2050 م

spectacular-photos-11

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

في عام 2050م تاريخ ميلادي الثامن والخمسين , لست عجوزاً بشكل كبير ولست خبيراً في النحل والنمل  و أظنني رجل طيب .!

ركبت مترو الفتيحاب الخرطوم بقصد الوصول للسوق العربي لشرب القهوة معها , أغلقت هاتفي بشغب حتى أثير إزعاجها وقلقها وأبقي جذوة الشوق متقدة لن أتأخر عن الموعد ولن أسمح لها بأن تخفف مخاوفها باحتمالية عدم حضوري , وسوف أقلق أنا أيضا فقد أدخل المقهى ولا أجدها..

أخرجت من جيبي رواية كتبها أحد أصدقائي اليابانيين وأخذت أقرأ بصمت , وما إن شعرت بعتمة طفيفة وأن قلبي يحس شعوراً بارداً حتى علمت بأن القطار الآن يجري في عمق النيل , طفل أخبرني أن أحمله حتى يكون بجوار النافذة حتى يرى أعماق النهر بنفسه قال ..آسف يا عمي ولكن أمي تخاف العتمة..! وأنت ألا تخاف ؟ سألته وأنا أقربه أكثر للنافذة ! أخاف ؟ لو هي حملتني ما كنت سوف أخاف ؟ رد رومانسي من طفل صغير وأخذت أتعلم أن أندهش مثله .

وبعدما خرج القطار من الماء ورأينا ضوء الشمس يغمرنا شيئاً فشيئاً , شكرني بانحناءة ومصافحة قوية . لقد سعدت برؤيتك , لك صفة الفلاسفة وهي الدهشة !

إبتسم الطفل , ورغم يقيني بجودة التعليم التي يتلقاها الأطفال هذه الأيام إلا أني ندمت بإخباره بأنه يتصف بصفة الفلاسفة وهي الدهشة . نادراً ما نهتم بالأسماك التي تلاحق أنوار القطار الغاطس أو المائي , هو واحد من أعجوبة هذه البلاد . كثير من السياح يأتون للخرطوم من أجل العطور والثياب والمحاضرات العلمية ولن ينسوا أبداً شراء تذكرة ركوب قطار المترو الذي يمر بسرعة الرصاصة من تحت أرض الفتيحاب إلى السوق العربي تحت النيل مباشرة , كيف يمشي قطار من حديد تحت الماء وبهذه السرعة .؟

هذا سر من أسرار الدولة رغم إعتراض المثقفين على هذا بسبب أن المعرفة من حق كل الإنسانية ولكن جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ( راكبة راس ) وعلى إصرار أن يظل تصميم القطار المائي سراً ( كما لمصر أسرار بناء الهرم لدينا نحن أسرار بناء القطار الغاطس ) هكذا علق طلاب الجامعة .

وأخذت أمشي في الشوارع النظيفة ؛ إذ إستخدمنا قوانين سويسرا بحيث أنه ممنوع أكل اللبان وممنوع البصق ورمي القمامة وكثير من القوانين وكلها لها غرامات مالية تزداد مع الوقت !

قبل ثلاثين سنة حين كان بعض الأوغاد يحكمون هذه البلاد كانت الحرارة مرتفعة جداً ولكننا الآن بفضل إختراع جيد بدلاً من أن نصنع مكيفات هواء أكثر قوة وعملاً، إخترعنا ماصات للحرارة حيث تمتص هذه الأجهزة الحرارة العالية وبذلك تنخفض درجة الحرارة وأحياناً يسقط الثلج , والحرارة التي تمتصها هذه الأجهزة تتحول إلى طاقة تشغل كثير من المصانع , خصوصاً المخابز والشوايات ويتم شحن الروبوتات بنفس هذه الطاقة .. والدولة ترسل لحلفائها وأصدقائها من دول الخليج وأفريقيا هذه الأجهزة وهم فخورين بصداقة السودانيين ! ( الحمد لله لم تقرر الحكومة إبقاء أمر هذه الأجهزة سراً )

أخرجت الرواية اليابانية التي كنت أقرأها وقد تعلمت اليابانية قبل سنوات حباً لهم وتعاطفاً معهم ؛ وأذكر أنه عندما حدث زلزال بوكيمون الكبير وغرقت اليابان في البحر بكيت كثيراً لأنني كنت أحب هؤلاء الناس وأتابع أنيمياتهم ولحسن الحظ دعت الحكومة كل اليابانيين في العالم للسكن في السودان واتخاذه وطناً واتخاذنا إخوة ( فكلانا أذكياء ونشترك في حرف النون ) والآن أنا أقرأ هذه الرواية الممتعة والشيقة وأنا أمشي للموعد .

سوف تخبرني بأنها قلقت علي عندما وجدت هاتفي مغلقاً ! أنا متأكد !

سوف أخبرها بأني أحب أن أتلهف للقائها أكثر وأن التكنولوجيا في كل مكان وأنني أريد شيئاً خاصاً.

وضعت الكتاب في جيبي وأخفيت زهرة حمراء في كُم قميصي , كانت ترتدي ثوب لونه أزرق فيه نقوش تلمع مثل مجرة التبانة !

قالت .. تأخرت ! وأغلقت هاتفك , وقلقت عليك !

أخبرتك ألف مرة يا حبيبة أنني أكره التكنولوجيا حين يكون الأمر متعلقاً بك , أريد أن أكون بلا نور ولا كهرباء بل وحتى ولا ماء حين أكون معك !

قالت .. نسيت أن أسلم عليك ولكني لن أنسى بأن هذا اليوم هو عيد ميلادك !

_ وأنا أحببت دعوتك لي , المرأة جميلة حين تملك زمام المبادرة !

_ تغير العالم وأنت لم تتغير لازلت تتكلم كما تكتب !

_ أتمنى أن أتكلم كما أرغب !

أخرجت من حقيبتها كيساً ملوناً وقالت .. هذه هديتي لك .

كان كتابا كله خواطر وقصائد . قالت .. طبعت منه نسخة واحدة وهو هديتي لك . كان من الصعب إختيار العنوان …

( كله عنك ) عنوان جيد , بل جميل .

أعطيتها الزهرة الحمراء التي كدت أنساها … وأخذنا نتحدث أننا أخذنا نكبر سوية ولكنا لا زلنا شابين..

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

لا تعليقات

  1. جميلة حد الدهشة

  2. جميلة حد الدهشة

أضف تعليقاً