الرئيسية / العدد الخامس والعشرون / قراءات : في قلبي أنثى عبرية

قراءات : في قلبي أنثى عبرية

20316309

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

يوم ونصف أو يومان تقريبا… وأنهيتها، رواية رائعة.. ناعمة.. شجية.. حزينة.. كغلالة رقيقة وثيرة تمس الروح بشغف, تلامسها فتمنحها الحنان وتشاركها الفكرة ولحظات التأمل.. حتى الحزن من خلالها حزن ناعم يتسلل لقلبك فيجعله أكثر صفاءً ونقاء ..شدتني منذ البداية حتى النهاية.. أثارت شجوني وأفكاري وتساؤلاتي الحائرة..

الغوص في المنطقة الرمادية ملتقى الأديان الثلاثة غوص مرهق ومؤلم.. ونتيجته ليست مضمونة لو لم يكن الكاتب غواصًا ماهرًا ومتمكنًا.. لاختلطت حياة مجموعة من البشر رغم اختلاف مسميات دينهم, واتفاق جوهره.. نعبد رباً واحداً ولكن كل على طريقته… وكل يعتقد أن الرب إله له هو ولأتباع دينه فقط.. اختلفت المسميات والدين واحد والأصل واحد..

عندما قرأت “اللوح الأزرق” لجيلبرت سينويه, لفت انتباهي ذاك التمازج والتماهي بين الديانات الثلاث متمثلاً في شخوص الرواية.. كلما تعمقت بالقراءة كلما تذكرت أنني إنسان فقط..

وهنا في رواية  “في قلبي أنثى عبرية” للدكتورة”خولة حمدي “وجدتني أعترف أنني لست فقط إنسان بل أنثى تحمل عبق تلك الأنثى العبرية بداخلها… تجردت من كل المسميات التي وجدت نفسي محاصرة بها طيلة حياتي, ووجدتني أعيد اكتشاف ذاتي  بصورة أخرى على طريقة هذه الأنثى العبرية.. التي نشأت في أحضان الديانات الثلاث.. حتى اختارت الإسلام في النهاية..

ليست الفكرة في حد ذاتها هي الوصول لاختيار الإسلام والذي إختارته أكثر من شخصية من شخصيات الرواية, بل الفكرة في حد ذاتها هي كيفية وصولها لهذا الطريق في النهاية..

وجدتني وأنا أقرأها أتساءل هل اليهود فقط هم من يحييون بالشتات؟؟ أم نحن جميعًا بصورة أو بأخرى؟؟

أنا كمسلمة من حقي أن أتوقف أمام نفسي وألقي عليها هذا السؤال.. عندما أرى مسلمين يسيئون للإسلام.. عندما أرى مسلمين لمجرد أن بطاقات هوياتهم تقرر هذه الحقيقة؟ عندما يتناسون تعاليم دينهم وينجرفون لإرضاء نوازعهم الشخصية  باسم الدين.. يتساوون في ذلك مع اليهود والمسيحيين  هل يختلف المسلم الذي يبيع بالربا ويغش ويؤذي جاره ويقطع صلة الرحم عن اليهودي الذي يفعل ذلك أو المسيحي؟؟ ودعونا من فكرة الثواب والعقاب الذي بيد الله سبحانه وتعالى في النهاية.. أنا أتحدث عن واقع نحيا فيه ونعيشه كبشر كلنا نخطئ بدرجات متفاوتة وإن كنا نرتكب نفس الحماقات..

الرواية مستوحاة من حياة شخصيات حقيقية من لحم ودم, شخصيات عاشت هذه الحياة وتعرضت لظروف الحرب والاحتلال الإسرائيلي والمقاومة.. اليهود العرب في تونس ولبنان وعلاقاتهم بجيرانهم من المسلمين والمسيحيين..

شخصيات تواقة للمعرفة واكتشاف الحقيقة.. شخصيات متسامحة دينيًا لأقصى درجة وشخصيات أخرى متعنتة لا لشيء إلا لأن المعتقدات والبيئة التي تربت وعاشت فيها فرضت عليها هذا الواقع..

والجميع يلتقي في نقطة واحدة.. التوق إلى اكتشاف الذات وإرضاء العقل والروح..

شخصيات الرواية ليست مثالية, بل هي إنسانية فقط بكل ما تحمله الكلمة من رمز ومعنى وقيمة..

جاكوب اليهودي التونسي, الذي التزم أمام جارته المسلمة قبل وفاتها بتربية إبنتها اليتيمة “ريما “على دينها الإسلام, يصحبها كل أسبوع  للجامع لمتابعة دروسها الدينية.. واعتبرها ابنته الكبرى قبل أن يتزوج من “تانيا ” ويرزقا بسارة وباسكال .وجاره ” سالم ” الذي تزوج بابنة عمه “سونيا,” وانفصلا بعد أن رزقا بفتاتين “ندى ودانا”.. و التي فرت بهما للبنان بعد الطلاق لتتزوج من رجل الدين المسيحي”جورج “وتتربى الفتاتين مع ابنه ميشال على أنهما إخوة وكأنه أباهما.. “ندى “الفتاة اليهودية الملتزمة دينياً والتي تفكر وتحكم على الأمور من منطلق إنسانيتها, هي معتزة بدينها ولكنها تكره الصهيونية.. تتعلق بأحمد الشاب اللبناني بطل المقاومة وتساعده عندما كان مصاباً في عملية من عمليات المقاومة وتخطب له رغم معارضة والدتها التي تكره المسلمين لا لشيء إلا بسبب تجربتها السابقة مع سالم.. أما ريما اليتيمة تترك منزل جاكوب أو “بابا يعقوب”   كما تناديه لأن تانيا زوجته لا ترغب بوجودها بمنزلها مع سارا وباسكال أطفالها لأنها مسلمة ترتدي الحجاب.. يتخلى عنها جاكوب وتسافر إلى لبنان وتقيم لدى أخته راشيل, ويحاول زوج راشيل التعدي عليها ويضربها عندما تقاومه مما يضطر راشيل للتخلي عنها وتركها لدى سونيا ابنة عمها لتلتقي بندى وتحيا معها كشقيقتها, تشاركها الحياة وتعلمها الوضوء وتناقشها في الإسلام الذي ترغب ندى في معرفته حتى تستطيع مواجهة أحمد حبيبها الذي يرغب في أن تكون مسلمة .. وتمضي الحياة بكل ما فيها لتموت ريما في قصف إسرائيلي لمنطقة من منطق الجنوب البناني, وتنهار ندى بسبب الصدمة, وتتصاعد الأحداث في نقطة محورية لتصبح ندى عضو من أعضاء المقاومة اللبنانية.. وينتهي الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني, ويصبح أحمد مفقودًا..

 أربع سنوات كاملة تتغير فيها حياة ندى بالكامل, تقترب من الإسلام كما لم تتصور من قبل، وتصبح مسلمة في لحظة تجد نفسها فيها قد عرفت أخيرًا طريقها وتخلصت من الصراع المستعر بداخلها.. وتتصاعد الأحداث في تطورات كثيرة مؤلمة لتصل بندى إلى تونس لتقيم في منزل جاكوب, بحجرة ريما القديمة.. تشاركهم الحياة وتشارك سارا الطفلة العبقرية الحديث عن الإسلام تشرح لها ما غمض عليه, لتصبح سارا مسلمة, وتعود ندى للبنان ثانية للقاء والدتها المريضة التي لم تقبل إسلامها يومًا ولفظتها بسبب فعلتها تلك .. ولكنها مع الوقت تتغير تكف عن العناد وتحاول أن تفهم الإسلام لتصبح مسلمة بالنهاية, ليس هذا فحسب بل تتحول أسرة جاكوب كلها إلى إعتناق الدين الإسلامي.. حتى زوجته تانيا اليهودية التي رفضت بقاء ريما الفتاة المسلمة في منزلها يومًا حتى لا تسبب بلبلة في حياة أطفالها..

ومن المفارقات التي قصدتها المؤلفة أن تجعل أحمد في سنوات إختفائه يعيش كمسيحي الديانة ويعود وهو فاقد الذاكرة,  يصلي بالكنيسة ويرتدي صليباً فضياً في عنقه.. أحمد الذي كان سبباً مباشرًا في إسلام ندى اليهودية الأصل.. مفارقة ساخرة وفاصلة تضعنا جميعاً أمام أنفسنا لنتساءل ماذا يعني الشتات حقا؟؟

الحوارات في الرواية ممتعة وشيقة رغم جدية وحساسية الموضوعات التي طرحتها حول الأديان و المقارنات بينها, ومكانة المرأة بين اليهودية والإسلام والصراعات التي فجرتها من خلال شخصيات الرواية  إلا أن عذوبة الأسلوب وسلاسته تجعل القارئ يسترسل في القراءة تتحرك مشاعره ويعمل عقله, يفكر يسأل نفسه و يجيب على تساؤلاته ..

من يقرأ الراوية سيشعر أنه تناول وجبة عقلية وروحانية مشبعة, سيشعر بالرضا بين القلب والعقل.. بين الفكرة وبين المشاعر.. الحب يطل من بين السطور وبين ثنايا الحروف والكلمات..

الله يدبر أمر عباده, ويمنحهم ما هم ميسرون له, وما خلقوا لأجله..

رواية إنسانية من الطراز الأول..

رواية نسائية بقلم أنثى.. بروح أنثى.. بقلب أنثى عبرية.. عربية، سعيدة جداً لأنني قرأت لهذه الكاتبة المتميزة فعلا… سعيدة أكثر لأنني أنثى.. ربما تحمل في قلبها قلب أنثى عبرية ، على اعتبار رمزية العبرية هنا وما تعنيه من حيرة وتردد وشك ورغبة في الوصول إلى الحقيقة..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً