الرئيسية / العدد الثامن والعشرون / خواطر في الخط الفاصل بين الإلهام و السرقة الأدبية

خواطر في الخط الفاصل بين الإلهام و السرقة الأدبية

مرسال

إبراهيم مرسال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

قبل أيام قام صديق لي برفع صوره على الفيسبوك .. الصورة عبارة عن صفحة من مجلات ميكي , نرى فيها  (بطوط) و أبناء أخيه يقومون بحماية عمهم دهب من تعدي الأشرار على أحلامه .. الفكرة ان الأشرار قاموا عبر جهاز ما بإقتحام أحلام عم دهب, و يحاولون إقناع عم دهب في الحلم ليكشف لهم طريقه فتح خزنته الشهيرة ويسرقوا أمواله ..

هذه القصة قريبة بصورة مذهلة من قصة فيلم Inception الشهيرة .. ورغم ان الكثيرون قد حاولوا عبر طرق عديدة اثبات أن فيلم (كرستوفر نولان) قد تمت سرقته من مصادر عدة , الا ان الفيلم يظل اصيلاً رغم تشابه قصته مع قصص كثيرة قبله..

هذه الصورة جعلتني أفكر بعمق بين الفوارق الضئيله بين الالهام, السرقه, توارد الخواطر .. مفاهيم, في الفرق الضئيل بينها يكمن تحولك من فنان يفخر بعمله , الى مجرد لص ينتظر الفضيحة ..

11195399_10153313878286942_1796601312_n

والوضع في عالمنا العربي سيء .. خصوصاً مع قوة الانترنت و اتساع رقعة انتشار الأعمال .. يظل هناك جهل تام من جانبنا بقواعد النقل و حقوق الملكية الفكرية ..

 قبل فترة قامت صديقة لي بنشر أحد تصاميمها الفنية ( لزيارة صفحتها على الفيسبوك إضغط هنا ), لم تمر أيام قليلة حتى نشرت صورة أخرى منسوخة بالكامل من رسمتها الأصلية , يتم عرضها في احدى الجامعات .. لم يكن المؤسف السرقة البينة للعمل (الى درجة وضع توقيع السارق على التصميم), المؤسف كان انه بعد قيامنا بنشر الصورة على مواقع التواصل للتحذير من مثل هذه التصرفات .. فوجئنا بأصدقاء السارق يهاجموننا .. حجتهم كانت ان الرسمه كانت على الانترنت و لا تحمل توقيع صاحبة الحق , فجاز نسخها و عرضها على انها عمل أصلي من عمل السارق !! .. اكتشفت يومها ان الأمر أخطر من مجرد السرقة .. ان مفهوم الملكية الفكرية نفسه لم يترسخ لدينا بعد !

10751799_10153313896096942_620052361_n

1- الصورة الأصلية 

11210090_10153313896196942_743912312_n

2- الصورة المسروقة

في الفنون .. تظل الموسيقى هي الساحة الأبرز لمثل هذه النقاشات .. المحاكم مليئة بقضايا تدور حول إجابة السؤال : متى ينتهي الالهام و تبدأ السرقة ؟ .. كلنا نسمع أغاني معينة , ثم نرى مع الزمن أن اذهاننا قامت بإعادة توزيعها .. هل إعادة التوزيع هذه عمل خالص في ذاته أم عمل يحق لغيرك التمتع بنتائجه ؟ ..

عموماً فإن قوانين الملكية الفكرية محددة بزمن .. يتحول العمل بعدها الى ملكية عامه ,  يشرح الكاتب (مالكوم جلادويل) في مقاله المرجعي عن الملكية الفكرية ” شيء مستلف , هل يجب على تهمة سرقة أن تدمر حياتك ؟ ” : ” ان قوانين الملكية الفكرية ليست تعبيراً مباشراً عن مقولة لا تسرق , بل هي حماية محدودة بمدة زمنية , تخول لصاحب الحق الاستفادة الاقتصادية من إختراعه , لكنها كذلك تعطي حق الإستخدام و التطوير للمجتمع بعد مرور مدة زمنية معينة ” .. لا يعني هذا أن تنتظر فترة ثم تنسخ , وكتب اسمك على المنسوخ .. لكنه كذلك لا يعني قفل باب التطوير بمجرد وضع اسم ما على العمل !

احد أشهر الفنانين عبر التاريخ,  بيكاسو, إشتهر بأصالة افكاره و مواضيع لوحاته , لكنه نفسه القائل : ” الفنان الجيد ينسخ , أما الفنان العظيم فيسرق” .. والجملة رغم انها في بادئ الأمر تبدو كتشجيع على السرقة وعدم إحترام حقوق الملكية الفكرية , الا إنها في الواقع, حسب قرائتي لها , جملة يمكن اعتبارها كمنهاج يدور حوله العمل الابداعي .. هناك مفهوم يقول أن الأصالة وهم , كل ما يمكن أن يقال قد قيل .. وتحضرني هنا قصة الفتى الذي سمع عن شاعر يقول بقدرته وتمكنه من اللغة العربية فتحداه بأن يأتي بحرف جديد في اللغة  .. وجملة بيكاسو, رغم أنها تقول بالسرقة , الا أن تفسير معنى السرقة يحمل عبقرية الجملة .. أنت حينما تسرق , عكس النسخ .. تأخذ ملكية العمل .. فكأني ببيكاسو يدعوا الفنانين الى النظر حولهم و استلهام الأفكار من الأعمال التي تجذبهم , ثم إمتلاكها بوضع بصمتهم و صوتهم على هذه الأعمال .. الأمر كله يدور حول الإمتلاك .. أن يعبر العمل عن رؤيتك انت .. عكس النسخ .. الذي هو من دلالة الكلمة يحمل معنى أن تنقل العمل كما هو دون إضافه من عندك ..

لكن ماذا عن توارد الخواطر؟ .. أن يكون عملك عن أصالة نسخة من عمل اخر قبلك, أو متزامن معك , دون سعي منك للسرقة أو النسخ ؟ ..  علماء النفس يسمون هذا الأثر بالترسب اللاواعي .. ترى صورة او تسمع قصة , ثم تنسى انك سمعتها ويقوم وعيك باعادة إنتاجها كأنها عمل أصلي من خيالك , وقد يحدث أن ينهل المبدعون من نفس المنبع, كما يقول التعبير المبتذل .. المحترفون يقومون بالبحث المكثف قبل نشر أي عمل , يبحثون عن أعمال تتناول نفس المواضيع ثم يقومون بالمقارنة .. شبهة السرقة منعدمة هنا , لكن الجهد هو من أجل تجنب اعادة انتاج العجلة .. وقد يحدث أن تكتشف بعد نشر عملك أنه مشابه بصورة غريبة لعمل اخر .. التشابه ليس سرقة , لكن جميعنا يتمنى أن يكون متفرداً بطبيعة الحال و يكره ان يلبس شخص ما قميصا يقارب لونه لون قميصنا الذي نلبسه !!.

في الغرب تطورت الحياة بحيث صارت السرقة او الاقتباس المخل جريمة كبرى .. ان مفهوم Plagiarism هو كابوس أي باحث أو كاتب .. الاتهام بالسرقة الأدبية في الغرب , مثل الاتهام في الشرف عندنا.. و قد ينهي مسيرتك تماماً ..

لهذا توجد أشكال متعددة في السينما مثلاً للتصريح بأن العمل مقتبس .. هناك الـReboot حيث يتم اعادة إنتاج عمل قديم أو سلسلة ولكن بإتجاه مختلف عن الأصل .. مثل ما حدث مع سلاسل أفلام الأبطال الخارقين .. هناك الـREmake حيث يتم اعادة إنتاج العمل بنفس شكله , ويكون غالباً للاستفادة من التقنيات الحديثة , أو لأن صناع الفيلم يرون أن الوقت مناسب ليحقق فيلم قديم أرباحاً عديدة إذا أعيد إنتاجه.. أما على مستوى الشخوص .. فيقوم المخرجون كثيراً بما يسمى بالـHomage أو الاشارة .. يتم هنا إستعمال تقنية أو لقطة مشهورة لمخرج , من قبل مخرج آخر,  كنوع من أنواع التحية او التقدير .. وهي غالباً تعبير عن الامتنان للأثر العظيم الذي أحدثه المخرج السابق في المخرج اللاحق !

في كل الأحوال يتم الإجتهاد في الاشارة الى صاحب العمل الأصلي .. وفي هذا احترام و تقدير لحقيقة تسلسل الابداع و كون الفنان لا يستطيع أن يعمل بمعزل عن من سبقه .. المصيبة , أن وعينا الجمعي العربي و الافريقي , يعتبر السرقة الأدبية نوع من الفلهمة .. يبدأ الأمر من قاعات الدراسة , حيث النسخ وسيلة النجاح.. ويستمر مدى الحياة ..

أن الاشارة الى صاحب العمل الأصلي ترفع من قدرك. فليس أسوأ على السمعة من أن يعلم الناس أنك ناسخ درر .. أسرق كما قال بيكاسو و أمتلك الابداع, ولا تنسخ!

عن إبراهيم مرسال

mm
صانع أفلام يعيش ويعمل في النرويج .

أضف تعليقاً