الرئيسية / العدد الثامن والعشرون / في رفقة الفيتوري ( 2-10 )

في رفقة الفيتوري ( 2-10 )

10982890_1107562959260182_3033368826826841714_n

موافي يوسف :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

“الرجلُ الحالمُ، الذي تستيقِظُ النُجُومُ في قلبِه الطيّب “

“الشعراءُ لا يموتُون .. والفيتُوري أبعدُهُم من المَـوتْ !! “

شئ من اللاتصديق ، في حضرة العظيمـ ..

وفي خضمِّ اللا تصديقِ الذي تغشّاني ، أخذت أذهبُ وأجيئُ وأدُورُ من حوله وأصابعي تعبُث بذِقني في بُطءٍ ، وعيناي ضاقتا في إدهاشٍ وتفحُص .. أدنو من وجهه .. أبعدُ حيناً .. وهو مكانه ، يرقُبُني بعينين واسعتين بعيدتين ، وشفتين حائرتين بين التبسُّمِ والصّمت .. كنا كما لو نؤدي دوراً دِرامياً أو ضرباً من ضروب التراجيديا .. !

كان مرتدياً بذلةً قُطنية رماديةَ اللون ، ومِعطفاً ذا لونٍ أسود .. قلت له ، لما كل هذا والجو معتدل هنا ؟ رد في خُفوت وعيناه تجُولان به الغرفه كأنه يُرسل الإجابة في الفضاء : أنا أيها الفتى قادمٌ من بلادٍ بعيدةٍ وقصية ، أكرِمني بكُوب ماء ، لا يكون بارداً ؛ فأنا أعاني الإلتهاب ..

أحضرت الماء ، سألتُه ، هل أُضيفُ لك عليه قليلٌ من السّكر؟ .. أجابني ، حسناً ، لا بأس .. شربه ، بل مصّه مصاً ، ثم سكبتُ له نصفَ كُوب آخر ، ثم سألتُه ، أو بالأصحّ ثرثرتُ في دوامةٍ من التساؤلات .. وكان هو يستمع ، وقد إتكأ بظهره على الكرسي ، واضعاً إبهاماً تحت فكّه الأسفل ، وسبابةً في منتصفِ شفتيه ، وأرسل إلي نظرات بعينين متحفزتين للإستماعِ .. ثم ثرثرت وبدا كأنه يستمع لأسطوانةٍ بَشريه :

أستاذي ، أنا حقاً بك أفتخر .. فأنت إبنُ هذه البلادِ الكبيرةِ الرّحيبة ، بل أنت إبنُ إفريقيا الثائرُ .. الصارخُ في وجه الجلّاد الأبيضِ .. والعاشقُ للحريةِ في سماءٍ فسيحةٍ لا حُدودَ لها .. إسمح لي بأن أقول لك بأنّ شأنَك شأنَ السَيَّاب ، البياتي وصلاح عبد الصبور .. أولستَ شاعرَ إفريقيا والعُروبة ومن أبرزِ رُواد الشّعر الحرّ الحديث؟

عَدَل من جلسته .. تنحنحَ .. أشعلَ سِيجارةً .. ثم قال، وماذا أيضاً ؟

قلتُ وأنا أجدُفُ نحو مرمى مُغاير ، هناك من يقولُ بأن أمك مِصرية ، وأن والدك سُوداني الجنسيه .. وصوتٌ آخرَ يقول بأن أمك سُودانية ، ووالدك لِيبي الجنسيه .. وأنا في الحقيقة مع الصوت الثاني ، أوليس والدك ليبي ويُدعى الشيخ (مِفتاح رجب الفيتوري) ؟ صُوفياً وخليفةً في الطريقةِ الشاذلية ِالعروسيةِ الأسريه؟ وقد هاجر في خَضِمّ الاحتلال الإيطالي قاصداً غربَ السُودان ، وبالتحديد دار مَسَاليت بالجنينه؟ ثم أوليس هو من تزوج بـ(عزيزه علي سعيد) ، التي هي أمُكْ؟ ثم هاجر أبوك إلى الإسكندرية ، وهناك نشأت أنت بمصر ، وحفِظت القرآن صغيراً في الكُـتّاب ، ودرست بالمعهد الدِينيّ قبل أن تنتقل إلى القاهرة لتتخرج من كليةِ الآدابِ بالأزهرِ الشريفْ ..

 هل تُوافِقُني؟

لم يُجبْ ، ولو فهمت من صمته بعضَ القُبولِ لحديثي وهو ينظُر إليّ نظرةَ تفحُّصٍ لا تخلو من إدهاشْ .. كأنني مثلُه بَزَغْتُ من رحمِ قصيدةٍ أو جئتُه محمُولاً بريحٍ قادمةٍ من مفاوزَ بعيده .. عبَرتْ بي نافذةَ هذه الغرفة .. وشَخَصَتْ بي أمامه ! فارتسمت في شفتيه مرةٌ أخرى تلك الابتسامةُ الحائرة .. ومضيتُ مُثرثراً …

 ( الجّـدةُ السّـوداءْ ) ..

عزيزه علي سعيد ، والتي هي أُمُك كما ذكرت ، لا شك في ذلك ، وأنها التي تزوجت بالشيخ مِفتاح رجب الفيتوري الليبي المهاجر لتلك البلاد ، توافقني أيضآ في هذا .. حسناً ، ويُقالُ بأنّ والدتُك تلك تنحدرُ من أسرةٍ شريفة من قبيلة الجَهْمه ، والدُها الشيخ علي سعيد ، تاجرُ رقيقٍ وعَاج ، تزوج جاريةً وأنجبَ منها والدَتك ، وأن تلك الجاريةُ السوداء والتي كان اسمُها (زَهْرة) ، والتي هي جدتُك، أسهمت إسهاماً كبيراً في تشكيلِ وعيَك ؛ فأورثتْ فيك عقدةَ العُبودية ، حيث لازمك هذا الشُّعور بالعُبوديةِ وأنت ترى الأبيضَ يستعبدُ أرضك ، كما لهذه الحكاية حضورٌ طاغٍ في تداعياتِك الشِعرية .. فكانت جدتُك تلك بمثابةِ البِذرة الناريّة التي أشعلت رُوحك .. !

هل توافِقُني في هذا ؟

هذه المرة عدل من جلسته في بطء شديد ، كالذي أفاق من غفوة عميقه ، لا أدري، ربما جددتُ جراحات الرجل الغائرة ، جراحات لربما اندملت ، لكن عن هشاشة .. تطفُو من فينةٍ لأخرى في أسىً ، وهي تجترّ الذِكريات المريره .. !

شئٌ ما تطفّل بحلقه ، أدخله في نوبةٍ من سُعالٍ حاد ، حتى أدمعَت عيناه وهو يُربتُ بكفّه على صدره ، فبدا وجهُه التّعِب هذه المرة أكثرُ إيلاماً .. خرجتُ ، وعدتُ بأقراصِ الفُلوتاب ، وكوبِ ماء .. أخذ واحدةً .. قذفها في فمه .. سكب عليها الماء دَفعةً واحدة .. تنهد عميقآ ، وقال معيداً لثرثرتي مِجدافَها :

معذِرةً يا فتى، فالأمراضُ ما فتِئت تتربّصُ بي ، والحمد لله على كلٍ ..

أما عن جدتي الطيبة الرحيمة (زَهْره) ، هي حقاً من تكشّفت بصيرتي عبرها عن آلامِ الإنسانِ الإفريقي .. هي من وضعت البِذرةَ الناريةَ في رُوحي كما ذكرتَ .. وأشعلتني .. !

وهناك حقيقةٌ أريد أن أُخبِرُك عنها .. جدتي تلك يا فتى كانت تنتمي الى إحدى أهم القبائل الافريقية الواقعة بين جنوب السودان وغربه .. وقد كان أهلُها فِرساناً .. وجدُها زعيمُ قبيلةٍ .. !!

حدثتني ذاتَ مرةٍ في احدى الليالي المُقمرة ، وأنا أتوسّدُ حِجرها مُرسِلاً أنظاري نحو النُجومِ البعيدة المتناثرة في السماء العظيمة ، قائلةً بصوتٍ واهنٍ مشروخٍ يخرُج من فمها مُتقطِّعاً على دَفعاتٍ، لكنه كان واضحاً بعضُ الشئ ، قالت : ذاتُ يومٍ ، ويا له من يوم .. خرجتُ كي أجلبَ الماءَ من بئرٍ تبعُدُ قليلاً منا .. وكنتُ صغيرةً في التاسعةِ من عمري .. فبرز لي في الطريقِ شخصٌ أسميتُه الـ(جلابي) .. إختطفني وهو على صهوةِ جَوادٍ يمتطيه .. أردفني خلفَه .. وانطلقَ الجَواد ُيطوي الفلاةَ طياً وحوافرُه تُصدرُ إيقاعاتٍ متحفزةٍ نشطة ..

وحين وصلنا لمقصدِ الجلابي، أهداني إلى جدِّك !

– قلتُ لها : من هو جدي ؟؟

– قالت : جدُّكَ السيد علي بن سعيد بن يعْقوب الشّريف .. تاجرُ رقيق !!

وبعد أن تنهد عميقاً ، صمت ، وأخذت أنا أتابعه وهو يُخرج علبة سجائره مرة أخرى ، أخد واحدة ، إستقرت بين شفتيه ، أخرج من جيب بِذلته العُلوي زناداً راقياً ، ضغط عليه ، إنطلق لهبه يأكل مقدمةَ رأس تلك السيجارة، ثم أخذ منها نفساً عميقاً، وسرعان ما تمدد دُخانه الرمادي محلقاً في الفضاء ، وقال :

وكان ذلك هو حديثها …

فعندها شعرت وكأنني أقف على صراط ما بين الحرية والعبوديه ..

هذه الجدة مستعبده .. وهذا الجد تاجر رقيق .. وأنا طفل صغير لا يعرف معنى العُبودية ، ولا الحُريه …

يُـتبعـْ …

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

أضف تعليقاً