لافتات (4)

9_4_0

أيمن هاشم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

صدى صوته المبحوح  يرتد من خلال الحوائط الإسمنتية ومخازن العيش :” ورنيش ..ورنيش …” والكشكوش في يده  معزوفة لا تحتمل التوقف ، آملاً في فكة أو قريشات ، ابتسامته الطفولية  تضفي رونقاً على حضوره ، يضع في فمه عود كبريت  يدل على قدرته على الاشتعال في مجتمع تراخت فيه أعصاب العطف الإنساني بروداً،  يحمل في يده الأخرى فرشاةً ذات شعيرات متساوية ، لم توحي له قط بالمساواة.

يلمحونه بالكاد ، فنظراتهم المهملة قيح تفجر فاتسخت به جلابيبهم بشكل غير مرئي، يفتح علبة الورنيش ماسحاً تاريخاً خطاه أحدهم ،تطهيراً للخطاوي في مدينة الأزقة المظلمة .

جلست روحه على أرصفة التعب  مقعداً للجوع ، كانت الشمس في أكثر شهور الصيف حرارة ، تُبعد كل تعاطف للغيم والإسفلت، ممرراً نظراته الحزينة ، تذكر كلمات جدته ، دعاء بالرطانة ولكن السماء لا تجيب ،ربما تختزن بعض التفاصيل كما تسربت بين فراغات الانترلوك قطرات عرق ، محمل بروائح المعاناة، واستطال الجوع أميالاً والأشعة العمودية هزمت كل امتدادات الظل .

سؤال مباح من الإحتجاج الطفولي …”اشمعنا نحنا وليش اي نحنا الحرامية ولا البدسو العيش …”.

قطعة قماش معلقة على عمود الكهرباء كدعاية إنتخابية لحملة مرشح اتخذت “الميزان ” رمزاً لها ،و لسخرية القدر !!!…بمنطق الحاجة اقتطع جزءاً منها ، لتتعرى تلكم الشعارات وتبقى الحقيقة لغة الشوارع  وأصابع السلسيون اعتصرها ألماً يوازي جوعه ..

أين أنت راحل ،ألا إن ريح الصبر أقوى من نداءات الرحيل …فخفف خطوك ….

 2

 المطر يتساقط على سقف الزنكي، كصوت قلبه الذي ينبض بسرعة و بخوف ،وهو يعدو ممسكاً بالدرداقة…فتتطاير قطرات الماء و أشياء أخرى، بزي مدرسته الأخضر أو بصورة أدق مدرسة الجزيرة ، الزي لم يشفع له كما سبق لإخوة يوسف ، وتتمازج الصورة مرة أخرى ، يوسف البكر ولادته كانت محاولة لتكرار أخطاء المدينة التي شوهت كروموسات الغلابة .

العيد إقترب ومحاولات طلاب الجامعة للخروج والمظاهرات و محاولات إسكاتهم تبوء بالفشل ،الحل هو إخلاء السوق من الباعة المتجولين أو إبعاد ذلك البنزين للحيلولة دون إشتعال يهدد أمن الولاية .

كان يوسف قد قميصه من دبر، تختلف الرواية هنا فقد راودته البلدية يوما ما و نجا ،وتمتد أقدام الوهم الكاذبة لتقود خياله إلى تساؤلات مشروعة، قسط المدرسة وحق البوهية للسراير أو هي كسوة إخوته الذين بلغ به الهم مراحل فمنذ موت أبيه أصبح كهلاً، وقف في السوق كطائر يراقب الموقف وأمامه الدرداقة (عربة الفاكهة) بطوله الفارع  بدأت تمطر ، بوكسي البلدية (تاتشر البوليس) ومحاولة للهرب تفشل ، تعقبها ضربة خرطوش، يمسك الشرطي العربة  بقوة ويتساقط الليمون وعليه قطرات الدعاء والاستعطاف .

 سقطت عربة الفاكهة في تونس فأسقطت عرشاً، يوسف يا كم من نفر ….

 3

في زمن ما – إختفت فيه الساحرات من حكايا الأطفال – بعد ليلة شتاء طويلة إستيقظ الأطفال البائيسين , متثاقلين في رفع رؤوسهم , و ترتيب فراشهم

الصغير ذو اليدين المتسختين  كان قد فرغ للتو من بناء قلعته الضخمة , العقاب المحتمل له أن يغسل يديه بالماء البارد , لم يكترث للأمر , فالتنانين التي يربيها ستشعل كل القدور ,وتجلب الدفء .

قبل الإفطار ثنى معصميه الصغيرين و تلا صلاة الشكر , لم تزعجه تكتكة الساعة , فهذه المرة الأولى التي يتناول فيها اللحم المقدد .!

طالما ظن أنه عاش ثلاثة حيوات بكاملها , في إحداها كان ثائراً :

” للمرة الثانية تتكرر أغنية ليحيا العالم – التي يرددها الثوار – الذين يقاتلون على الجبهة , لرفع الروح المعنوية ، العدو إخترق التحصينات الأمنية , الخنادق التي تستوعب مئات المقاتلين من الفرقة السابعة بعد المائة , تتعرض للإبادة – كرر حامل اللاسلكي – الذي كان يحتمي خلف كيس الرمل , مكررا – حول .

كأي ثائر أخرق كان يفاخر ببطشه بالعدو , و الندوب التي إحتملها ذلك المتهور كانت أشبه بكراسة رسم على جسده  تمنحه مزيداً من الزهو , القلادة ذات النهاية الدائرية كانت تحمل صورة أمه , التي فقدها في الحرب ,منذ ذاك الحين لم يسمع قصص ما قبل النوم , عن الساحرات .

في الحياة الأخرى – كان جندياً :

” الكتيبة ذاتها التي أقسمت على الولاء لحماية الملك أُبيدت بالكامل فيما سيعرف بعد ذلك , بأحداث الجرف الصامد . التل المواجه للمدينة التي إستباحها الجيش ,التي رُفع على ساحة برلمانها علم النصر , منبهاً سكان المدينة الحذر , و تسليم أسلحتهم , معلناً سقوط النظام السابق . و مقتل مشعوذات القصر .

وفي الحياة الثالثة  – كان الصبي الصغير هو من يمسك بيدي:  الثائر , و الجندي .. لكنه كان ينفلت من يدي أمه التي كانت تنزف …

 

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

أضف تعليقاً