غير مرئي

11046824_418842001612049_733256626785919322_n

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

في البيت وحدي أصحوا مع أذان الفجر بمساعدة طفل من بورما يتلوا ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون ) كل الألم في (لا يستثنون ) جعلت صوته رنين منبه الهاتف ، وكان ينام معي أحد أصدقائي وزجاجة خمر تحت فراشه , أتوضأ , أجفف وجهي بمنديل الهواء . أتوجه نحو القبلة وأصلي ،أعود إلى فراشي بعد أن دعوت لمن أحب ؛ العجيب أنني لما دعوت لها شعرت بقرصة ألم في قلبي وكأن شظية من ضوء إخترقته , وسرت فيني قشعريرة من الحياء . فاختصرت دعوتي لها بظني بأن الله يعرف ما أريد قوله .

أظن بأن الله يحب الكلمات فكلما كانت الكلمات بليغة وجميلة كلما انتبه أكثر لها .لا لا أظن بأني مخطئ الله ينتبه لدعوة الداعي كلما كانت أكثر صدقاً وكلما ارتفعت درجة الإيمان .

وضعت رأسي على وسادتي وأخذت أقرأ ما أصادفه في المواقع الثقافية من قصائد وقصص ومقالات . إستيقظ صديقي أو رفيق سكني بعيون مفجوعة بالصداع الذي يشعر به . قال لي : صباح الخير .وضع بشكيره على كتفه , سمعته يسب الدين عندما صدم رأسه بباب الحمام القصير فمازحته ( فعلموه الإنحناء ) ، بسبب صديقي المخمور يظنني الجيران أشرب الخمر أيضاً, أراهم يرتابون في أمري رغم أن بعضهم يستفتيني في الدين وأنا بدوري أستفتي قلبي وأجيب على أسئلتهم .

يشرب شايه ويسألني : أي أسلوب حياة أفضل ؟ أجيبه : ظروفك المحيطة هي التي تفرض عليك أسلوباً معيناً . أنا أحلم بحياة أعمل فيها ثلاثة أيام في الأسبوع وأقرأ فيها ثلاثة أيام وأحب فيها يوم واحد .

يرمي بشكيره بعد أن جفف رأسه من الماء ويقول : تحب فيها تقصد بأن تمارس الجنس ؟

أضحك : لا داع لأن أشرح لك , لكني الآن أقرأ كل يوم واعمل سبعة أيام في الأسبوع وأحب في كل ثانية .!

يصلح الوسادة تحت رأسه ويقول : نسيت أن تقول : أكتب كل يوم !

أنهض حتى أحمل صينية الشاي وأقول له وأنا أعطيه ظهري منحنياً لصنبور المياه أغسلها : الكتابة نوع من أنواع القراءة ؛ بمعنى قراءة ما يجري في عقلي وروحي , هي مجهولة جداً بالنسبة لي , أنا آخذ منها عشرون كلمة أو ألف كلمة أو أكثر حتى أعرفها ولو قليلاً , كما يأخذ أحدهم قطرة من دمك ليعرف هل أنت مصاب بالملاريا ؟

في هذا العالم أنا معرض للمرض ؛ والأفكار والمعتقدات هي هذا المرض ,ويحلو لي أن أعرف أي مرض مصاب به . هل أنا عنصري ؟ هل أنا قومجي , إشتراكي , علماني , مؤمن متزمت , أم لا منتمي !

أسأله : هل زال وجع رأسك ؟

يخرج إلى الحوش ويأخذ علبة السيجارة التي تركها فوق الطاولة ويقول ببرود : قليلاً !

أتذكر أنه يكره مثل هذا النوع من الأسئلة , ويبدو شخصاً لا يريد أن يعرف شيئاً عن حالته ،اليوم يوم عطلة لكلانا , نحتاج لأن نتحمل بعضنا ولو قليلاً.

أخذت بشكيري وانحنيت كما كان ينحني الناس عند مدخل خيمة القذافي , وخلعت ملابسي وأخذت أستحم , كان عقلي فارغاً مثل كرستالة صاحبي , لم يشغل فراغه إلا مراقبة صرصور يحاول بيأس الابتعاد عن الماء , يبدو أن رائحة الصابون ترعبه كثيراً , وبعدها أخذ يدور حول نفسه بسرعة ثم إنقلب على ظهره ومات .!

وبعدها عاد عقلي فارغاً كما كان , وكأني تمثال من صلصال تحت الماء , عجيب أن يصبح فارغاً هكذا , كأنها آلية دفاعية تسمح لي أن أستمتع قليلا بوقتي .

قال لي وأنا أمسح رأسي بالبشكير : سوف نفطر في المحطة أليس كذلك ؟

كأنه قال لي : أنا أريد رؤيتها . أجبته على الفور : بالطبع لم لا .

أعرف ما يدور في رأسه إنه يريد أن يراها .!

لم نفطر في المحطة القريبة , بل أخذ يمشي إلى مواصلات ( العربي ) تركني وجلس بعيداً عني _ علمت بأنه يريد بأن يتصل بها _ في مثل هذه الأوقات أصبح غير مرئياً بالنسبة له , أخرج هاتفي وآخذ في قراءة ما نشرته المعارضة من أخبار ومقالات .

أستمتع بكوني غير مرئي . أشير للكسمنجي بأن لا يشغله عن مكالمته وبأني سوف أدفع له .! وأعود غير مرئي مرة أخرى .، ينزل من الحافلة , أشعر بالرعب من طريقة مشيه , إنه حتى لا يلتفت إلي , كاد أن يضيع مني في الزحام عدة مرات  بل ضاع مني ولحسن الحظ كنت أعرف إلى أين يتجه .

مطعم شعبي هادئ تحيط به عدة بنايات شاهقة من كل مكان , بما يجعله يتمتع بظل طيب وهواء بارد ، هاهي التي كادت أن تفقده عقله , حقا إنها جميلة وبقدر جمالها كنت سوف أنساها , كانت سوف تخرج مني مثل خروج الحناء من ظفر العروس .

كان يجلس بالقرب منها كرسيه ملاصقاً لكرسيها بدت سعيدة , تضحك وتسأل عن أحوالي وأحواله : كان هو سعيداً بإخبارها أن أحواله أصبحت جيدة .

سألتني : قراصة بتقلية أم قراصة بدمعة .

أخبرتها بأني لا أحب سيرة الدموع .

ذكرتني بلقبي القديم عندما كنت أتحاشى البنات وسيرتهن وربما لا زلت : ألا زلت تقلية ؟

هو قال : قراصة بنعمية أحسن . ضرب بيده على الطاولة وقال : أنا لا أريد أي إشارة أو أي كلمة من الماضي

وأنا أنهض من مقعدي وأشق الزحام حتى أخذ الطلبات , تذكرت صور زفافها التي نشرتها على الفيس بوك , تذكرت كيف كان رفيقي يقلب الصور واحدة تلو الأخرى . لا زالت تلك الصور موجودة عندي . وقتها رأيت عن كثب كيف يمكن للحب أن يقتل رجلاً .

كنت أحترمها لكني إحتقرتها عندما علمت بأنها عادت لحبها القديم , لكنها في ذمة رجل آخر .! قلت له ذلك فقال : معه بجسدها لا بروحها , لقد تزوجته مرغمة , الأرستقراطيون هم الأكثر قسوة على العشاق .

تبسمها للبحر الأبيض المتوسط لا يدل أنها قضت شهر عسل سيئاً. تمنيت لو أنه في نزوة عبارة صديقي كثير النزوات . يقلب الفتيات كما يقلب الكتب .!

سألتني وهي تغسل يدها التي فيها أثر حناء بسيط : ألا زلت وحيداً . ؟

لا أنا لا أشعر بالوحدة أبداً .

أعرف بأنها تسألني : هل أنت في علاقة مع فتاة ما , فتاة أعرفها بالتحديد ؟

أخذا يتكلمان بصوت منخفض وأخذت أرشف الشاي وعدت غير مرئي مرة أخرى .

الوغد بدا سعيداً بشرته الشاحبة عادت لها الحياة , وكأن وزنه زاد قليلاً , وجد لحناً مميزاً لضحكه , حتى أنه أصبح يبصق بشكل مختلف . أصابعه التي كاد دخان السجائر يغير لونها أصبحت أجمل , كان يلمسها كلما سنحت له الفرصة . وكانت تقهقه بلذة .

بدا فعلاً أن المياه قد عادت لمجاريها وكأن كل شيء أصبح بخير !

أصبحت بصورتي الغير مرئية أراقب ذكر حمام يتودد لأنثاه لكنها تتجاهله تماماً , كان سميناً حلو المنظر وكانت نحيلة مثل فلاحة , ثم طارت فتجاهلها وأخذ يحاول مع أنثى حمام نحيلة أخرى , هذه حاول معها , ثم حاول معها حتى نجح بأن يقفز على ظهرها .!

الساعة تشير إلى الواحدة ظهراً , الجو بدأ يتغير ؛ يصبح أكثر سخونة , طلب مني مفاتيح البيت إنه لا يأخذها مني عادة , أدخلت يدي في جيبي وأنا أنظر إليها كانت تخبئ أصابع يدها اليمنى المزينة بخاتم ذهبي في كفها اليسرى , كانت تحرك رأسها مثل صبية خلف عاشقها الذي يهم بفتح باب غرفة تضمهما معاً.

لسوء الحظ لم تغرقني الظنون _ظنون كانت يمكن أن تجعلني لا أعطيه المفاتيح _ توجهت للمسجد لصلاة الظهر وقرأت هناك جزء كاملاً من القرآن . ثم خرجت وتسكعت في المركز الثقافي الفرنسي إلى صلاة العصر ثم عدت إلى البيت .!

حقا منظر رجال الشرطة وهم يحومون في بيتك مرعب, كم هو مرعب ذلك اللون الأخضر !

قبل أن أدخل أمسكني الشرطي من ذارعي : قلت له أنا صاحب هذا البيت .

دخلت إلى غرفتنا , وسادة مليئة بالدم , حقيبتها عليها بقع دم , دم على التراب , بقع دم على الجدار , وعلى الباب . الدم في كل مكان . تقيأت في الحوش . سألت الشرطي : ماذا حدث ؟

قال : صاحبك طعنها خمس مرات وطعن نفسه مرتان , صراخ البنت أنقذ حياة صديقك أما هي فماتت .

في المستشفى جلست بجوار الغرفة , التي يعالجونه فيها . أقول لنفسي : لو عاش سوف يجن , لن يتحمل نتيجة ما إقترفته يداه , بل هو قد جن أصلاً .

وبعدها رأيت أهله يركضون نحوي , نحو الغرفة , تزاحموا , بكاء نساء , حوقلة رجال . طبيب يطلب منهم الهدوء .ثم أصبح عقلي فارغاً, أصبحت غير مرئي .!

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

اترك تعليقاً