الرئيسية / العدد السادس والعشرون / عندما تحررت القصيدة من أسر الفراهيدي

عندما تحررت القصيدة من أسر الفراهيدي

PoetryWeb

كوثر عبد الله :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إن الشعر يشغل الحيز الأكبر في الفن الأدبي -من حيث الإهتمام- مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى، ربما لأنه ينبت من أصول ضاربة في القدم قد يصعب تحديد أصل نشأتها ، أو لأنه طاقة تعبيرية تمتزج فيها مجموعة من العواطف والمشاعر والتراكيب اللغوية والأخيلة والأسجاع التي ترهف آذان النفس الحساسة،بالإضافة لأنه الأقرب والأسهل في إيصال الفكرة سواء كانت معاناة حياتية يومية أو قضية نفسية إجتماعية أو سياسية.

وقديماً قسم “أرسطو” الشعر إلى ثلاثة ضروب هي: شعر الملاحم وشعر الملهاة وشعر المأساة وكان يرى أن الشعر ينحصر في (المحاكاة ) أي تمثيل فعال الناس بكافة وجوهها وبين أن المحاكاة هي التي تفرق بين الشعر والنثر دون تقيد بالوزن.

لكن هذا الإدراك للشعر اختلف اختلافاً جوهرياً عند العرب فقد كانوا يصرون أن الوزن والقافية هي الفيصل بين الشعر والنثر بلا أدنى معارضة ، وهذا يؤكد أن الشعر الذي يشترط الوزن لا يزال إلى اليوم مجهول الأصول.

غير أن هنالك بعض الكتب ككتاب “طبقات فحول الشعراء” لابن سلام وكتاب التيجان وغيرها من الكتب التي روت بعض الأشعار المنسوبة لآدم وتبع والإسكندرية وقيل أن القديس (نيلوس ) الذي توفي حوالي سنة 430.م وصف في الفصل 21 من سفر العدد بالتوراة 17 وفي وصفه تحدث عن إحدى قارات العرب على دير بسيناء كان لهؤلاء العرب بعض الأشعار يستقون بها ، ولعلها من الناحية الفنية لا تصل إلى مستوى القصيدة الراقية لكنه كان اقرب إلى الأناشيد التي سجلت انتصار العرب على الروم ، إلا أنها جميعاً أسقطت بافتراض أنها كتبت بلغة تبعد قليلاً أو كثيراً عن الأدب الرفيع.لكن أقدم نصوص الشعر الصحيحة كانت في القرن الخامس حيث جاءت بلغة محددة ذابت فيها اللهجات واتسق الأسلوب. وشهد عهد رسول الله تطوراً في شكل القصيدة حيث أضيفت بعض الإضافات طورت شكل ومحتوى النص الشعري إلا أن ذلك كان في حدود النقد الذي بدأ بتعقيل العملية الشعرية وانتهى بتجميدها للأبد.

*علم العروض:

في القرن الثامن الميلادي قام الخليل بن أحمد الفراهيدي وبعد استقرائه للشعر القديم بوضع خمسة عشر بحراً ووزناً أضاف إليها الأخفش في مستدركه “في العصر العباسي” لتصبح ستة عشر بحر ، حددت شكل القصيدة من شطر وعجز وقافية ووحدة وزن ، وكان على الشاعر أن يختار أحد البحور لينظم قصيدته وفقاً له. وبلغ إعتداد العربي بالوزن حداً إعتبر معه كل ناظم شاعر وقد قسم النقاد – وكانوا لغويين- الشعراء إلى شاعر مفلق وشاعر مطلق وشويعر وشعرور والسياق الذي حبذوه جنح بالشاعر المحدث إلى التمسك بالأصول التقليدية مما جعل الشعر كله يبدو كمحاكاة مصقولة لنسيج الجاهلين.

رغم أن تقييد قوالب الشعر بما يسمى بحوراً جمد الأوزان وما كان أمام محدثي العصر العباسي إلا الميل إلى الأوزان الخفيفة والقصيرة والإكثار من مقطوعات الشعر التي تتضمن فكرة سريعة أو صورة مختصرة.

وغاب على أغلب النقاد أن “الفراهيدي” عجز عن ضم كل الشعر القديم في أبحره ،حيث وجدت قصائد خرجت عنها كما أنه لم يزعم بأنه “جمع ومنع” أي جمع موازين الشعر كلها ومنع سواها. بل فتح بما سماه (العلل والزحاف )  باب الإجتهاد وهيأ الفرصة لاختيار الإيقاع الذي ينسق كم الوحدات الموسيقية أي التفعيلات.

* شعر الموشحات:

لعل ابن سناء الملك الشاعر المصري المتوفي سنة 608 كان أول من حصر قواعد الموشحات وبين خصائصها في كتابه “دار الطراز” ليكون أول من نظم عملية نقل هذا الفن-عملياً- إلى الشرق.

كان لانتقال الشعر إلى الأندلس أثره في تطوير أوزانه فيما يعرف بالموشحات التي أحدثت تغييراً كاملاً من ناحية الإيقاع والمبنى العام ،ويرى الدكتور جودت الركابي أنه منذ القرن الثالث الهجري بدأت في الأندلس محاولات شعرية للموشحات لكنها لم ترسخ إلا على يد عبادة بن ماء السماء حيث جعل الموشح فناً قائماً بذاته له أسسه وقواعده . والموشح عادةً كلام منظوم على وزن مخصوص قد يتألف من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع ،والتام ما ابتدأ فيه بالإقفال والأقرع ما ابتدأ فيه بالأبيات.

* الشعر الحديث:

لقد تطور العالم إلى آخر متحرك ، فاضطر إنسان القرن العشرين إلى أن يعيد النظر في موقفه من نفسه ومن الكون وكان من واجب الفن أن يستجيب لهذه الحقيقة المتشعبة التي عجزت أساليب القدماء وأطرهم عن استيعابها. وأراد شعراء العصر الحديث لغة ليست لغة العامة بل لغة تتمرد على الرتابة التي تنجم عن ضياع أبعاد الصورة ، لرتابة تكرار الوحدات بصورها التقليدية وان يعيد إلى لغته بُعدها العاطفي وأن يحجب منطق الفكر بمنطق الصورة وهذا سر تميز القصيدة المعاصرة.

في القرن السابق بدأ التغيير يمس جوهر وإطار القصيدة العربية وقد تعرض لعدة إرهاصات وسمي بعدة مسميات كالنظم المرسل المنطلق والشعر الجديد وشعر التفعيلة (لأنها ركيزته الأساسية في وحدة الوزن الموسيقي لكنه لا يتقيد بعدد ثابت من التفعيلات في الأسطر الشعرية) إلى أن سمي بالشعر الحر بعد الخمسينات.

أهم مميزاته إيثار المضمون على الشكل كما أن الإنسان فيه جوهر التجربة ، والجنوح إلى الرمز والأسطورة والتراث الشعبي والإشارات التاريخية وتعرية الزيف الإجتماعي والثورة على التخلف. ومن منافعه على الشعراء تقويم نفسية الشعراء وإشعارها بالعزة والاستقلالية والطموح.

أهم مؤسسي الشعر الحر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب ، ومن روادها الفيتوري وصلاح عبد الصبور ونزار قباني ونازك الملائكة وأمل دنقل.

الشعر الحديث سواءً أن أحببنا أم كرهنا أصبح سجلاً حافلاً لحياة الشعب العربي ومن الصعب أن نرمي به في لجج البحر لأنه غير خاضع للأساليب المعهودة في لغة الضاد إذ انه أضحى فناً من فنون التعبير التي لاقت إستحساناً وتفضيلاً من قبل الكثير من الذين يتذوقون الشعر وينظمونه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً