الرئيسية / العدد السابع والعشرون / بريد القراء: المتشرد الحكيم

بريد القراء: المتشرد الحكيم

SOCRATES_stone_statue_carving

محمد عبد الغفار:

**

عاشوا بيننا ذات يوم. أثـروا حياتنا بعصارة إبداعهم وخلاصة فكرهم. آثروا على أنفسهم إضاءة الطريق نحو مستقبل أفضل ليمسحوا عن الإنسانية دموعها ويرسموا البسمة على شفاهها. دفعوا الثمن عن طيب خاطر ودون تردد، بعد أن لاقوا الهوان وقاسَوا الويلات وتكبّدوا المشاق حتى قدّموا للإنسانية المعذبة ما تستحق.. وُلدوا في بيئات فقيرة ونشؤوا في ظروف حياتية صعبة وعاشـوا شتـّى صور البؤس والشقاء، لكنهم وقفوا صامدين ليصنعوا التاريخ ويُعيدوا كتابته لنا في ملاحمَ بطولية رائعة… إنهم عظماء التاريخ، الذين انهارت عليهم الأحجار وخرجوا من تحتها شامخين…إنهم عظماء من تحت الصفر.

أما هو  فأكثر الرجال عظمة في العالم القديم.أكثرهم حكمة وجرأة وشجاعة وإحتراما، فضّل الموت على أن يتوقف لسانه عن قول الحق.رفضت أقدامه التراجع عن الطريق دون إكماله .أدرك وظن أنه يحمل الخلاص للإنسانية البائسة حين بدأ حياته كفنان ليتحوّل سريعا إلى الفلسفة التي اكتسب معها سمعة عظيمة كمفكر عظيم. تنبأ قبيل تنفيذ الحكم عليه بالإعدام علانية وعلى مسمع من القضاة أنه لن يكون الضحية الأخيرة للسلطة العمياء حين قال : إن التاريخ سيشهد من بعدي أن لا خاتمة أو نهاية لقافلة العظماء الذين سيقدّمون للموت من وقت لآخر تارة باسم الشعب، وتارة باسم الدين، وتارة أخرى بدافع المصلحة العامة.

كانت عظمة سقراط قد تكوّنت من خلال الخيوط المتشابكة التي امتدت فيما بعد لتصنع مجده وعظمته حتى النهاية، فولادته لم تكن سوى في (ألوباس)، تلك المدينة التي شكّلت مسقط رأسه حيث أسرته الفقيرة التي لا تمتلك حينها حتى ثمن نقله لتعلّم القراءة والكتابة، وحيث والده “سفروسيك” النحّات المغمور ووالدته “فاناريتا”، تلك الأم الفاضلة التي اكتسب منها عظمة الأمور وصدق الكلمة وعذوبة الألحان منذ خروجه إلى دنيا اللارحمة ليجد نفسه متقوّقعا داخل خانة الصفر التي لا ترحم، قبل أن ينتقل إلى العاصمة أثينا التي كوّنت نشأته وبلّورت فكره وذهنه وتفكيره وصنعت له المجد والشهرة والعظمة حتى اعدامه كان هناك.
بدأ سقراط حياته البائسة بإتقان مهنة والدة النحّات التي انغمس فيها حتى أخمص قدميه لدرجة فاق إتقانه لها إتقان والده، وأضحت تلك المهنة بالنسبة له باباً بسيطا ووحيدا للدخل في حقبة زمنية انعدمت فيها الحرف والصناعات والمهن المرموقة، بل منعت في وجه الفقراء وأبناء الطبقات السفلى من المجتمع. عاش راضياً قانعاً لا يكلّ ولا يملّ، قانعاً بحياة الفقر والبؤس الشديد وغير آبه بمظاهر الغنى الفاحش لدى أبناء جيله من الطبقات الراقية، يكتفي بوشاح أبيض رخيص من الصوف، يسير على الدوام حافي القدمين في الصيف والشتاء، يمثل صورة المتشرّد والحكيم في آن واحد، فهو لم يرث حرفة والده النحات، رغم عمله فيها بعض الوقت فقط متحدّيا بذلك العادات والتقاليد حيث يرث الابن صنعة والده. لم يرث تلك الصنعة ولم يمارس أي مهنة أخرى بقدر ما اكتفى بالتجوال في أنحاء المدينة يحاور المواطنين سائلا إيّاهم على الدوام عن مفاهيمهم الأخلاقية والسياسية، يعترض الناس، لا سيما الشباب منهم، في الشوارع والأزقة والساحات العامة وتحت ظلال أشجار الزيتون لمدة خمسين عاما، يحاورهم ولا يكفّ عن مناقشتهم، رافضا أي أجر على الدروس التي أضحى يلقيها عليهم بعد أن أصبحت أثينا تحفل بالفلاسفة والخطباء والسياسيين الذين لا يفتؤون يبحثون عن الطلاب والمريدين، والذين أطلق عليهم اسم «السفسطائيين» إيماناً منه بأن ممارسته الفلسفة ممارسة عملية وعفوية وطريقة للحياة لا تستحق الأجر والمقابل، فتجّمّع حوله المئات من التلاميذ، الذين كان على رأسهم أفلاطون، لدرجة أضحت معها صلته بأفراد مجتمعه ومريديه أوثق من صلته بأفراد أسرته (كان سقراط متزوجا من السيدة “زانثيبي” وأبا لثلاثة أطفال) بعد أن نذر لهم نفسه وتعاليمه وأضحى زاده الأول والأخير هو مناقشة الشباب في شؤون العدالة والأخلاق، يجادلونه ويتحدّونه ويسخرون منه أحياناً أخرى، ولعلّ هذا ما جعل أحد المسرحّين يتخذ من سقراط موضوعاً لمسرحيته الساخرة بعنوان «السحاب»، التي صور فيها سقراط كسلّة معلّقة في الهواء وهو يخاطب الغيوم ويستوحيها في إيجاد حلول صالحة لقضايا بلاده وأمته .

في ساعة مبكرة من كل يوم يلاحظ الناس أنه يخرج مسرعاً حافي القدمين،عاري الصدر والرأس .يهمهم فيطلق من شفتيه صوتاً يعني”صباح الخير”…..ثم يمضي محدثاً نفسه :ولكن ماهو الخير ؟!..أخيري أنا أم خيرك أنت أم خير الناس جميعا ؟؟ أهو خير الأغنياء أم الخير الذي ينشده الفقراء ؟ وما هو الخير.. الذي يطلبه المظلوم ؟؟ و ما هو ..الذي قد يريده الظالم؟..وكثيراً ما سمع الناس سقراط يهمهم ويقول :ولكنني لا أعرف الحقيقة ؟ إنني أحاول أن أفهم ولكن لا أستطيع ..فكان التساؤل الدائم والشك ديدنه في الحياة ومع تلاميذه الذين إذا قدموا له تلميذاً جديداً يقولون له يا أستاذنا هذا هو التلميذ الجديد فلاناً ..أبوه…وأمه ….وطبقته الاجتماعية…وهو لا يعمل إنما يريد أن يتتلمذ على يديك قبل أن يعمل …الخ,هنا تبرق عينا سقراط وتنفجر داخله ألوان من الأسئلة وليس من الضروري ان يجيب عليها التلميذ فسقراط لا يسأله بقدر ما يتساءل أمامه: لماذا اخترت الفلسفة؟

_إنما أنا اخترتك يا أستاذ

_وما الذي اخترته …إن كان جسمي فهو ملك لي,ثم إن جسمك أكثر حيوية وشباباً..وان كان عقلي فهو ليس ملكاً لأحد ..ثم ماذا تريد أن تعمل؟ إن كنت تريد أن تصبح نجاراً فاذهب إلى النجار ,وان كنت تريد أن تصبح طبيباً فاذهب إلى الطبيب …ولكن الفلسفة؟؟ ما لذي تريده منها؟ و ما لذي تريد أن تكونه ؟ ثم من قال لك أني أحسن الناس ,أو من قال لك أنك أحسن الاختيار؟ وهل اخترت بكامل حريتك أم تقليداً لزملائك ,أو هرباً من بيتك ,أو عناداً لوالدك الذي لا يطيقني ,أو اتفاقاً مع أمك التي تريد إغاظته وتضحي بمستقبلك…قل لي بالضبط!!

وفي يوم التف حوله التلامذة يتساءلون ويتجادلون إلا واحداً…ظل ساكناً,كلما اتجهت إليه عينا سقراط جعل ينظر إلى قدميه ..وكلما حاول سقراط أن يقترب منه هرب بعينيه بعيداً …حتى قال له أخيراً حكمته البليغة (تكلم حتى أراك)!!! أي تكلم لأعرف من أنت ؟ما تفكيرك وما هدفك؟؟ما هي آمالك في الحياة و مالذي يقلقك على نفسك!؟ …هكذا كان سقراط يقول إن لم تسأل فلن تعرف وإذا لم تسأل أكثر لن تعرف أكثر وإذا لم تندهش فلن تسأل ,فالدهشة هي بداية المعرفة لنفسك وللآخرين لعالمك ودنيا الناس .وكان كل أب يبحث عن ابنه فلايجده فإنه يعرف بالضروره اين هو …فيذهب إلى أحد ميادين أثينا ليجد مجموعه من الشباب قد التفوا حول سقراط ..فالشبان قد تركوا المدارس والوظائف والأعمال والحياة ..لا يريدون أن يأكلوا ولا أن يشربوا ..ولا ان يسمعوا لنصائح والديهم..فلا أب الا سقراط ولاحكمه او نصح إلا من سقراط ولا هدف إلا سقراط .ثم مالذي يقوله لهم انه يشكك في كل شيء ,ولا يتقبل كل حقائق الدين والحياة دون بحث أو مناقشة لقد زلزل سقراط كل أسس الدين والتقاليد والأسرة والأبوة والأمومة..ثم إنه المحتقر العظيم لكل صاحب سلطة أو مال وجاه أو جمال ,فكل شيء فان والانسان مادام فانيا فكل ما له علاقة به زائل ..والباقي هو الفكر والحقائق التي تجيء بعد تأمل ..الخير والحق والجمال والعدل والفضيلة التي هو جوهر كل سلوك انساني .

إلى أن ضاق الآباء وقرروا القضاء على ذلك المفسد والمحطم لآمالهم في  أبنائهم  والخائن للوطن والداعية الى دين جديد كما اتهموه  فاتجهوا الى القضاء ,ووقف سقراط وحوله الشباب ووجهت له تهم :تكفير الشباب وإفسادهم ,ودعوتهم الى إسقاط الحكومه والنظام والتقاليد  وتحقير كل الآلهة وكل الأديان ,ولم تسمع المحكمه لوجهة نظر سقراط في أجمل وأروع مرافعة في التاريخ فحكمت عليه بالاعدام .ونصحه تلاميذه بأن يطلب العفو والرأفة إلا أنه رفض وانتظره القضاة ان يستعطفهم لكنه أبى فخيروه بين الشنق وأن يموت مسموماً فاختار أن يموت بيده .وسجل لنا تلميذه افلاطون الساعات السابقة لموته وهي صفحات من أروع ما عرفت الفلسفة والأدب وعلم النفس والتربية .فجيء بمن يحمل السم ,وودع سقراط تلاميذه وأوصاهم بالتساؤل ليعرفوا أكثر وبالتعمق فيما يعرفون,وطلب أن يكون وحده عند تناول السم ,,,فاخذ الكأس وأدناها من فمه فتقلصت أساريره وأحس بمغص عنيف ووضع يده على بطنه ,,أخفى وجهه دون أن يظهر الألم وتمدد وتوارى مثلاً أعلى ونموذجاً رفيعاً لحب الحقيقة والدعوة لها والموت في سبيلها بشجاعة وكبرياء .

مات سقراط عن سبعين عاما سنة 399 ق.م واختلف تلاميذه من بعده وتشتتوا فقد مات الراعي فتفرقت الأغنام …انقطع الخيط فانفرطت حبات العقد …وبعضهم حاول تقليده بلامعنى لقد أخذ سقراط المعاني معه فأصبحت ألفاظهم بلا معنى .أما تلميذه العظيم أفلاطون _الذي نشر هذه المحاورات فقد فشل في تحقيق حلم الفلاسفة في أن يكونوا ملوكاً يطبقون آراءهم…وتحقيق حلم الملوك في أن يكونوا فلاسفة فتكون لهم القوة   والحكمة لهم السيف والمصباح ….لهم الطريق والطريقة !

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً