البرزخ

obe[15]

مودة نصر الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

هذه المروحة لا تدور بما يكفي لإفزاع الهواء في الغرفة الواسعة..و تئنُّ بصرير مزعج بطيء، يجعل الحشرة السوداء في ركن الغرفة تصمت، ويلتبس عليها الصرير.. أهنالك رفيق لم تدرِ به؟

عثمان راقد على السرير والساعة تتكتك في يده، وهو واضع يده تحت رأسه يفكر.. الساعة تتكتك في رأسه وفي أفكاره.. المروحة تضيق صدره لأبعد حد.. تجعله يعرق لتهنأ بعرقه، وتعيد الكرة وتعيد الصرير.. الحشرة تقفز عالياً جداً، بعد أن ضاقت بزاويتها تلك، لتحطَّ  بشعيراتها الجافة المتشققة على ساقه المكشوفة..و بما أن عثمان لا يحب أن يلمسه أحد , ناهيك عن حشرة.. فانتفض و نفضها بشدة لتصطدم بمرآة الكومودينو القديم.. العزاء أنه منحها نفسها رفيقاً تتأمله !

و بذلك تشنجت ساقه.. أخرجته من الأفكار الواعدة التي كانت تتصاعد مع تَكْتَاتِ الساعة.. أمسك بقدمه التي تنافرت أصابعها الستة، وبرزت أعصابها، فهي بلا لحم.. قدم قديمة مشَّاءة.. عمرها خمسون عاماً.. سار بها في كل أنواع الترب.. عثمان يحاول تهدئتها الآن بتدليك خفيف لتعود لطبيعتها..

تهدأ قليلاَ.. و يهدأ هو قليلاً

ثم يعود  لأفكاره وللساعة والصرير..

المشاريع التي كانت تنمو في رأسه غزيرة لا يحدها قانون، ولن يرضاها عقل آخر.. حزين هو دائماً، ولكنه مدرك أن لا شيء مؤكد في هذه الحياة، لذلك هو يكدح.. مؤمن أن الروح والرغبة يجب ألا يسكنا بجسد واحد.. لأنه ضعيف ولا يحتمل قوتين.. وهذا امتحان الله للبشر.. فلم يعد يستغرب الخطايا.. قال مرة. الرغبة هي وحشك الكامن.. تسبيح جسدك الدائم لفكرة التزاوج الأولية وطريقة دنيئة للحب الحديث.. اهزم وحشك لتحيا كإنسان. فكِّر أن ينتصر لروحه بتحريرها.. فمكانها ليس في هذه الغرفة وليس في هذه الأرض. الرغبة تنازعها التأمل والوقت.. يجب أن يخرجها.. ولكن كيف؟ هو لن يقتل نفسه سيخرج روحه فقط وهو راض.. وله مبرراته.. فلتكن خطيئة أخرى ضد مصلحة النفس..

و لكن .. كيف؟ عليه أن يبحث عن ( منطقة ) جديدة .. خالية و رائعة .. ليس بها فكرة تذكره بأي شئ سيرغب فيه .. منطقة في ثنايا هذه الغرفة الواسعة.. منطقة ليس فيها شبهة حياة ولا حتى شبهة موت .. فقط طمأنينة..

عندما جلس في منتصف السرير مربعاً ساقيه؛ بدأت المروحة تشرب العرق من ظهره فأحس بخدر.. أغلق عينيه ممسكاً بالإحساس.. جففت الجلباب تماماً، ثم انتفضت بجسده النحيل كشراع..

..

طار عثمان في الغرفة الواسعة..

..

هووودنا يا ههوودنا.. كان شبعت يا جنا.. قول لي شبعت يا جنا..” كان صوت أمه يلحن هذا ببطء، وعمق ومحبة. وهو بين ذراعيها طفل السادسة، الذي لا يريد أن يفطم.. أمه سعيدة وتنظر في عينيه وتغني “هودنا”.. كان هذا يكفيه ليسكن.. وهي الآن تغنِّي بصدى واسع يتحدى سعة الغرفة، فيرتد من جهات عدة ضارباً أذنيه.

في الحقيقة تم إغلاق هذه الغرفة على عثمان.. شيء مؤلم فعله إخوته به.. لأن أفكار وتخيلات غريبة تأتيه فيفصح عنها، وهذا محرج بالنسبة لهم.. هو دائماً بعيد عن الواقع ولا يملك إلا أن يرتجف كالمصعوق ثم يتشنج بشدة و يسقط على الأرض إذا ما أصابه أحدهم بأقل توتر ، نائم هو الآن ما بين الأرضية والسقف يدور.. ولأنه مغمض عينيه فهو يتخبط.. يقول إخوته: هذه نوبة أخرى!

والمروحة أحدثت به بعض الندوب، ولكنه سعيد بهذا التحليق، بعد أن ترك رغبته على السرير، وها هو يسمو.. دائراً دائراً في الغرفة.. مغمضاً عينيه كأنه ليس بها، بل في أي هواء آخر.. عندما سقط على الأرض احتوته الرغبة.. إذن هي الأرض.. الجاذبية هي السر.. فطالما لا تملك خطوتك ولا جناحاً فأنت بشر.. تناقص الدم الواصل لبؤرة التفكير جعله هشاً ومائعاً، فالسقطة كانت قوية. والأرضية السيراميكية أساءت لجمجمته..

الأسوأ أن الموت لم يحدث.. الحشرة التي على وجه المرآة تنبهت لرائحة الدم.. الساعة تنبهت للوقت، وكأن صوتهما بدأ يعلو محاولاً إيقاظ صاحب اليد الخشبية مكسور الرأس.. كان كل شيء في الغرفة قلقاً حتى الهواء الذي كان يحمله قبل قليل.. ما حدث بعدها ليس مُهمَّاً.. ف(الغيبوبة) استمرت طويلاً..  لكنها كانت المنطقة الوحيدة لروحه و جسده حيث لا رغبة في شئ بها .. حيث البرزخ بين الحياة و الموت.

عن مودة نصر الدين

mm
قاصة من السودان

أضف تعليقاً