنه لا شك عظيم, وسوف أسأله بوقار يليق بعظمته, ولكن لو لم يجبني سأضطر لاستخدام قدراتي, فقط لو أعلم أين هو بالضبط! .. لماذا يخفي المعرفة الكاملة عن البشر طالما أنه أعظم منهم على كل حال؟! …

تزامناً مع حمى التفكير, واليأس من الحياة, أحس رجال المدينة بأنهم يفقدون أهميتهم مع مرور الوقت؛ فأجمعوا رأيهم على الكيد بأزمون وقتله. أعدوا العدة, عند التنفيذ: تسللت مجموعة عبر السور الخلفي. دخلت أخرى عبر بوابة الفيلا  كزوار. ولجوا صالة الضيوف, فأهالهم المنظر. بدا عليهم الحنق والضيق, تساءلوا: (لماذا ينتحر إنسان يملك ما يملكه أزمون؟ و بهذه الطريقة البشعة! كيف تحمل شنق نفسه؟). خرجوا يسبون ويلعنون ويتمنون أن يكون من أهل الجحيم.

ما أن تجاوزوا السور خارجين, حتى تحرك الباب نحو الجسد المعلق. وأصبح مقتنعاً بضرورة ترك هذه المدينة ..

بل القطر بأكمله ..

وربما الحياة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً