أنا أحبُ انجلينا

سانديوس

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

ويٍرتفعُ صوْت الجّرسٍ الحديدي الرنّان مِن أمَامِ مكْتبِ مُدِيرُ مدْرَسَة كمْبونِي الّتِى تقَع فيْ الطّرِيقُ الَى احْدَى أحياء أطْرَافِ العَاصِمةِ الكَئيبةُ البائسةِ. يخْرُجُ الطّلاب وحْداناً وزَرَافات ، يتَناثَرُونَ هُنا وهُناك داخل حوش المدْرسَةِ طينية الفصول كمَا حبّات تِيرَاب على مِسَاحَة زَرْعِ شاسعة تنتظر رشاش المَطر. يعْقوب يَخْرِجُ كُرتهِ البلاسْتيكيةِ مِنْ حقِيبة قُمَاشِية مُهْترئةُ مرسوم عليها صُورة الكابتن مَاجد، ينفُخُ على الكرة بكل ما يملك من هواء، بمَهارةِ – وباستخدام لسانه – يضَعُ سدادة بلاستيكية لتسدُ مدخل الهواء دونَ أن يسمح بخروج كمّيةٌ كبيرةٌ مِنْه، يضْرِبُ بكرته على الأرضِ لترتفع عاليأ، يجْتمعُ حولهِ رينق واشْويل ومُختار وتيّة مُعلنين ضرْبة البِداية ل “قيم واحد”.

تطل كما شفق الشروق انجلِينا، ببشرة سوداء لامعة وناعمة وباسنانٍ بيضَاء كما لبنِ الماعِز الجبلي تبرزُ من بين شفتين لا تغيب الإبتسامة عنهما، شّاهقةُ كمَا أشجار المناخات الإستوائية، هادئة كأميرات البلاط الملكي البريطاني، تنْزوي هُناك لتخْرِج من حقيبتها حبْلاً قماشياً قديما، تلفُ جزْءٌ منه على كف يُمنَاها وجزءٌ على يُسْراها ثمّ تُدير الحبْلَ حولِ مِحْورَ جسمها الطّولِي لتقْفزُ كُلما لمُس الحبْلُ سطح الأرضَ، قفزات تهتز معاها مفاتن جسَدِها البادئة في النمو، تًمارِسُ النطّ على الحبلُ بِمُفْردِها وحوَلها تتناثر الطالِبات اللاعِباتْ بالحِبالَ وكل أنواع اللعب على طُولِ مِسَاحة المدْرَسةِ، عائشةُ تقْفزُ عالياً لتسْقُط بينَ ايدي زمِيلاتِها اكُوجْ وسِتْ النّفر ورِبيكا وميري وتِرِيزَة وفاطِمة وبدورهنَّ يقْذفنَ بِها الى الهواءِ وهنَّ يردِدنَ :

أولى فوق في العلاء

تانية ما ننقلها

تالتة عز الطلب

رابعة قليلات ادب.

سبت المُشاغِب يخْطِفُ لُقمةِ سندوتش منْ بينَ يديْ امْجد ويضعُها في فمه، وقبْلَ أنْ تلامِسُ دمْعةُ امْجد الأرضَ تاخذ اللقمة مكانها داخل معدته، يتّجهُ امجد باكياً ناحِيةْ مكتب المُعلمينَ ليشكو سبت، يلحَقهُ سبت قبلَ خطواتٍ من باب المكتبَ قائلاً :

“ماشي تشتكيني صاح ؟

خلاص اراح، ينعل ابوي انا مش ؟

نشوف منو البيدقوه اليله..!”

يتراجعُ امْجد خوفاً، فالشكوى لنْ تعيدُ لُقْمتهِ، بلْ أنّها قدْ تجْلِبُ مزيداً من المصائب بفعلُ تلفيقات سبت.

عبدالرحمن يجْلسُ وحِيداً بالقُربَ مِنْ فصْلْ السنةُ الرّابِعةِ يلعَبُ بالتُرابِ، هو ليسَ انطوائِي، فهو يلعبُ لوَحْدهِ مُنْذ أنْ تمزّقَ رِدَاءهِ الأخْضرَ مِنْ الخلفَ بفِعلْ الجلوُس المتْواصلَ على الكنبةِ الحديديةِ وفشَل مُحاولاتْ أمهِ في أخْفَاء آثارَ تمزّق الرداء بالإبْرة والخيطِ، وخَوفاً مِن سُخْريه زُمَلاءِهُ يلعبُ وَحِيداً حتّى تُحقِق أمه وعد شِراء رداءٍ جديدٍ له.

عبّاس وديفيد وخمِيس من السنةِ التالتة، حسنُ وكوكو وسيلفينو مِنْ السنةِ الخامسة، ابوبكر وشان وملوال ونادِر من السنةِ السادسةِ يسْتعْرِضُون من مهاراتِ القتال ما أكتسَبو مِنْ مُشَاهدة الأفلام الهنديةِ  بلعْبة ” الكاسوري”، يقْفِزون في الهَواء هُنا وهُناك ، يضْرِبونَ بعْضِهم البعْض ويصْدرونَ أصْواتاً تشْبه تمَاماً أصْواتِ الضّرْبات في الأفْلامِ الهنديةَ ويقلدون بحرفيه عالية أبطالها، نهي لاركي زندكي !

تية بمَهارتهِ العاليةِ واشويل بيساريتهِ القويةِ يسيطرونَ على القيم ، يخْرجُ مُخْتار للمرّة الّرابعةِ على التوالى، يسْتغلُ فُرصةِ إنْشِغال زُمَلاءهُ باللعبُ، يتَسللُ خِلسةٌ الى فصلِ السنةِ الخامسةِ ، يُخرِج طبْشورةٌ كان قدْ سرَقها مِنْ أستاذ فاولينو مُعلم اللُغَةَ العرَبِيةِ حينَ إسْتغلَّ أنْشِغالهِ بالتصْحيحُ ، يكْتِبُ وبيدهِ اليُسرى وبخَطٍ كبير ،

أنا أحبُ انجلينا …!!!

وكمَا دَخَل للفصْلُ يخْرُجُ ليَعُود الى حيثُ الكرةِ مُنتظِراً دورهِ في القيم مثله والأخرون …،!!

ربيكا الآن تقْفِز

خامسة فِضة ودهب

سادسة شيالات حطب

بنات العام حاجة تمام

بنات العالى عرس طوالي

بنات الجامعة الما نافعات

شالو شهادة وجن راجعات

ولعبن ديسكو مع الأولاد.

انجلينا تلملِم حبلها بِرفْق وتضعهُ داخِل حقيبتها مُتَجِهَةٌ الى المزْيَرةُ المُغطّاة بِلون الطحلب لتِرتويَ قبْل أنْ يدُقُ جّرسَ نهاية الفسحة. اسْتيفن – كما العادة – يتَسلل ومِنْ تحْت سور السلْك الشائك المحيط المدرسة ألى الخَارِج، هارِباً مِن الحِصّة الأخيرة متوجّها الى المحَطةِ ممن أجل أستخراج مصَروفه الِدراسَي لليوم التالي بتلْميعُ أحْذِيهُ سائقو الدفّارات بالمَحَطةِ.

يَجِي الدورَ على سِت النفر، تقفز عالياً وترتمي بجسدها الطري وبمرونة على زميلاتها،

أولى فوق في العلاء

تانية ما بننقلها .

ومُختار هًناك، يُهللُ مُحتفلاً باولَ فوز في “القيم” مُنتظراُ دِخولُ دْفعةٍ جديدةٍ.

 عبْدالرحْمن مُبَكِراً يتخذُ مكانهِ المعتاد في الصّفْ الأخيرَ للفصْل كاول الدّاخلينَ، انجلينا تعيدُ تْرتيبَ محتويات حقيبتها الجِلْديّة تحتِ ظِلْ فصْل السنة السابعة في أنتظار الجرس. باقيَ الطلّاب المُتنَاثِرونَ بينَ حوشِ المدْرَسَةِ يلْعبونَ ، يضْحَكونَ ، يمرحون و يسْتمْتعونَ بالفُسْحةِ .

ترن ترن ترن.

يعلو صوت الجرس الحديدي من جديد مُعلِنا إنْتهاء زَمَنْ الُفسْحةِ …!!!

يعودُ الطُلاب جرْياً الى فِصولِهم يسبقون أستاذ جيمس الذي يخرج بخْرطوشَ طويل جارياً وراء المتأخرين عن الدخول الى الفصول منهم، تعود انجلينا مشياً ، تدْخُلُ الى الفصل دون أن يزاحمها أحد، تَجد الكلُ في اِنتظارُها، تلْجُمها المُفاجاءة حينَ تنْطرُ ناحيَةْ السّبّورَة, ثم تخْرجُ غاضِبةٌ، مُسرِعةٌ الى مكْتب مُدير المدرسة، لتقفُ أمَامهِ غارقة في دموعها ، شاكيةٌ أنَّ شخْصٌ ما يُحِبُها …!!!

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

6 تعليقات

  1. ساندي الرائع ، انت هو سودان المستقبل ، اعدت الي ذكريات طفولتي

  2. ساندي الرائع ، انت هو سودان المستقبل ، اعدت الي ذكريات طفولتي

  3. رووووووعة ي كور

  4. جميله كتاباتك..اسلوبك فريد وانت تنثر الاحرف..
    كن هكذا واحسن استاذي الجلييل

  5. Here, give me leave deep memory, every beautiful moment it is worth remembering, cherish everything in sight.

  6. You completed a few fine points there. I did a search on the theme and found most people will have the same opinion with your blog.

اترك تعليقاً