قليلة أدب

سانديوس

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 صديقتي جميلة ومثقفة ومُنفتحة على العالم ، تلتهم صفحات الكُتب بنهم تناول اطْفال المدارس للشُوكولاتة ، تجيد فنّ الرقْص حين تغْلق على نفسها باب غُرفتها الضيّقة المزُدحمة بأرفف الكُتب واللوحات التشكيلية ، تتذوق الموسيقى وكل أصناف الأدب ، أهديها كتاب في يوم مولدها لترد بمقطوعة نادرة لبتهوفن.

 دعتني في يوم لتُسمعني قصائد جديدة نظمتها موخراً ، هي مُبدعة ، تجيد نُظم الشِعر بلغة رفيعة وطريقة متفردة ، كنت أسمعُها بلا ملل. ورغم أني لست ميالٌ لفن الشعر، إلا أنها كانت تثق في ذائقتي الشعرية ، تقول أني اسمعها جيداً. التقينا- كما أعتدنا دائماً- عند الطريق الترابي المؤدي لشاطي النيل، كانت ترتدي فستانأ مُلوناً مثل ذاك الذى ترتديه الفنانات العربيات في المهرجانات الغنائية والسينمائية، تضع عطْراً جميلاً وتُغطي راسها بخِمار ذهبي اللون مائل للصفرة كما لون حقيبتها وحذاءها الجلدي، كنت أراها أنيقة دائماً ، لو لم يرتدي شقيقي الأصغر قميصي الأبيض المخطط بالأسود لنافستها في الأناقة ، رغم أن قميصي البني الغامق ليس بذاك السوء إلا أنه من المؤكد أن الأبيض المخطط بالأسود اكثر تماشياً مع البنطال الأسود والحذاء الأسود اللامع.

  سرنا نتجاذب أطراف الحديث عن حالي وحالها، قالت، أنها ومنذ صباح اليوم تحنّ لطفولتها تفتقد ذكاءها المتقد وحب الإستطلاع والبحث داخل كل شئ غريب، تحس بأنها غبية كما لم تحس من قبل.

قلت لها :

 بل أن عالمنا يحتاج أن يعود كثير من رجاله الى طفولتهم حتى تستقيم الأمور .

ردت :

وبالاخص أن يعودوا الى تلك المرحلة التى تسبق المدرسة ، فالأطفال عندنا يولدون أذكياء الى أن يُدخلوا المدرسة ثم تبدأ رحلة الإستغباء والتي تنتهي بهم رجالاً .

ضحكت وقلت :

 وهذا يفسر كيف أننا نملك الكثير من الأطفال الأذكياء ورغم ذلك فان كل كبارنا اغبياء جداً، فلنقل اغلبهم.

ردت :

 اتدري ، لو كان الكبار الذين يديرون أمورنا الآن يملكون بعض طفولة لإستقامت كل الأمور ، دعك من براءة ونقاء الطفولة التي لا تحتمل إحداث أذى بالآخرين ، الطفل يظل يسأل عن الله، أين يوجد ، ولماذا يترك الشيطان ليخدعنا ، وهل هو أقوى من بابا ، ولماذا لا يظهر للعلن يظل يتساءل عن كل شئ يبدو غريباً عنه.

قاطعتها :

عن نفسي ظللت أتساءل عند طفولتي ، لماذا أخذ الله جدي- كما قالت أمي حينها- الذي كنا نحبه كثيراً، الحقيقة أنا لا زلت أتساءل رغم أني كبرت وعلمت أن كل نفس ذائقة الموت لا محال ، فجدي كان مختلفاً ، بشوشاً ونقياً يشبه الملائكة أو أحد الأنبياء ، على الأقل هو لم يكن مثل جد الأطفال الذين كانوا يسكنون قربنا، هذا كان دائم السُكر يجلس على كرسي قديم أمام بيته وكلما أقترب منه طفل ضربه بعصاه المعقوفة أو أسمعه نابي القول ثم شكاه لوالده – حين يمر- بتهم ملفقة ومكررة ، وكما تعلمين فإن الكبار عندنا لا يكذبون أبدا، ورغماً عن ذلك فهو لم يمت ألا قبل عامين إثنين فقطِ .

تبتسم :

ربما ذهب جدك الى حيث ينبغي أن يكون ، ألم تقل بأنه كان يشبه الانبياء؟

تواصل ما أبتدرته من قول قبل مقاطعتي لها :

 الطفل يكبر رويداً ويتم تعليمه أن الله هو الحب ، وأن الله هو السلام ثم حين يشب رجلاً تمتلى كل غرفة من غرف قلبه بالبغض والكراهية ، يتم إقناعه بأن قتل الأخر يمكن أن يرضي الله دون أن يترك لنفسه مجالاً ليتساءل، لماذا نكره إذا كنا نعبد إلهاً محباً ؟ لماذا نقتل إذا كان ألهنا هو السلام؟

اومأت براسي موافقاً :

ربما لو كانوا أطفالا لتساءلوا … ربما..

توقفنا قليلاً عند الخالة مريم بائعة شاي لا تفارق الإبتسامة وجهها، تحتمي بظل شجيرة صغيرة لتجمع ما تيسر من رزق ، طلبت هي كوب من القهوة الخالي من السكر، وطلبت أنا كوب من الشاي السادة ، مشينا ناحية الشاطي كل يحمل كوب كيفه وأبتعدنا بمحاذاة النيل، قالت إنها تفضل أن تقرأ نظمها في هدوء النيل وبحضوري أنا وحدي، وربما لن تزعجها زقزقات العصافير التى تتخذ من أغصان شجيرات الشاطي مسكناً لها. خطونا مبتعدين عن تلك التجمعات التى تتخذ من الشاطئ ساحة للسمر نهاية الإسبوع وحين لم نعد نرى أحداً جلسنا نفترش حبيبات الرمل الباردة المبتلة بفعل مد النيل، جلست هي قبالة النيل وجلست أنا قبالتها أترقب فيض شعرها بتوق. بدأت تقرأ من الشعر أعذبه كما أعتدت منها.

 قلت لها :

 إن الجميلات لا يجدن إلقاء الشِعر إلاكِ وشاعرة كانت تطل على التلفاز إسبوعياً، وأردفتُ مداعباً :

 إن شاعرة التلفاز بالإضافة لإلقاء الشِعر فهي تجيد القاء الشعَر.لتبتسم وترد:

 أنها – أي شاعرة التلفاز- ليست بذلك الجمال الذي تقول، ولكنه حالكم – يا رجال- يزداد إعجابكم بالفتاة كلما أزداد ما تبرز من مفاتن ، على كل فإن ما يبرز من شعَرها ما هو ألا وصلات شعَر غير طبيعي.

  ثم تضيف بسخرية بانت على وجهها :

 ورغم ذلك فأن شِعرها ليس بذلك السوء

 صديقتي أنثى، ويستحيل أن تمدح أنثى أنثى أخرى .

أسمعتني قصيدة عن الحب فأحببت الحب أكثر،  وأخرى عن الغياب غبت فيها بين مفرداتها المنتقاة بدقة وذوق شعري عالى ، وثالثة عن الحرية إقتربت فيها من أن أطير لو لم تطلق شهقة نهاية أبياتها ، ثم بدأت تقرأ قصيدة رابعة قالت أنها عن الإغتراب، الإغتراب عن الذات ، أرخيت أذني لأغترب في ثنايا قصيدتها. وبدون سابق إنذار توقف فوقنا شرطي بائس الوجه، أمرنا بأن نتوقف.

 قال : هم أنتما زوجان؟.

قلت : نحن مجرد أصدقاء.

قال: اذاً فلتذهبا معي ، إن خلوتكما غير شرعية .

قلت : بل هي مجرد خلوة شِعرية.

صديقتي التى دائماً ما تعامل الأخرين بأدب ، تتكلم بأدب وتمشي بأدب وتجيد نظم الشعر في الأدب ، حاولت أن تتفوه بكلمات تدافع بها عن نفسها الا أن الشرطي صفعها على خدها قائلاً :

فلتصمتي يا قليلة الأدب !

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً