نبي الغرفة 13

10347177_401972839983437_454434340194759691_n

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كانت نافذة تحفُها ستائر بالية مفتوحة على شرفة ذات سور حديدي بطول الخصر ، تُطِلُ بدورها على قطعة أرض في طور البناء تم استغلالها كتجمع لبائعي الفحم ، يمكنك طوال النهار سماع هدير محركات سيارات الشحن ممتزجة مع غناء العمال الذين يقيمون بتفريغها ، في الداخل هنالك سريران بائسان ، تفصل بينهما طاولة بأربعة قوائم ، يسترها غطاء عليه رسم فتاة تسكب العسل من إحدى الجِرار يخيل إليك وكأنها تدلقه على الكتب والصحف وقصاصات الأوراق المتناثرة عليها  ، يتوسط أحد الجدران خزانة متهالكة بساق خشبية ناقصة وضع بدلاً عنها ثلاثة أحجار ، تعلوها ساعة حائط كلاسيكية القِدم تبدو لوهلة كنيشان عسكري لقائد سابق .

في اليوم الأول الذي وصلت فيه استقبلني بهدوء ثم عاد للجلوس على سريره ، لم يكن في شكله ما يلفت الانتباه عدا أنه أقرب للقصر منه للطول ، كان أسمر البشرة ووجهه مليء بالأخاديد التي لم أستبن الحكمة المدفونة فيها لفرط ارتباكي المعتاد من الأماكن الجديدة … أثناء ترتيبي لأغراضي والتي كان أغلبها عبارة عن كتب ودفاتر ، قلت لنفسي أتمنى ألا يكون من أولئك العُجُز الثرثارين الذين يمطرونك بوابلٍ من القصص عن حياتهم الفانية ، فكل ما أنشده هنا الهدوء ولا شيء غيره ، لكن ما حدث بعد ذلك قد بيّن أنني كنت على خطأ ، فقد انزلقت إحدى الحقائب من يدي وسقطت على الأرض ثم تدحرجت منها أسطوانة قديمة لمرسيديس سوسا حتى وصلت بالقرب من قدميه ، رفعها ثم نفض عنها الغبار وأعادها لي ، شكرته مبتسما :

– إنها مغنية أجنبية ليست معروفة

فرد بسرعة :

– حتى الأنبياء لا يعرفهم الجميع لكنهم يبقون عند الله أنبياء

أدهشني رده لكنني قلت ببرود :

– هل تعرفها ؟

– كنت أستمع لها من مسافة كالتي تفصل بيننا الآن

ألجمتني المفاجأة فقلت :

– عشت في الأرجنتين ؟

نهض من سريره وبدأ يساعدني في ترتيب الفوضى التي جلبتها معي ، لم يتحدث فظننت أنني كنت فظاً معه ،ساءني هذا خصوصاً أنه لقاءنا الأول ، وبينما أنا منهمك في تأنيب نفسي قال :

– ذهبت إليها خلف امرأة !

نظرت إليه متعجباً فأردف دون أن يلتفت إلي :

– امرأة شاهدتها في أسبانيا.. سافرت إلى هنالك من أجل بطولة كأس العالم ، كنت شاباً غِرّاً وحدث أن كنا مجموعة من الأشخاص ، تجّمعنا في واحدة من الساحات المخصصة للمشجعين ، وبدأنا نتجادل حول حظوظ المنتخبات المرشحة .. أذكر أنها كانت متحمسة لمنتخبها الأرجنتيني حامل اللقب ، والذي رأينا جميعاً أنه فريق متهالك ما كان سيحصل على الكأس الماضية لولا أنها أقيمت على أرضه ، لا أنسى حتى الآن نظرتها الواثقة وهي تقول أراهن بفوز الأرجنتين ، قلت لها ساخراً لو حدث هذا سأذهب خلفك حتى بيونيس آيرس كأول مؤمن بنبؤتك ، ضحكنا جميعاً وضحكت هي أيضا

أكملنا ترتيب الأغراض وجلست على سريري بينما خرج هو لجلب ما يكرمني به بعد أن أصر على ذلك معتبراً أنني ضيفه اليوم ، ثم عاد بعدها بكوبين من القهوة تسبقه عبر الممر إلى الغرفة رائحة البن المنعشة قبل أن يكمل  :

– طبعا لم تفز الأرجنتين ، لقد كانت نبؤتها سابقة لأوانها بأربعة أعوام ، لكنني ذهبت خلفها مؤمناً بها هي لا النبوءة ، وهناك رأيت أناساً يحبون الجميع لكنهم لا يثقون إلا بمن يجيد الغناء ، فقامت بتدريبي عليه رغم صوتي الأجش والذي كانت تقول عنه حين تيأس مني أنه لا يصلح إلا لتلاوة صلوات تأبين الجنائز ، وعلمتني الرقص أيضاً لأنهم يقولون إذا أحببت امرأة من هنا فيجب أن تراقصها ، من لا يعرف الرقص لا يعرف الحب ، ولأنها مهووسة بمرسيديس سوسا فقد أخذتني لجميع حفلاتها ، كنا نجلس غالباً في أقرب مكان من المنصة ، وحين عدت من هناك بعد عام واحد كان أجمل ما عشته لم آخذ معي شيئاً سوى أسطوانات سوسا وقميصاً لمن حقق نبوءتها بعد أربعة أعوام ؛ دييغو مارادونا .

بالنسبة لرجل مثلي ممسوس بالشك في الناس ما كانت قصة كهذه في ظرف كهذا أن تعنيني هي ولا صاحبها ، لكن كان في الرجل الذي يتحدث بطريقة تبرز فيها وجنتاه لتزيد من غور عينيه الغائرتين أصلاً شيء مختلف ، أيقنت حينها أنني سأقضي في هذه الغرفة السابعة إلى اليسار والتي تحمل الرقم 13 ، في هذا الفندق البائس .. أياماً لن أنساها .

**

” مادمت قد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم فهي خراب أينما حللت ” تطوقني مقولة كافافي كما تطوق الإسورة المعصم ، وتعيدني لتلك الليلة في القرية ، حيث كان أبي جالساً يداعب سبحته ويتلو أوراده بعد صلاة العشاء  بينما يتراقص ضوء القنديل على أنغام الريح فتبدو الظلال على الحائط كأشباح مخيفة

– خلاص مسافر ؟!

مؤكد أن أبي لاحظي فتور همتي كلما تعلق الأمر بالعمل في الأرض لذا لم أتفاجأ من نبرة السخرية الواضحة في حديثه ، حاولت إعفاء نفسي من حرج الموقف فهززت رأسي مؤكداً ، وأستدرت للخروج بعد أن قبلت رأسه دون أن أحدق في عينيه ، فقد كانت تحمل في نظراتها العميقة ما يغريك بالعودة ، وحدها دموع ” زهرة ” من كانت تمزقني .

**

كنتُ خارجاً من كتابة راويتي الأولى والتي لم تحقق أي نجاح يذكر ، ومشروخاً بخسارة عاطفية حاولت إقناع نفسي مراراً أن كلانا فيها كان ضحية للوقت والمجتمع والمال ، وكان هو في فترة نقاهة بعد وعكة ألمت به ، وبعض المشاكل الأسرية حسب ما عرفت منه بعد ذلك ؛ لذا أثر أن يبتعد عن الجميع

كنّا متشابهين في كل شيء بدءاً من كثرة التذمر والسهر وقلة الصحة والصبر وانتهاءً بالتدخين الشره ، بينما اختلفنا في  أمر واحد وهو الكتابة ، فرغم كونه قارئاً نهماً لم أرى مثله أبداً ، إلا أنه لم يكتب يوماً حرفاً واحداً ،  وتلك واحدة من أسراره التي لم أجد لها تفسيراً حتى الآن ، وعبثاً حاولت سبر غور هذا السر ، وذات مرة قلت له :

– إنك تبدو بفعلتك هذه كنبي لم يبلغ رسالته

لكنه رد علي بسخرية أصبحت لاحقاً أُحبها فيه :

–  لو كان عندي ما يجب تبليغه لأحد لما فعلت ؛ لأنني أخاف أن يطردني قومي أو يصلبونني أو يتركونني وحيداً أقاتل العدو ؛ كما أنني منذ أن وعيت كنت رجلاً بمآرب أخرى .. لذا فالنبوة والكتابة مني براء

وحين تلوح له بوادر الأسى التي تعتريني جراء هذه الردود ينهي حوارنا بطريقة ودودة :

 – يكفيني أن تؤمن بي أنت على الأقل ، فربما تكتب عني رواية في يوم ما

ثم يغمزني بطريقة مشاغبة :

– أم أنك مثلي ليس لديك ما تقوله أيها العاشق ؟

– لدي الكثير لأقوله ، منذ سنوات وأنا أرفع يدي بكل تهذيب كطالب نجيب ، لكن هذا الكون لا يمنحني فرصة

يجيبني ضاحكاً :

– أنت تذكرني بطريقة ما بصديق لي مصاب في وطنه الذي قسمته قذارات السياسة إلى شطرين ، ضاع بينهما اسم الوطن ، فأصبح منذ ذلك الحين يضع اسماً للقصة التي يود كتابتها قبل أن يخط فيها جملة واحدة ، كان يقول أنه إن لم يسمي لها عنواناً فإنها ستكون ذات هوية مفقودة تماماً كوطنه ، أما الأغرب فإنه ظل يكتب شيئاً جيداً فعلاً ومتناسقاً مع العنوان ، وها أنت الآن مثله تبيع فراء الدب قبل اصطياده .

**

في الغالب كانت أيامنا تسير بترتيب ثابت ، حيث أخرج صباحاً متسكعاً من مقهى لأخر حاملاً كتبي وقصاصاتي أو مواعداً أحد الصحفيين لإجراء حوار سخيف وفي المساء أقابل بعض المنبوذين في الأرض كما كان يسمينا صديقنا الناقم على كل شيء ، وحين أعود إليه مساءً أجده نائماً وعلى صدره كتاب حيث يحب أن يقرأ بهذه الطريقة ، يوقظه دخولي المزعج عادة فنتبادل أحاديث موجزة باهتة قبل أن يلج كلٌ منا إلى عالمه الخاص والذي لا يخرجنا منه إلا اتساع رقعة خيوط الأرق حول ليلتنا فيقول لي حينها :

– لنعد الخراف

في البدء لم أكن مقتنعا بالفكرة ومحاولة الاعتماد على الخراف القافزة فوق سور الوعي لتجلب لنا النوم ، بل يمكنني القول أنني كنت أسخر منها سراً لكنني كنت أجامله أحيانا بإدعاء العد :

– لنبدأ

– واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. خمس .. ست .. عشرة

يبدأ بعدها شخيره في ملء فراغ الغرفة الصوتي ، كانت عملية العد تمثل لي الترمومتر الذي أتعرف فيه على مزاجه العام من خلال آخر رقم أسمعه قبل أن يغزو أذني صوت غطيطه ، و بمرور الوقت أصبحت سخريتي تقل تجاهها وبدأت أجرب العد معه :

– واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. خمس .. ست .. عشرة

ثم لا أعي إلا وضوء الشمس المتسلل عبر النافذة في الصباح ينسكب على عيني ليعبر عن حضوره بطريقة فظة ، قال لي ذات مساء بعد أن طلب أن نعد الخراف :

– أتعلم .. أجمل ما في هذه الطريقة وأسوأها أنك لن تحلم ؛ لأن الحلم يحتاج لطاقة وأنت استنفذتها كلها في عد الخراف ؛ لذا ستنام مصمتاً كحجر .

**

كنت وفياً لروتيني الممل حتى حل الصيف ، وما أدراك ما الصيف في هذه المدينة ، ففي كل مرة  يقدر لي أن أحضره فيها لا يساورني أدنى شك أننا نعيش في جهنم الدنيا ، فاضطر لقضاء أيامه في الغرفة لا أخرج إلا لجلب السجائر أو الطعام أو لمشاهدة التلفاز الوحيد الموجود في صالة الفندق كي أعلم ماذا يحدث في العالم خصوصاً أننا لم نعد نشتري الصحف ، وبصورة ما أتذكر أنه رفع بصره عن الصحيفة التي بين يديه تجاه الحائط ثم سألني وهو ينظر لصفحة حوار أجريته مع إحدى المجلات وكنت قد قصصتها وألصقتها عليه :

– ألا يوجد حوار آخر ؟

– لقد توقفت عن إجرائها

أما الحقيقة فهي أنه لم يعد هنالك صحفي ينتظرني لإجراء مقابلة ، أو آخر يريدني أن أساعده في تجهيز ملف أدبي ، فعدد الصحف في المدينة لا يتعدي العشرة وأكثر من نصفها لا يحوي على هذه الملفات المتخصصة ، ناهيك عن ضحالة ثقافة المسؤولين عنها ، حتى الحوارات التي أجريتها كنت أنا من يضع أسئلتها ويصوغ مقدمتها ؛ لذا أضحت محاولة السعي خلفها من أجل الظهور فيها يمكن تصنيفها تحت باب تواجد لا ينفع وغياب لن يضر .

وفي إحدى النهارات كنت متمددا على ظهري أحدق في السقف حين رن الهاتف ، كانت مطبعة تود طباعة الرواية على نفقتها الخاصة وسأحصل أنا على 13% من الأرباح ، قال المتصل بحماس متكلف أن علي التفكير بهدوء فهو عرض جيد بالنسبة لي خصوصاً أن المطبعة ستقوم بعمل دعاية ضخمة لها في المجلات والتلفزيون ، قلت له دعني أفكر ثم أغلقت الخط ، مرت دقائق ثقيلة أغمضت عينيّ بعدها وقلت :

– لماذا اخترت هذه الغرفة بالذات ؟

– لأن نافذتها تطل على المشهد الأجمل

ابتلعت سخريته بنصف ابتسامة مجهدة واستطردت :

– ألا تتشاءم من الرقم 13 ؟

أعاد تثبيت نظارته على أرنبة أنفه وأجابني دون أن يرفع رأسه عن الكتاب :

– أنا أتشاءم من الأسماء أكثر

عاد الهاتف ليرن مجددا  :

– ها .. هل فكرت جيداً ؟

– نعم ، لكن هل لي بسؤال ؟

– طبعا تفضل

– ما اسمك ؟

– شربيني

– حسناً يا أخ شربيني أنا أرفض عرضك

– لماذا ، هل تشاءمت من النسبة يمكننا جعلها 14% ؟

– نصف اسمك ” شر ” وأنا أتطير بالأسماء أكثر

أبعدت الهاتف عن أذني مستمتعاً بصوت شتائمه وهي تتلاشى رويداً رويداً

**

كان قد غاب عن الغرفة أسبوعاً سافر فيه إلى الريف على مضض تحت وطأة إصرار من ابنته ، شعرت بالأرق ممزوجاً بالوحدة لذا حاولت أن أكتب لها مع يقين علمي بأن ما أخطه الآن لن يصل لأنني سأمزقه بعد أن أضع نقطة على آخر السطر : أفتقدك يا جرح القلب المفتوق كما تفتقد هذه المدينة المحاطة الآن بفراغ من الصمت سُكانها النائمون ، الكل يستسلم في آخر الأمر إلى تلك اليد بغشيانها اللامرئي وينام أياً كان حجم الضجيج الذي يفتعله في صحوه ، حتى أنا المشدود إلى الماضي بقيد شديد التذكر سأسقط بفعل غشيان تلك القوة الكبرى وأنام ، مربك جداً وعظيم ذلك السر الإلهي المبثوث في النوم ، ليتنا ننسى عنوة حين ترهقنا الذاكرة ، كما ننام عنوة حين يرهق الجسد ، لقد كنتِ دائماً هناك في أغواري السحيقة ، تضيئين لي بنبض الحياة بين الفينة والأخرى أحاول كتابتك فلا أستطيع ، دائماً كان هنالك مزلاج حاولت جعله موصداً بكل استطاعتي دون جدوى فقد فشلت في نسيانك ، أفتِر في صدري فرح غامض ما لبث أن تحول لغصة خانقة ؛ الأمر أشبه بتلقي الضربات من حطاب جشع تهوى عليك مطارقه وأنت تفكر أنك بخير فقط لأنك لازلت تشعر بهذه الضربات .

حين عاد لاحظت تحسن مزاجه كثيراً فداعبته قائلاً :

– يبدو أنك استمتعت

– نحن نتحسن إنسانياً حين نكون بجوار والبساطة والصدق

لا أدري لماذا شعرت أنني من كان بحاجة لهذه الرحلة أكثر منه ، لأني إذ أفكر بخسائري الآن أدرك تماماً أنها كانت بسبب غياب البساطة والصدق ، كم عدد السنون التي مرت علي هنا .. لا أدري .. لكنني لم أشعر ولو لبرهة أنني أنتمي إلي هذا المكان .. حتى جدرانه وأزقته التي طالما تسكعت أمامها وداخلها لم تمنحني يوماً ذلك الإحساس بالإنتماء والحنو .. لقد تعلمت أخيراً أن الزمن لا يمكنه وحده أن يمنح للأماكن إلفتها ، في المدينة تدوي الحياة بصوت عالي ، وتتحرك بخطى لاهثة مليئة بالخدع والمكائد ، فيحدث أن يكون الفرق بين الدفء والغربة مجرد .. حلم أو شخص .. مثل زهرة

؟ بتنساني –

بدت عيناها وكأن بها أحزان كل السفن الغارقة :

– مابنساك

– بنات البندر نجيضات بسرقن الكحل من العين بخاف يسرقوك مني

أضحك ثم أرد بعد أن أعتصر كفها الصغيرة :

– مافي شئ بسرقني منك

  – سمح هاك المديدة دي رم بدنك

نظرت في عينيها الضاجة بالأسئلة والخوف المتنامي ، حاولت نقل الدفة لمنطقة آخرى فزرعت إبتسامة جريئة على شفتي ، واصلت التحديق وأنا أتذكر تلك الأغنية :

ﺣﻴﻠﻚ ﻛﻠﻮ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻚ

ﻭﺍﻻﻳﺪ ﻣﺎﺧلق ﻠﻬﺎ ﺣﻴلة

ﺍﻳﺪﻙ ﺗﺘﻌﺒﺎ ﺍﻟﻬﺒﺎﺑﺔ

ﻭﺍﻟﻌﻴﻦ ﻣﺘﻌﺒﺎﻻ ﻗﺒﻴلة

وكأنها قد فهمت صمتي المتحرش بها فقالت بدلال مفضوح :

– الجار للجار

ضحكت

فأجابت بجد متكلف :

– وسيدنا النبي وصى على سابع جار

– اللهم صلي على كامل النور

تضحك ثم تصفو بعذوبة كاملة أستشف من خلالها عاطفتها في أبهى صورها

 مرت لحظات بدا كل شيء فيها مغلفاً بالصمت وكنت غارقا في أفكاري مقيداً لدرجة أنني لم أشعر به وهو يقلب في دفاتري حتى بدأ يقرأ :

( لا زلت أذكر الأمسية الشتائية الباردة ، حيث بدت الشمس تلطخ ثوب الفضاء بأشعتها الذهبية ، تماما كقطعة معدنية لامعة على حافة الأفق ، حين سألتني : ” لماذا تحبني بهذه الطريقة ؟ ”

سؤالها هذا يرن في أعماق عتمتي حتى الآن كملعقة سقطت في بهو غرفة فارغة ، قلت لها : اعرف أنه لا توجد أسئلة سخيفة في الحب ، أو أسئلة تلقى عبثاً ، وأدرك أنه يجب أن تكون هنالك فئة تسأل بكل فداحة القلق وأخرى تتلذذ بمنح الإجابة .. حين تدخل إلى حلبة الرقص فإن جُلّ ما ستفكر فيه هو كيف يمكنك البقاء لأطول مدة ممكنة دون أن تحرقك النار ، فكل سؤال يبدو مضحكاً من الوهلة الأولى هو رتق لهشاشة نستشعرها في مكان قصي داخلنا ، كل سؤال ساذج هو تمرير لرغبات خجولة وجس نبض للأماكن المجهولة ، لذا صدقيني ليس غريبا أبدا أن يخبرك شخصٌ معطوب مثلي عن التضحية وأمنيات الثلث الأخير من الحب ؛ لأن اليتيم هو أصدق من يتحدث عن معنى الأب ، أما إن شئت الدقة .. ” لماذا أحبك بهذه الطريقة ؟! ” فأنا نفسي لا أعرف .. لكنني أدرك أن رجلاً مثلي شاب شعوره وكسر الوجع ثنّيته لا يستطيع أن يطلب من الحياة ما يسعده لأكثر من مرة واحدة ، لذا فإن كل أحبك قادمة هي كلمة ملغومة مدفونة داخل حزن قديم .

يمكنك أن تقولي أنني أفعل هذا لأني ساذج أو أحمق أو لأن غمد قلبي أكبر من نصل عقلي .. أو إن شئت اعتقديني بعيد النظر .. بعيداً بمقدار نصف قرن ، وهنالك أرى امرأة عجوز تجلس أمام النافذة في ليلة شديدة البرد تحيك كنزة من الصوف بيديها لتدثر بها صقيع أيامها .. بجوارها تجلس حفيداتها المراهقات أمام التلفاز الذي يحكي لهن شيئاً عن عاشق ضحى بأغلى ما يملك من أجل أنثى لن تكون له يوما ، يتابعن ما يحدث بأعين بدأت دموعها تترقرق وقلوب اضطرب انتظام نبضاتها ، ثم تقول أصغرهن بعد أن تتنهد بعمق :

– “وهل يوجد فعلاً رجل كهذا ؟ “

تبتسم العجوز وتعدل من وضع نظارتها الطبية ثم تقول  :

– ” نعم يوجد “

أحسني الظن وقولي عني جامح الخيال مؤمن بمعجزاته ؛ لأحسن أنا الظن بحظي وأقول أن هذه العجوز هي .. أنت . )

نظرت له وقد رأيته يحدق بي فقلت :

– كان ذلك أخر ما كتبته

– تعلمت في الحب أن لا أشرح .. لا أجزيء .. لا أوضح .. لا أبرر ؛ الحب يؤمن بكل علامات الترقيم باستثناء الفاصلة المنقوطة ، لكنني مع هذا دعني أسألك ألا زلت تحبها ؟

تابعت بنظري حشرة تدور حول الضوء بهياج لا هو رضي بقربها ولا هي ارتضت أن تبتعد ، شعرت أنها تشبهني بطريقة ما فأنقبض صدري .. ثم قلت :

.. نعم أحبها

لأني وحيد .. يائس .. محبط .. مؤذي .. ملوث.. ضعيف ، وأن تكون ضعيفاً ؛ يعني أن تصدق كل شيء حتى الكذبات التي تولد عبرك وتنتهي إليك .. وحزين ومثلك يعلم أن رجلاً بلا حزن تماماً كامرأة بلا سر

نعم أحبها ..

لأنني فاشل .. لا أجيد تكوين الصداقات .. لا أجيد عقد رباط حذائي .. .. لا أجيد رسم ابتسامة مجاملة لنكتة سمجة .. لا أجيد الحديث عن النساء .. لا أجيد الصبر ، ولماذا عليّ أن أجيده ؟ .. هل صنعت الشبابيك للانتظار فقط ؟ ، تلك النوافذ المحاطة باخضرار نباتات متسلقة ومقسمة بفعل القضبان المعدنية الكئيبة ، ألا تتحول عند لقاء العشاق إلى برزخ للانتقال من الجحيم إلى النعيم المحمول على كل قلب في الطرف الآخر ، أليست هي التي يولد الشروق من خلالها ممزوجاً برائحة قهوة صباحية ساخنة ، وشراشف دافئة تغازلها النسائم ، وامرأة تتمطى بكسل عاقدة خصلات شعرها المتناثر ؟

نعم أحبها ..

لأنني ساذج أصدق ما تقوله الأبراج التي لا أقرأها ، والجرائد الحكومية التي لا أتصفحها ، والقصص العاطفية الفاشلة التي لا أسمعها .. لأنني معدم ففي حين يُسمِعها الجميع كلماتهم المعسولة ومغامراتهم التي لا تمل لا أملك أنا إلا كلمات تتوكأ على عطبي أكتبها لها ، وخيالاً تسرح فيه الخيل أُشكِلُها به

نعم أحبها ..

لأنها أجمل من يقرأني حين أكتب ما لا أستطيع قوله ، وأفضل من يطمئنني حين يخيفني تمنع المعنى وركاكة المفردة

نعم أحبها ..

لأن الحنين إليها مرهق ومؤلم كخطيئة العاشقة حين تحمل وزرها وحدها ، لأنه هو من يشرع الباب للحماقات لتدخل ، هذا الحنين الذي لم أستسلم له ولم أتمكن كذلك من هزيمته

 أذكر أن أحدهم قال لي ذات يوم : ” ما لا يقتلك يجعلك أقوى ” ، وددت أن أقول له حينها : كلام فارغ وكأنني كيس ملاكمة لعين يتدرب عليه هذا العالم القذر ليوسع حمقى مثلي بلكماته ، القلب حين لا يقتله الحب الذي فقده لا يمكن أن يعود سيرته الأولى مهما نفخ فيه لاحقاً من روح العشق ؛ لذا فما لا يقتلني يجعلني – في آن واحد – أكثر جبناً وشرهاً تجاه الحياة ، ما لا يقتلني يجعلني ببساطة ميتاً على قيد الانتظار ، لكنني لم أقل شيئاً من ذلك وحملت خطيئتي وحدي ؛ لأننا فقط في الحب نعي أخطاءنا جيداً نحفظها بكل أوجاع الندم ثم نعيد ارتكابها من جديد  .

حرك شفتيه بتلك الطريقة التي تشبه وااو حين يعجبه شيء أكتبه وبدت عيناه الغائرتان ممتلئتان بذلك البريق الراغب في الحياة ثم قال بحماس :

– أكتب هذا

– هذه أشياء لا تكتب

ثم عدتُ أطالع مجدداً في السقف ، كانت الحشرة حينها قد ابتعدت .

 

**

بدأت الأيام تتساقط من صدر التقويم بسرعة ، مضت عدة شهور منذ وصولي للغرفة لكنني لم أحقق ما أصبو إليه ، وتوقفت حينها عن القراءة لأنني لم أكتب جملة منذ أكثر من شهر مما جعلني متوتراً جداً مكتفياً باحتساء ذكرياتي مع أولئك المنبوذين في الأرض مبدداً وقتي معهم دون أن ألوي على شيء حيث كنت أقضي عدة ليالي خارج الفندق مبتعداً عن نظراته التي تلاحقني وسؤاله الذي يدق عميقاً في عجزي : هل كتبت شيئاً جديداً ، وكأنه  كان يدرك أن الوقت قد بدأ يتسرب ، كنت أطمئن نفسي عليه إعتماداً على موقع الفندق البعيد عن ضوضاء حياة الناس وجلبتها ، وحين أعود أراه متكوراً على نفسه واضعاً ذقنه على ركبتيه لا أشك أبداً أنه كان ينتظرني ، وبسبب الغياب المتكرر لم أعلم أن حالته الصحية قد بدأت تتدهور ..

قال لي يوماً بعصبية واضحة بمجرد أن فتحت باب الغرفة :

– أين كنت ؟

– كنت أرى الدنيا في الخارج

– وكيف وجدتها ؟

أشعلت سيجارة وأمسكت بحافة النافذة ، أنظر في كل إتجاه فلا أرى شيئاً يزدهر سوى البؤس ، كطعنة ناجلة في القلب تعبر صورهم الحزينة أمامي ، ، بائعوا القصب ، ماسحوا الأحذية ، بائعات العلكة والتسالي ، الشحاذون ، اللصوص ، مانحات الجسد من أجل لقمة تسد رمق الأفواه الصغيرة التي تنتظرهم ، رأيت عبرها العمال البسطاء الذين يعملون لأكثر من نصف يوم لأجل حفنة من المال علّها تستُر عُري الحاجة وتُسكِت ُ صراخ الأفواه الصغيرة الجائعة ، كانت الشمس تسحب نورها ببطء حنون عن الحصى والرمل معلنة الرحيل وأضواء السيارات الراكضة بلا هدى ككلاب مفزوعة بدأت تعلن عن حضورها ، ومع نسمات المساء المنعشة جاءت ” قسمة ” المرأة ذات الأربعين وجعاً والتي تبيع الشاي والقهوة مساءاً لنزلاء الفندق ، شاهدتها وهي تشعل النار وتنظف الأكواب ثم تقوم بترتيبها على طاولتها الصغيرة بصبر وصمت في عمل يمتد حتى منتصف الليل تقريباً ، وعند الصباح الباكر ترتدي الثوب الأبيض وتحمل حقيبتها الوحيدة وتذهب للمدرسة لتًعلِم أطفالنا الحياة بتفاؤل وحب الوطن ، ، بينما يوجد في هذه البلاد من يسافر للتسوق في دولة مجاورة ويعود في ذات اليوم ، كل هذا يحدث لدرجة أنني أحياناً أعتقد بأننا – جميعاً – مجرد حكاية تروى للوطن قبل أن ينام ويستيقظ على واقع أفضل منّا .

عدت للجلوس في الطاولة وأطفأت السيجارة في المنفضة :

– وجدتها تماماً كقطار فقد مكابحه تمضي بنا دون أن نعرف إلى أين هي وجهتنا ، ودون أن نستطيع أن نوقفها لننزل أننا ببساطة مجرود تروس حقيرة حال وضعنا داخل أي منظومة سنعمل كما يريدون من أجل أن تدور الآلة الكبيرة .

سحب الكرسي وجلس على المقعد الخشبي المتهالك ، كان كل الذي يشغل تفكيره هو كيفية إقناعي وأنا الجالس على الطرف الآخر من الطاولة بما سيقوله :

– أنت لم تكتب منذ مدة

– نعم أعرف

– أليس غريباً هذا ؟

– ما هو؟

– لقد صرت اجتماعيا فجأة ، وكأنك قد تخليت عن هدفك التي جئت من أجله إلى هنا ؟

– لا لم أتخلى عنه ، لكن بعض الثرثرات الفارغة والضحكات الباهتة لن تؤذي أحداً

– لا يمكن أن تكتب نصاً ساحراً ووقتك أسير عند غيرك وموزعة دقائقه بين متطلباتهم التي لا تنتهي ، ولا تعود عليك بشيء سوى حرمانك من الاختلاء بالنفس المبدعة والكامنة في داخلك والاستماع لما تقوله من جنون ، فهذا الجنون هو الذي سيكون النواة الأولى لأي نص ساحر سيكتب فيما بعد ، اسأل أي كاتب عن الكيفية التي أُلهم بها نصه الأجمل ستجد أنها لحظة الجنون الخاطفة هذه كانت هي التي تسببت في انفراط المسبحة وتدفق الإبداع ، وها أنت الآن بكل بساطة تهدرها خلف الثرثرات الفارغة والضحكات الباهتة ، خلف كل ضحكة باهتة هنالك دهشة تفقد يا صديقي .. فأحترس

نظرت إليه فبدا بيني وبينه شبه بعيد ، وكأنما كنت أنظر لصورتي بعد سنوات وقد أنعكست عليه فقلت : 

– في فترة ما كنت أكتب كثيراً ، رغم أني لم أكن أفقه شيئاً ، يمكنك القول أنني كنت مزهواً بجهلي لدرجة أنني كنت ممتلئاً باليقين تجاه كل شيء ، وكانت الحقيقة بالنسبة لي كمعادلة رياضية متى ما سرت خلف خطواتها سأصل للحل ، أما اليوم وبعد إن اتسعت دائرة أسئلتي وتعددت قراءاتي نبتت في مكان حقول اليقين داخلي أشواك من الشك .

عبرت بيننا موجة من الهواء الصيفي الساخن ، وكانت نظراته تستحثُني للمواصلة  

فقلت ضاحكاً :

– لا تقلق فأنا لست ممن يديرون ألسنتهم في أفواههم عدة مرات قبل يتكلموا ؛ وهذا يعني أنني لا زلت بخير

**

بعد أن علمت بوضعه الصحي أصبح خروجي من الفندق قليلاً لقلقي عليه خصوصاً أن هذا الوضع أورثه صمتاً طويلاً ومزاجاً حاداً ، كان يرفض زيارة أي شخص من أقاربه ، متعذراً بحجج عديدة مثل أنه لا يريد لأحد أن يراه على هذه الحالة حتى أبنته التي يحبها دوناً عن البقية ، وبالطبع كان علي أن أنقل لهم هذه الأعذار عبر الهاتف أحياناً ووجهاً لوجه في أحياناً أخرى ، لكن أكثر ما كان يخيفني هو النظرة التي رافقته مع تدهور حالته ، تلك النظرة المحدقة في الفراغ .. في اللاشيء .. في الهاوية تماماً ، وحسبت لوهلة أنها رحلة يقوم بها عبر الذاكرة ، أو أنها حزن عجز عن التعبير عن نفسه فاستحال حياداً وصمتاً ، فكرت حينها بكل احتمال ممكن لها ، إلا أن يكون معناها أننا نقترب من النهاية ..

 كان ذلك في ليلة صيفية متزينة بالرطوبة الخانقة ومحتشدة بالرغبات المكبوتة ، تجاورنا على السريرين ، وكان يسعلُ كثيراً بسبب صدره العليل بينما أتلوى من الحمى بسبب عدم النوم في الأيام الماضية ، حدثني طويلاً عن أبنائه وقلقه عليهم من طيش والدتهم المستمر وكانت هذه المرة الأولى التي يتكلم فيها عن حياته الشخصية بهذه التفاصيل ، وكأنه أرادني أن أتعرف عليه من خلاله هو لا عبر ما سمعته من أقاربه ، ثم عرج للحديث عن فريقه المفضل وتردي مستواه في ظل الإدارة الفاشلة ، وعن الوطن الذي كان يحبه ثم كفر به بسبب اللصوص الذين يجتمعون عليه كما يجتمع النمل حول السكر ، كان يتحدث ويتحدث مسكوناً بحماس مفاجئ لم أعتده منه كأغنية متشرد يعبر ظلام الزقاق ، وكنت أنا مليئاً بانتظار طويل وقلق كقصيدة تترقب كلمتها الأولى لذا كنت صامتاً أستمع ، إستوى جالساً على حافة السرير وأشعل سيجارة

 قلت له :

– عليك التوقف عن التدخين ما عاد صدرك يحتمل

 قال محاولاً استدعاء أفكار أخرى : 

– كل شخص يعرف قدرته على الاحتمال ، دعك من ثرثرة أصحاب الأردية البيضاء أولئك الذين يظنون أنهم لا يخطئون أبداً ، عليك أن تتذكر أن لا تصدق في حياتك ثلاثاً .. الأطباء والنقاد ورجال الدين

 رددت عليه مبتسماً :

– ها قد عدت لهرائك القديم

فضحك ضحكة ممزوجة بالسعال الجارح جحظت فيها عيناه الغائرتان ثم قال :

– أنا أُحِبُ الله أنت تدرك ذلك ، أحبهُ بالقدر نفسه الذي أكره فيه من وضعوا أنفسهم حُراساً له حول بابه وراحوا يصرخون باسمه في كل مكان ليلاً ونهاراً كما لو أنه بضاعة كاسدة ، موزعين فرص العودة إليه حسب أهوائهم لاعنين كل من لا يصغي لهم ، متوعدينه بالخلود في النار ، يفعلون ذلك وكأنهم يملكون الحقيقة المطلقة “

أستمع لصدى ما قاله لي ثم أسأله :

– ومن يملك الحقيقة المطلقة ؟

ترتسم ملامح جدية مكسوة بالحزن على قسماته ثم يجيب :

– لا أدري ، فأنا لست نبياً من بين يديه تتفجر الأجوبة ، لكن هذا لا يمنعني من أشير بإصبعي تجاه الخطأ وأقول : هذا خطأ

أعتقد أن لكل شخص منّا حقيقته المطلقة –

 أمسك بالسيجارة مطفأة وقلبها بين يديه قبل أن يقول بأسى واضح :

– ربما ، أتذكر قبل سنوات طويلة كانت أمي تغني في المساء نفس الأغنية التي ترددها يومياً في مثل هذا الوقت ، ولأنها حفظتها عن أمها والتي بدورها حفظتها عن جدتها ؛ غدت الأغنية ميراثاً عائلياً ترتديه مسامعنا دوماً قبل أن ننام ، بالنسبة لها فإن الطفل الذي لا يرضع من ثدي أمه جيداً ولا يستمع لقصصها يصاب بالنسيان ويموت وحيداً ، أما أنا فقد كانت أربعين مرة فقط تلك التي لقمت فيها حلمة ثديها في محاولاتي لكي لا أموت وحيداً ولم تكن كافية إذ أصابتني اللعنة أو ربما هي حقيقتي المطلقة ، ففي تلك الليلة المظلمة كتالي أيامي جاءت الحرب وغطى الرعب المدى ، ونعق البوم كما لم يفعل من قبل ، بينما حثت أمي خطاها بمحاذاة ضفة النهر وهربت تاركة لي وحدي هذا التشرد والضياع ، و الآن حينما أفكر بروية بعد أن  تداهمتني الأسئلة التي تقتات على أرقي أحاول أن أجد لها عذراً وأتساءل إن كانت لها أسرة أم أنها أصيب باللعنة مثلي وماتت وحيدة .

كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها عن ماضيه بوضوح دون ترميز أو تمويه ؛ لذا خانتني الكلمات فحاولت أن أتماسك :

  لكنك لست وحيداً ، لديك أسرة تحبك كثيراً –

– ليتني كنت راعياً وحيداً في السهول البعيدة ، أجلس على جذع شجرة مقطوعة وأعزف للريح بمزماري أجمل الألحان وحين أملُ من العزف أعبث بأزرار المذياع بحثاً عن صوت بشري يطرق أذني منذ شهور ، ثم أفكر بأمي حين أكتشف نفاذ بطارية الطاقة في المذياع .. أمي التي رحلت بعيداً وتركتني ، وبابنة عمي التي ستصير زوجتي في موسم البيع القادم حين تلد الخراف التي أعتني بها منذ أشهر ، وأبتسم لأن الخراف كاملة العدد وبصحة جيدة ، فقد ساعدني كلبي الوفي والأجراس التي علقتها في رقابها على تقليل حالات السرقة وهجمات الذئاب المفترسة ، ثم أردد بيني وبيني بأنني إن لم أتزوج في هذا العام سأعيش أعذباً للأبد ، وأقرر أنه ورغم علمي بأن إنجاب طفل واحد في هذا العالم المتهور والمتعجل دائماً هي مغامرة خطيرة كما يقول المذياع ، إلا أنني لست على استعداد لكي أجعل من ذلك سبباً يمنعني من الإنجاب وأمنح الفرصة لأولئك الملاعين الذين يتهمونني أن كثرة العيش مع الخراف جعلت مني عاجزاً عن التعامل مع النساء ، سأنجب عشرة أبناء ، نعم عشرة وسأعلمهم جميعهم الكثير من المهارات والأسرار في الرعي والعزف على المزمار وتحديد اتجاهات المسير عبر النجوم حين يتيهون في الصحراء العظيمة ، أنا النرجسي المغرور الذي ولج المدينة في يوم تتويج أميرها فلم يعبأ بدخوله أحد ، أنا الغائب الذي لن يفتقده أحد الآن ، ليتني ذاك الراعي لأعلم أحداً – أي أحد – حقيقتي المطلقة .

 كان الجو آخذاً فـي الظلام لكن آثر ما قاله داخلى كان لازال باقياً ، مرت لحظة من السكون الكوني بيننا وحدها كانت كلماته تملأ بصداها المكان ، وحين شعرنا بتمدد الصمت بيننا ، وانتبهنا أن الوقت قد تأخر قال باسماً :

– نعد الخراف ، لم نفعلها منذ مدة ، أم تراك نسيتها ؟

– لنبدأ

– واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. خمس .. ست .. عشرة

ثم أُسلِم كل منا إلى عالمه الخاص ، وفي الصباح كانت الخراف قد عادت .. ولم يعد نبي الغرفة 13 .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً