الغريب (5)

n51c1c774947f0-1

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كان النهار ﻻ يزال في بدايته ، بعد أن أنهيت مقابلة عمل ناجحة مع رئيس التحرير ، و سعيدة لضمان وظيفة جديدة ، فرأيت أنه ﻻ بأس إن عرجت لزيارة جارتي المسنة في الحي السابق ، كنت أجتاز الشارع كي أعبر للجانب اﻵخر من الطريق .. حين بدا لي كأني رأيت الغريب يقود سيارته وسط الزحام ، أن يراني (هذا آخر ما قد أتمناه ) لذا حمدت الله حين إختفى مبتعداً دون أن يلحظني ، دفعت باب السوبرماركت ، و توجهت ﻷحد الأقسام لالتقاط بعض الأغراض الصغيرة التي تلزمني ، كنت أثبت هاتفي بين أذني و كتفي بينما أتحقق من مكونات عبوة ما ، أحادث الجارة التي أبدت بالغ سعادتها و أكدت لي بترحيب أن بوسعي الحضور في أي وقت ، إبتسمت و سألتها إن كانت بحاجة لشيء فأنا أتبضع ، فطلبت صندوق للسكر الناعم ، هذا كل شيء ؟ أجابتني : نعم .. و أنهت المكالمة بعد عبارة شكر طيبة و دعوة (باركك الرب)

أعدت العبوة لمكانها ، بعد أن ﻻحظت اقتراب نهاية تاريخ صلاحيتها ، و وضعت الهاتف في جيب الجاكيت ، إنحنيت ﻷحمل سلتي لأحصل على السكر الناعم و أخرج .. فإذا بعيناي تنتبه لحذاء يقف قربي فرفعت بصري ﻷجد أنه (الشيطان) أعني (الغريب) ،كان يدخل يديه في جيوب سترته و يرسم إبتسامته المستفزة تلك ، رغم أنه بدا لي شاحباً بعض الشيء ، بلحيته الطليقة و عينيه المجهدة .

مد يده مصافحاً و هو يقول : صدفة طيبة ، صافحته و أنا أسأله : كيف حالك ؟

قال لي : جيد .. ماذا عنك ؟

أنا بخير .. أشكرك، ثم إستأذنته بغية المغادرة ، إستوقفني للحظة مستعجباً : تبدين على عجلة من أمرك.

نعم أنا كذلك ، أجبته و إلتقطت سلتي و تجاوزته .. لكنه تبعني ،كان يسألني عما فعلت ، و كيف تدبرت شؤوني .. أجبته بنصف إلتفاته : كل شيء على ما يرام ، و أتمنى أن تكون الأمور قد سارت بشكل جيد بالنسبة لك .

أخذت الفكة من الفتاة و حملت أكياسي ، و كان ﻻ يزال يقول : ليس بحجم توقعاتي ، تنحيت قليلاً لأسمح لأحدهم الدخول عبر الباب الصغير .. و أنا أعلق قائلة : دائماً إبن توقعاتك على الأسوأ .. هذا ﻻ يتعارض مع كونك متفائلا ..

المعذرة .. علي الذهاب .

هل يمكنني أن أحتسي معك القهوة ؟

ﻻ ..

جاءه صوتي من خلف نافذة التاكسي الذي إستوقفته على عجل .

سمعته يقول : أرى أنك كففت عن إرتداء ساعتك المعطلة .. و أخذت تتلاشى ضحكته القوية مع ضوضاء المدينة .. لذا كنت شاكرة للضوضاء و الزحام .

كان منزلها دافئاً و رائحة كعكة التوت تعبق في البهو الكبير ، ضمتني إليها بود بالغ و طبعت قبلتين على خدي و هي تدعوني للجلوس في الأريكة ،لم يكن خفياً مقدار السعادة التي إحتشدت خلف أهدابها المرتخية بفضل التجاعيد .

تبادلنا بعض الأسئلة المعتادة ، و ناولتها الكيس الذي يضم السكر و بعض الأغراض التي جلبتها لها بعد أن خمنت أنها ربما ستعجبها ، إتسعت إبتسامتها و هي تلتقطه من يدي ، و قالت لي : أنت فتاة طيبة .إستأذنتني لدقائق كي تتفقد الكعكة و تخرجها من الفرن .. قائلة لي : تصرفي بحرية إنه منزلك .. إكتفيت بإيماءة صغيرة و إبتسامة .

توقفت للحظات أمام نافذتها التي تطل على منزلي القديم ، لم يتغير به شيء غير أن الأشجار كبرت قليلاً .. و ثمة سيارة قديمة بعض الشيء مركونة في الفناء ،لم أستطع أن أتبين ما إذا كان هناك أحد بالمنزل اﻵن ، أو أن السكان الجدد غير موجودين به في هذا الوقت .

أعادني صوتها الودود من أفكاري ، كأنها قرأت ما يجول بفكري .. حين ربتت على كتفي و هي تقول :

الساكن الجديد لطيف للغاية ، كما أنه يأتي لمساعدتي من وقت لآخر .. إنه رجل صالح.

أهو أعزب ؟

هكذا سألتها .. فأجابتني : نعم هو كذلك ، سيحضر بعد قليل لينضم إلينا ، إن لم يكن هذا يزعجك .. لقد حصل على دعوة مسبقة ، أعدت النظر للسيارة الخضراء القديمة ، و لسبب ما خمنت أن الساكن الجديد ربما يكون مسناً أيضاً .

عدت لمكاني ، كانت قد ذهبت لتفتح الباب إثر رنة صغيرة للجرس .

أخذت ترحب بالزائر ذو الصوت المألوف ، إحتبست أنفاسي حين أطل ( الغريب ) بوجهه ، و الذي بدا مندهشاً أيضاً .

لم أستطع كتم صوتي و أنا أصرخ : أنت ؟؟؟ ،عادت إليه تلك الإبتسامة المقيتة ، و هو يجلس على المقعد المقابل ، عاقداً ساعديه أمامه و يجيبني بصوت كأنه يقلدني : نعم أنت .

ضحكت الجارة ، و هي تقول :صدفة جميلة ، أن تنضما سوياً لشرب الشاي معي.

أشحت بوجهي الذي طفر الدم إلى وجنتيه و أنا أقول : ظننت الساكن شخص آخر ، و ليس هو .

إبتسمت و ذهبت لتجلب الأشياء ..

ها قد عدت إذن ؟

جئت ألبي دعوتها فقط و سأمضي

 كان عليك إخباري أنك قادمة إلى هنا كنت سأقلك في طريقي عوضاً عن استئجار تاكسي.

– ظننتك رحلت ( للفيلا الجديدة ) و ضغطت على أسناني لتخرج بلهجة متهكمة . لم أكن أعلم أنك ستترك ذاك النعيم لتقطن في هذا المنزل المتواضع .

 ألغيت شراءها ، فقد إستعدت (منزلي المتواضع ) و أراه كافياً و مناسباً لي .

عادت و هي حاملة صينية بها إبريق شاي من الصيني الأبيض عليه بعض المنقوشات الذهبية ، كنت أعلم أنها تعتز به بشكل خاص لأنها ورثته عن أمها و تفضله كثيراً .

أكواب تخص الطقم نفسه و طبق به شرائح الكعك اللذيذة و التي لطالما أجادت صنعها .

تبادلت مع الغريب نظرات مفادها أن نوقف الحرب و أﻻ نفسد الجلسة على جارتنا الطيبة .. و كلانا إحترم الأمر .

 إستمتعنا بإرتشاف الشاي و تبادل الضحكات كأننا أصدقاء حقيقيين . لم تتردد الجارة أن تذكر أثناء حاديثها أن تذكر سؤال الغريب المتكرر عني و عن عنواني أو رقم هاتفي ، ما جعله يطرق برأسه قليلاً كأنه لم يرد أن تذكر هذا الأمر أمامي .

(بطريقة ما أحسست أن حضوره لم يكن مصادفة و أزعجتني هذه الفكرة كثيرا)ً

أجبتها مبتسمة ، الكارد الخاص به بحوزتي ، يمكنني الإتصال به حالما أردت ذلك .

و إنتقلنا لمواضيع أخرى ..

مر وقت مناسب على مكوثي معها ، قبل أن ألتقط حقيبتي و الكيس الصغير و أخبرها بأن علي الذهاب كي ﻻ أصل في وقت متأخر .

عانقتني بحب صادق و شكرتني على زيارتها مشددة على تكرارها قريباً .. أكدت لها بأن ذلك سيحدث بالتأكيد ، حمل سترته و ودعها خارجاً معي بذات اللحظة .

أريد التحدث معك ببعض الأمور .. كنت أبحث عنك بالفعل .

ولكن الوقت غير ملائم اﻵن ، علي الذهاب..ما الذي تود محادثتي بخصوصه ؟

أعتقد أنه علينا أن نجلس معاً .. الأمر يستحق.

إن كنت ﻻ تملكين الوقت الكافي فعلاً سأوصلك للمنزل ، و أستغل الوقت المهدر في الطريق للحديث .

كان يبدو جاداً للغاية و هكذا إنطلقنا معاً .

ضربات خفيفة على ذراعي المكشوف أيقظتني من نومي ، فتحت عيني فإذا بها الصغيرة تحمل دميتها و تقف حافية بجلباب النوم قرب فراشي .. ملت على جانبي الأيسر و مددت يدي لأتأكد من الوقت ، كانت الرابعة صباحاً و بضع دقائق..

سألتها بصوت مثقل بالنوم ﻻ تخلو نبرته من الفزع : ماذا هناك ؟؟ هل حدث شيء للعمة ؟ أو أمك ؟

لكنها مدت سبابتها و ألصقتها عمودية على شفتيها الصغيرتان و هي تقول : أوششش .

أشارت لي بكفها أن آتي معها .. كنت أحاول النهوض حينما أمرتني بحسم أن أمشي حافية ، و لسبب ﻻ أدركه على وجه التحديد ، إمتثلت ﻷمرها دون أي تعليق .

كانت تسير ببطء في الرواق الطويل الذي يفصل بين غرفتي و غرفة المكتبة . ثم عرجت يساراً لأجدني قبالة نافذة صغيرة لغرفة لم ألجها أبداً ولم أنتبه لوجودها طوال فترة مكوثي معهم .

من بين شيش الشباك الخشبي العتيق ، من حيث ينبثق ضوء خفيض أشبه بضوء رتينة ، دعتني أن أنظر بصمت و حذر .

 كانت العمة تتوسط الغرفة و إلى جانبها قطتها “الرهيبة” .. و كانت العمة تتحدث بعبارات غير مفهومة كأن جاناً قد تلبسها ، و عيناها تبدوان شريرتان للغاية ، لم يكن هذا ما أثار إنتباهي بأية حال ، إنما صور أبي التي تملأ الجدار ، صور كثيرة من طفولته و شبابه .. صور رسمية و أخرى التقطت في حفلات و رحلات و جلسات أسرية ، صورة يحتضنني فيها أبي و أنا ابنة ثﻻث سنوات ، لم يبد لي أنها حزينة ، بل غاضبة..

و فجأة أخذت القطة تموء و تنظر صوب النافذة التي نختبئ خلفها ، فتوجه بصرها نحوي مباشرة ، فشهقت ظنناً مني أنها قد رأتنا، حملت الصغيرة و ركضت صوب غرفتي و أغلقتها بهدوء .. شددت الغطاء على رأسينا أنا و الصغيرة التي كانت ترتجف كأنها مريضة من شدة الرعب ، فاحتضنتها و أنا لست بأقل منها خوفاً .. و الحيرة تكاد تفتت عقلي..

سألتها : ما الذي كانت تفعله برب السماء..

أجابت الصغيرة : ﻻ أدري لكنها تأتي إلى هنا بإستمرار .. تحدق في صور هذا الرجل و تقول أشياء ليست جيدة .

كنا بإنتظار أن تأتي و تدخل غرفتي و تصب علينا لعنتها الشيطانية ، لكن هذا لم يحدث على الإطﻻق .

أشرقت الشمس لتجدنا أنا و الطفلة غارقتين في النوم متعانقتين و الدمية محشورة في المسافة الصغيرة التي بيننا ..نهضت الطفلة و دون أن تضيف أي كلمة ركضت و أغلفت الباب خلفها ، نهضت بدوري ، حظيت بحمام منعش لأقذف بالكوابيس و الهواجس بعيداً عن ذهني .

نزلت للطابق السفلي .. كان الجميع حول المائدة بإنتظاري .. حتى الطفلة ، تبادلنا نظرات سريعة ، ثم أحنت الصغيرة رأسها صوب طبقها تحاول أن تصيب قلب الزيتونة بشوكتها، بدت لي العمة عادية جداً غير أن نظرات القطة كانت عدائية بشكل ملاحظ ، تناولنا إفطارنا في صمت تام .. ثم غادرت بهدوء بعد أن قدمت شكري على الطعام .

تحت إحدى الشجيرات القليلة ، المغروزة في فناء البيت كنت أسند ظهري و أفكر ، ما الذي يدفع الغريب ليطلب مني شيء كهذا ؟ و بذات الوقت “وجه العمة” يضيق على عقلي مساحات التفكير ، ترى ما الذي يعنيه ما رأيت ..صوت تكسر غصن يابس تحت قدم أحد يخطو صوبي جعلني ألتفت .. ﻷجدها العمة و بيدها ملف ضخم يحوي العديد من الأوراق الصفراء القديمة .

جلست بقربي دون أن تستأذنني و أسمح لها بفض خلوتي ، فتحت الملف في صمت و أخذت تقلب في بعض الأوراق ، ثم بسطتها أمامي قائلة : ربما عليك أن تطلعي على هذه الوثائق و الأوراق القانونية ، أخذتها بين يدي أطالعها بينما أردفت هي تقول : ظننت أن اﻷشياء بوسعها أن تموت بموت والدك ولم أتوقع أن تأت أنت قط لتثيري المشكلات .

قطبت جبيني و أنا أستحثها أن تقول شيء يشرح لي اﻷمر.. و دون أن تنظر لي أكملت حديثها:

كان والدك صاحب الحظ من بيننا جميعاً نحن الأشقاء التسعة و كان أصغرنا ، كان اﻷجمل في طفولته و الأوسم في شبابه و الأحب لوالداي و للأسرة .. الأذكى و الأكثر حيوية و نشاطاً ، نال تعليماً رفيعاً بجامعة مرموقة ، تزوج والدتك و كانت الأجمل بين نساء المدينة .. بإختصار نال كل شيء ، بينما لم ننل ربع ما حظي به ..

لذا لم أستطع أن أكن له ذات المحبة التي كان يكنها لي ، في الحقيقة كنت أكرهه..

كان جسدي كله يرتعد و أنا أنظر لعروق يديها و جبينها البارزة و عيناها المحمرة و تعابيرها الحاقدة حتى بعد وفاته بكل ذاك الوقت ، إلتفتت إلي و هي تقول بلهجة صريحة : هل تعرفين كيف مات أباك ؟

أجبتها بصوت متلعثم ، كنت صغيرة للغاية و لكنه عانى من آﻻم في معدته ، بإبتسامة ماكرة .. أضافت لي : كالتي تشعرين بها اﻵن ؟ كانت معدتي تنقبض بالفعل محدثة آﻻم رهيبة بصورة مفاجئة ..

أمرتني بلهجة قاسية .. أنظري للأوراق التي بحوزتك .. أخذت أقلبها بيدين مرتجفتين و عيناي تكاد ﻻ ترى شيئاً .. و أخذت تصرخ بصوت مرتفع مشحون بالكره ( كل هذه الأوراق تشير بأن والدك هو الوريث الوحيد لكل ممتلكاتنا بعد أن قام والدي بتسجيلها باسمه و توثيقها و حرماننا جميعنا من الميراث ) أخذ كل شيء .. كل شيء .. لذا كان يجب أن يموت . و أخذت تضحك ضحكات هستيرية .

 

ثم أشاحت بنظرها بعيداً كأنها تستعيد تلك اللحظات .. فاجئتني بسؤالها : هل أعجبك عصير العنب الذي أعددته لك بالمساء ؟  و دون ن تنتظر مني إجابة و أنا يعتصرني اﻷلم ، هو ذات العصير الذي أعددته لوالدك و عادت تضحك من جديد .. السم اﻵن يسري في جسدك ببطء ، أنا آسفة لأنك يافعة جداً على مواجهة الموت .

لكن ليس بوسعي أن أجعلك تأخذين كل ما أنميته و ادخرته طيلة السنوات الماضية .. أنا من أنجحت الشركات و حافظت على إزدهار تجارتنا .. أنا من ضاعفت ثروتنا .. و لن أتركها لك يا إبنة … الجميلة .

 سألتها بصوت واهن : لم كل هذا ؟  أخذت تبكي و تقول : أنا مصابة بالسرطان و سوف أموت كما مات زوجي ، يجب أن أترك ﻷبنائي ثروة ليعيشوا في رفاهية .. ليست كل الحياة ملكاً ﻷبيك و من بعده ترثينها أنت ..

ثم نزعت عني الأوراق و نهضت .. قالت بإبتسامة : تشجعي ، ما هي إﻻ دقائق معدودة و ينتهي الأمر .. بينما تلفظين روحك (فكري أن تسامحيني و تلتمسي لي العذر).

أخرجت هاتفي و كنت أتصل بالغريب بعد أن صرت أتلوى على العشب اليابس ، جاءني صوته من بعيد بعيييد .. كل الذي كان بوسعي أن أقوله له : أنا أموت مسمومة تعال لحديقة منزل عمتي الذي أوصلتني إياه باﻷمس .

ثم فقدت وعيي تماماً.

كانت الخامسة مساءاً عندما أفقت من غيبوبتي و كان الغريب جداً قريب من رأسي ، كأنه يدعو و يتلو بعض الصلوات على جبيني ، و ثمة أسلاك و أنابيب كثيرة موصولة بيدي و فمي و أنفي مسببة لي الضيق و الألم ..

كنت بحاجة لأن أسعل قليلاً .. ما جعل الغريب يدنو برأسه ليرى وجهي و أخذ يصرخ بسعادة : كتبت لنا النجاة .. لقد استيقظت

ثم أعاد نظره لي ليتأكد .. ثم أخذ يسألني بلهفة : هل أنت بخير ؟ .. هل تشعرين باﻷلم .. حركت رأسي ببطء و أنا أقول : أنا بخير، جاءت إحدى الممرضات و هي سعيدة .. قالت لي : حمداً لله على سلامتك .. هل تشعرين أنك بخير ؟

و أخذت تقيس نبضي بيدها و تفتح عيني لتنظر فيهما .. ربتت على كتفي بإبتسامة و قالت : كتبت لك النجاة .

ثم إنصرفت لتستدعي الطبيب المعالج ، كنت للحظات قد نسيت كل ما حدث ، ثم تدريجياً بدأت أسترجع الأحداث ، دخل الطبيب و وراءه الطفلة و أمها و هما ترتديان ثياب سوداء .. عاينني الطبيب و طلب إجراء بعض الفحوصات قبل أن يقرر إستقرار حالتي الصحية ، ثم إلتفت للسيدة و طفلتها آمراً إياهن أﻻ تزعجاني .. و وعدنه بذلك .

ألقت الطفلة وجهها في صدري و أجهشت بالبكاء .. فسحبتها والدتها بهدوء و لطف ، معتذرة مني ، سألتها بذعر : لم السواد ؟؟

 أسدلت جفونها للحظة و تسربت من بينهما دمعة حارة ، ثم قالت بصوت خفيض آسف : لقد توفت والدتي ، لقد علمت أنا و إخوتي بشأن ما صنعته بك .. أنا فعلاً آسفة لذلك .. وﻻ أعرف كيف أقدم لك الإعتذار بطريقة ملائمة .. ما حدث كان رهيباً . إلتزم الغريب الصمت ، لكنه كان يغلق قبضته على يدي فبلغتني رسالته التي مفادها ( لن أبتعد عنك ) .

قلت لها : أنا آسفة بصدق لأجلها ، وﻻ داعي لذكر الأمر اﻵن ، كانت ممتنة لموقفي المتسامح ، جذبت الصغيرة من يدها و خرجت مودعة إياي .

سألت الغريب : كم ساعة مرت و أنا نائمة ؟ قال لي : ثلاثة أيام

حقاً..

ﻻ تشغلي بالك باﻷمور اﻵن .. عليك أن تستعيدي عافيتك .. سأشرح لك كل شيء ﻻحقاً .

أمضيت يوماً آخر تحت المراقبة .. قبل أن يسمح لي الطبيب بمغادرة المشفى ، كان الغريب هناك بالطبع و حمل كل متعلقاتي إلى سيارته و ساعدني على الجلوس في المقعد ، أوصد الباب خلفي ، ثم توجه لمقعده أمام مقود السيارة ، إبتسم لي و هو يقول : الشكر لله .. و حمداً لله على سلامتك .

لقد رتبت أمر مكوثك مع جارتك القديمة لتعتني بك ريثما تتعافين .كنت ممتنة له ، أدار بعض الموسيقى الهادئة ، ثم إلتفت لي قائلاً .. ستساعدك على الإسترخاء .

لم يتحدث طوال الطريق ، و كنت أنا شاردة من وراء النافذة أرقب الطريق و أفكر في كل الأشياء التي حدثت على نحو جنوني في الأيام الماضية ، لم أنتبه إلى بعد أن وقف أمامي و فتح باب السيارة ، مد يده لي و هو يقول : أهلاً بك في الديار .

 إستقبلتني جارتي بترحيب ودود و كثير من الدموع و اﻷسف لما حدث معي .. قبلت وجنتها و قلت لها ﻻ تبك ، أنا اﻵن بخير

توجهت لفراش وثير حيث أشارت لي .. و وضع الغريب أغراضي .. ثم إستأذنني بالإنصراف .. وعدني بالقدوم في المساء أو في حال احتجت له قبل ذلك .. ألقى لي بابتسامة لطيفة ثم اختفى .

 سارت الأيام بمشاعر غريبة متناقضة ، لم أعرف كيف أحدد مشاعري تجاه عمتي المتوفاة ، كانت شريرة بحق و ربما إستحقت موتها ، و مع ذلك شيء في قلبي جعلني أتعاطف معها .. تذكرت طلبها أن أسامحها قبل أن أموت .. فقررت أن أسامحها بعد أن ماتت ..

 جاء الغريب بالمحامي بعد أسابيع و معه الأوراق الخاصة بي ، و معه أبناء عمتي الذين أبدو أسفهم و تأكيدهم بعدم معرفتهم لهذه القصة طوال السنوات البعيدة تلك ، تم تأكيد الأوراق باسمي و نقل ملكية كل الممتلكات لي و تسجيلها بشهادة الجميع .،ثم إحتفلنا في المساء بمناسبة عودتي للحياة ، و عودة ممتلكاتي لي ، و مصالحتي مع أبناء عمتي و تسامحنا تجاه ما حدث .

 كنت أرتدي ثوباً جميلاً أرسله لي الغريب لهذه المناسبة ، أقف قرب تلك النافذة التي تطل على بيتي القديم ، عندما إقترب مني الغريب و هو يحمل كوب عصير بيده ، أطلق ضحكة صغيرة و هو يقول : ظننتك ستمتنعين عن شرب العصائر للأبد .

ضحكت و قلت له : دعك عن هذا الهراء..

حول نظره لي بطريقة غريبة بدت لي نظرته ثاقبة أكثر مما يجب ما جعل الدم يتدفق إلى وجنتي .

قال لي بنبرة جادة : ماهو رأيك بعرضي السابق في أن تديري لي أعمالي ؟

قلت له : لست جاد أليس كذلك ، لقد توليت للتو مهام إدارة أعمال ﻻ علم لي بها و ما زال رأسي مثقلاً بالحيرة .. كيف سأتدبر اﻷمر .

إبتسم لي غامزاً .. ما رأيك لو حولت طلبي إذن لنجعلها شراكة بين شركتينا لأنهما تعملان بمجالات تكمل بعضها ؟

قلت له : سأنظر في اﻷمر..

إقترب خطوة أكثر و ثبت إنسان عينيه في عيني و قال : ما رأيك لو جعلنا هذه الشراكة تتمدد لتشمل الحياة ؟

لم أجبه قط ، بل توجهت بنظري للنافذة من جديد .

سألته بعد دقائق طويلة : كم الساعة اﻵن ؟

أجابني بصوت هامس : إنها الثانية اﻷولى .. للتو بدأت الحياة .

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

2 تعليقات

  1. I want these kind of Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com! Are put very well, and all of my girlfriends really like these. Concerning that greyish. Appropriate. Each with everything else. I really draw them Skinny jeans, pantyhose, pants and then tights. I believe these are typically significantly more sensible as they quite simply could be worn out many many approaches and they are remarkably constructed and stylish! Absolutely love!

أضف تعليقاً