الرئيسية / العدد السابع والعشرون / في رفقة الفيتوري ( 1-10 )

في رفقة الفيتوري ( 1-10 )

10995893_1097053180311160_2038370984503350861_n

موافي يوسف :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

“الرجلُ الحالمُ، الذي تستيقِظُ النُجُومُ في قلبِه الطيّب “

– إنبِثاقْ –

في غرفةٍ مبعثرةِ الأشياءِ إلا قليلاً، وكُتبٍ رُصّت في طاولةٍ باهتمامٍ وتناسُق ، دلفتُ إليها قاصداً كلما هاجت بي أشواقي ونزعاتي الإفريقية كتاباً قديماً مذُّ الستينيات، ذا غلافٍ عتيقٍ وورقٍ أصفرٍ باهتْ .. ورائحةٍ مُتبَلةٍ شهيّةْ .. الغِلافُ لديوانه الأول كُتِب عليه (عاشقٌ من إفريقيا- أذكريني يا إفريقيا وأُغاني إفريقيا) .. إستلقيتُ ، شمَمتُ أوراقَه كعادةٍ ألِفتُها مع الكتب ، خُصوصاً تلك القديمةُ منها ، النادرةُ المُعتّقه .. ! 

في الصفحةِ الأولى كانت صورتُه .. شابٌ في ريعان شبابه ، خمنته في الثلاثينِ ونيفٍ ، حادُ الملامح ، عميقُ النظرة ، بِشرتُه تأخذُ لونُ الطّميْ ، كان عميقاً ، واثقاً ، وإفريقياً ثورياً .. !

الكتابُ كما جاء في مقدمته، رحلةٌ شعريةٌ من طِرازٍ فريد ..

بدأها الشاعرُ من حيثُ الأعشابُ تتكسّر تحت الأقدام الموحله .. وحيث الأقبيةُ الرطبةِ .. والتوابيتُ المكتنزة بالأحقادِ والمخاوف .. وحيثُ الأشجارُ السّوداءْ .. والظلالُ الحقيرةْ .. راح يواصلُ حركته الزاحفة خلال الدّهاليزَ ، المفاوِزَ ، والمشاعِرَ الصّفراءْ ، حتى توجَ ضوءُ النهارِ جبينَه الظافر .. !

الآن ، الكتابُ أمامي ، في مُحاذاةِ وجهي تماماً ، أُحَدّقُ فيه ، ويحدّقُ فيّ .. كنت مندهشاً .. وكان ثوريآ .. إفريقيآ عارِ الصّدر ، أنفاسُه الجّمْر .. ملحميآ يتحدّى القيدَ والجلّاد .. حالمآ بحريةٍ وإن دفع في سبيلها دمَه وروحَه المُثخنه .. كان كتاباً إفريقيآ شرّبه سَيِّدُه النّضالْ .. فطفِقَ يلعنُ القيدَ ، والسّجنَ ، والإستبدادْ .. !

وفجأه .. صوتٌ يهتُفْ .. ينشدُ بأنفاسٍ مُثخنه .. أحسُّه قريبٌ مني .. بل جواري تمامآ .. أطبقتُ على الكتابِ ببطءٍ ودهشة .. أرخيت أذنيّ لأرهف السمعَ جيدآ .. إنه هو ، لا بد ، نعم هو ، محمد مِفتاح الفيتُوري، إنّه صوتُه .. هتافُه .. إنّه ذاتُه !

أنشدَ وكأنه يُخاطبني، قائلآ بهُتافٍ مُثخنٍ، واضِحٍ وثوريّ :

قُلها لا تجبَنْ لا تجبنْ

قلها في وجهِ البشريّه

أنا زُنجيّ ،

وأبي زنجيٌّ الجدِ

وأمي زُنجيه ..

أنا أسود

لكني حرٌ ،

حرٌ أمتلكٌ الحُريّه !

ثم تلاشى صوتُه الثوريّ الجّهُور مُحدِثآ في نفسي الدّهشةَ والارتباكْ .. فمكثتُ غير قليلٍ فاغِرَ الفَمِ في بلاهة ! 

عدتُ، وفتحت كتابي، وفي نفسي بعض الدهشة واللا تصديق، وأنا أتنقل من قصيدة لأخرى، من ملحمة لأخرى، بانفعالِ ثائرٍ، وأشجانِ درويشْ !

ألئنَّ وجهي أسودٌ

ولئِنّ وجُهَك أبيضٌ

سميتني عبداً  ؟

ووطئِت إنسانيتي

وحَقَرت رَوحانيّتي

فصنعتَ لي قيْداً !!

.

.

اللهبُ يصلاني، النارُ تغشاني ..

وأقرأْ :

ماتَ ..

ومِلءُ رُوحِه المُسودّةِ المُحترِقة

ماضٍ يغطيه دمُ المشانق المُعلّقة

وصرخاتُ الثائرينَ في السُّجون المُطبَقة

وأوجُه العجائزِ الأليمةِ المُشقّقَة

وهُنَّ يرفَعن إلى السماءِ ..

في أسى ذَليل ،

أذرعةً مِعوجّةٍ .. مثلُ مناجلِ الحُقول

وأعيناً يغوصُ فيها ظِلُّ مِشْنقَه .. !!

وفجأه .. إذا به ينبثقُ من رَحِم قصيدة .. يمثُل أمامَ ناظِري .. فيتوريآ باذخاً كشمسِ إفريقيا .. فيتوريآ في سُمرةِ الأبنوس .. فيتوريآ بلون الطّمْي ..

وإذا تأرّجَ المكانُ بِعُرفِ الثائرِ الإفريقيّ .. يجلسُ قُبالتي، كفوضى من الإندهاشْ …

يُتبَـعْ ..

 

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

لا تعليقات

  1. عبدالمجيد دليل

    Good luck y handsa.
    انت. أهل لها و كم انا فخور بك

  2. عبدالمجيد دليل

    Good luck y handsa.
    انت. أهل لها و كم انا فخور بك

أضف تعليقاً