للألم شيخة !

كوثر

كوثر عبد الله :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

هرم الليل ، والنوم كدأبه جافى اجفاني ، أشعر بثقل شديد في رأسي حتى أخمص قدماي وأحس بسريري يغوص بي إلى باطن الأرض ، أفتح فمي علني أجتذب نسمة هواء ، أيأس من فرط المحاولة والتكرار ؛ حينها أجرجر أقدامآ متثاقلة الى البراح .

أرى بيوت قريتي ترزخ تحت وطأة ظلام بهيم والكون ساكن إلا من نجيمات باهتة تمور في دينمائية دائبة في الأفق ، أظنها – مثلي- أرقها شأن الوجود والموت والحلقة المفقودة بينهما ، وهي تتجادل في صخب يكاد يتسرب الى أعماقي أنبس بحماس ، غير أني اتحسس إلتصاق قدماي بالأرض، حينها أسحب قيثارتي أجرها خلفي وأتسلل بخطوات مجهدة إلى البحر، أستلقي وأغمر جسدي في مائه ، أمواجه تلفظ رأسي خارجه ، أقول له :

– إحتضني بقوة أريد أن أسافر معك ولا أعود !

يقول :

– لا

أسأله :

– ما باله النوم يبسط سخائه للكل ويعوزني ؟

– هذا ما تظنينه ، مثلك كثر

– يا بحر من وهبته حياتي تركني ليأخذني الألم

– غدآ سيتركك الهواء ليأخذك الموت.

– مالي وللموت .. مالي وللحياة

أكره الاخيرة وأشمئز من الأولى !

قال البحر:

– قديمآ قيل ان ملك فارس قال إن تكلمت بالكلمة ملكتني وإن أمسكتها ملكتها

– برأيك يا بحر أهو القدر أم الشيطان الذي فرق بيننا ؟

– وما الفرق بينهما ؟

– قبله كنت أؤمن بكل ما يجب أن اؤمن به أما الآن لا أؤمن بشيء

يطلق البحر ضحكة ساخرة ويقول لي :

– أما سمعت قول نازك الملائكة : مثلي العليا وحلمي وسمائي كلها أوهام قلب شاعري ثم يقول :

– حسبك هذا ، أذهبي يا عزيزتي الأ ترين إلتماع نواجذ الفجر وقديمآ سمعتك تقولين إنك تخافينه .

ويأتي الفجر ليأخذني البكاء ، يمعن الحزن في عنفوانه يضع روحي في قبضته الكبيرة ويضغطها بإستمرار كمن يمسك كرة بلاستيكية صغيرة لتنفيس توتره ، ثم يضعها في فمه الفج ويهرسها باضراسه الحادة ، يمجها فتسقط ، يركلها فتعود ليعاود هو فعلته المحببة وعندما يعلو صوت نحيبي تجتاح والدتي غرفتي لتقول :

انت حتمآ جننت ، سأستدعي اليوم الشيخة ” حسنه ” لا تجادليني إنتهى الأمر

ياللهول شيخه حسنه كم امقت هذه المرأة ، لا أحب مجالستها أو الإستماع الى هرائها ، أشم فيها رائحة نتنة ، تحرض على القيء ، ليست هي  فقط بل كل من إمتهن مهنتها ، أسمع جلبة في فناء منزلنا ؛ حضرت الشيخة .

تقول بصوتها الأجش :

– نعم يا فاطمة ابنتك ” فدوى ” دي عندها ريح أحمر وجماعة مسيطرين عليها وما بخلوها الا نعمل ليها قعدة

– والمطلوب شنو للقعده دي؟

– تجيبي بخور”جاولي” و”عدني” وتشتري ليها جلباب أحمر ووشاح أحمر وحذاء بكعب عالي أحمر وتجيبي طبل وتنادي صاحباتك المقربات البتوثقي فيهم أو ممكن أنا أجيب نسوان بعرفهم ممتمرسات علي الشغله دي .. ايواااا قربت انسى ، ما تنسي تجيبي “ديك” أبيض.

” اللعنة لمة حريم وطبل ما عارفيني بتوتر من الإزعاج “

– والديك دا لشنو كمان ؟ ولي أبيض بالذات؟

سألتها امي.

– عشان نضبحو ونقدم دمو وأبيض عشان يقبلو ويستجيبو يطلعو منها بسرعة ، انتي ما عاوزه بتك تطيب بسرعة ، آي صحي سمعت جاها عريس بس لي رفضتو؟

– اسكتي يابت أمي هو خلاها ما رفضتو هي يايمه حبتو حب حماها الأكل والشراب

” تبآ كمان حتي خصوصياتي بتتناقشن فيها بعدين انا عندي فوبيا من الدم “

واجتمعت النسوة وأجلسنني في منتصف الحلقة ووضعن الوشاح الأحمر في وجهي  وأشعلن البخور حتى كدت أن أختنق بدخانه وقرعن الطبل وزغردن وشرعن في الغناء :

” لوله يا لوله يا لوليه بسحروك يا لوله الحبشيه “

ورقصن بطريقة متعطش للرقص ؛ جثون علي ركبهن ، وشرعن في هز اكتافهن وأوساطهن تكاد وجوههن أن تعانق الأرض ويرفعنها بدراية وتمرس ونشاط ، ثم ينهضن ويتلفتن يمنة ويسرة بسرعة جنونية والطبول لا تزال بأيديهن والشيخة تحفز فيهن بقولها :

(ها ها ها)

ملوحة بيد واليد الأخرى فيها  “الديك” المزعور ثم إستلت سكين صغيرة والديك يرفس بين يديها وهي تحكم إمساكه ، قبل أن تذبحه فوق رأسي

ذبحته وتراءت لي صورة ذبح قلبي بتلك المدية الصدئة التي انغرزت فيه من الخلف ، وأحسست بطعم الدم في حلقي وإهتجت وأخذت أصرخ وأشد شعري وأبكي بصورة هستيرية ، والشيخة حسنة تصيح :

“أبشر يابشير انت بس اطلع منها والباقي .. “

صرخت فيهن بغضب حسبكن ، يكفيكن هذا ونفضت الوشاح الأحمر والحذاء وخرجت من مجلسهن ، أوصدت باب غرفتي خلفي وأنا أشعر بضيق في صدري ، أظنها ” ذبحة صدرية ” ورأيت طيف الموت الأسود يحلق في رأسي .

وتساءلت أيوجد من يستحق الموت من أجله وجاءتني الاجابة : لا

إذاً لابد من النهوض من حضيض الألم.

أيها المغتبط بما آل إليه حالي فكرة بقاء الحب كانت فكرتك أنت ورغبة بقاءه كانت رغبتي ، وكما تموت الأفكار ….. تموت الرغبات

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً