الرئيسية / العدد السابع والعشرون / مزرعة الربيع العربي

مزرعة الربيع العربي

18482_415528581961196_4551141724176498726_n

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

تستطيع تحقيق الثورة بحلم ، ويمكنك سرقتها إذا كنت قادراً على التعبير عن أفكارك بطريقة مقنعة وتملك قوة بحوزتك في نفس الوقت تزمجر مهددة ، هذا ما حدث في مزرعة الحيوانات ، وكأنما كان جورج أورويل ( 1903 – 1950 ) يتنبأ حينها عن الربيع العربي .

 حين تتماهى مع أحداث هذه الرواية يتراءى لك بوضوح واقع الربيع العربي ، ففي حين أن هذه الثورات قد بدأت لأجل أهداف نبيلة وغايات عظيمة تتمثل في إقتلاع الرؤوس المتمرسةأمام طوفان الأحلام والآمال العريضة ، تجد أن ما حدث هو أننا صِرنّا نُردِدُ مع أمل دنقل ترنيمته الحزينة : 
لا تحلموا بعالم سعيد 
فخلف كل قيصر يموت
قيصر جديد .

تبدأ الرواية حين يعلن الخنزير العجوز ” ميجر ” أن لديه حلماً وهو أن يرى الأرض خالية من جنس البشر ” لأن الإنسان مخلوق أناني ” ؛ ولأن أحلام البسطاء تغذيها الخطب الرنانة يبدأ الخنزير الحكيم برسم هذا العالم اليوتوبي الخالي من ظلم السيد جونز صاحب مزرعة القصر التي يعيشون فيها .

لكن بعد ثلاثة أيام يموت ” ميجر ” فيؤول الحلم إلى ” سنوبول, نابوليون, سكويل ” ثلاثة خنازير تملك من المؤهلات ما يجعلها تلتقط الحلم وتبدأ بتحويله إلى نظام فكري متكامل أسموه “الحيوانية” , وبدؤوا بنشره وتدريسه لبقية الحيوانات ريثما تتوفر الظروف الملائمة للثورة .

وحين جاءت الثورة بعد أن نسي السيد جونز في غمرة سُكرِهِ أن يطعم الحيوانات فهاجت وسببت الفوضى في كل مكان حتى إنتهت بفرار صاحب المزرعة ، كان أول قرار تتخذه هذه الحيوانات بعد الثورة هو تغيير الإسم إلى ” مزرعة الحيوانات ” .

ولكي تفهم جميع الحيوانات مذهب “الحيوانية” , قامت الخنازير الثلاثة بتبسيط تعاليم المذهب وصياغتها في سبع وصايا قصيرة وواضحة , ثم قاموا بكتابتها بخط كبير على جدار الحظيرة. وهي : 
1- كل من يمشي على قدمين فهو عدو .
2- كل من يمشي على أربع أقدام أو له أجنحة هو صديق.
3- يحظر على الحيوان ارتداء الملابس.
4- يحظر على الحيوان النوم على السرير.
5- يحظر على الحيوان تعاطي الخمر.
6- لا يجوز لحيوان قتل حيوان آخر.
7- كل الحيوانات متساوية في الحقوق والواجبات.

ولأن الثورة – كما في كل مكان وزمان – يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلها الأوغاد ، نصبت الخنازير نفسها قائدة موكلة بأعباء التخطيط لأعتقادها بأنها الأذكى والأجدر بذلك ، فتولى” سنوبول و نابوليون ” زمام القيادة ، بينما كان ” سكويل ” هو الخطيب البارع القادر على جعل الحق باطلاً والباطل حقاً عبر سياسة العصا والجزرة .

لكن المركب ما كانت لتحتمل أكثر من قائد ، ففي حين كان ” سنوبول ” مثالاً للسياسي المدني فصيح العبارة واسع المعرفة ، كان ” نابوليون ” هو مثالاً للعسكري شديد الشكيمة المالك للقوة ؛ ولأن الثورة تؤول لصاحب المدفع الأكبر إستولى ” نابوليون ” عليها وفرّ ” سنوبول ” للأبد .

بعد ذلك تأخذ الأحداث بعداً آخر حيث تختفي ببطء تلك المظاهر التي كانت في بداية الثورة ، مثل إجتماعات صُنع القرار وتحل محلها الأوامر الإستبدادية المُعدّة سلفاً ، وتتلاشى المساواة النوعية الموجودة بين جميع الأجناس لتصبح المزرعة إمتيازاً حصرياً لجنس الخنازير ، كما يقلُ إحتكاك القائد ببقية الشعب بينما يصنع منهُ ” سكويل ” بخطبه الرّنانة وتحذيراته المتكررة من خطر العدو الخارجي القائد الأوحد والمنقذ الأهم لجنس الحيوانات . 

تعود الرواية بالأحداث لنقطة البدء كما لو أن المؤلف يريد أن يقول لنا بأن الزمن في الثورات هو زمن دائري حيث تُهتك الوصايا السبع وصية إثر آخرى تحت تهديد القوة المتمثلة في الكلاب الشرسة وخبث ” سكويل ” وذلك بتحريف صياغتها المنقوشة على حائط المزرعة بما يخدم أهداف ” نابوليون ” .

وفي نهاية الرواية يسكن ” نابوليون ” بيت جونز بعد أن كان سكن المنازل محرماً على الحيوانات طبقاً لوصايا الثورة , وبدأ يدخن ويشرب الخمر وهو ما كان محرماً أيضا على الحيوانات , ويظهر كذلك ذات يوم واقفاً على قدمين يقلد مشية الإنسان , ويجلس هو و “سكويلر” مع البشر من الجيران ويلعبون الورق سوياً ، لكن حين يتشاجر ” نابوليون ” مع ” بيلنغتون ” الإنسان صاحب المزرعة المجاورة بسبب لعب ورقة ” الآس ” ويحتدم الصراع وتتشابك الأصوات الغاضبة ، تكتشف باقي حيوانات المزرعة التي كانت تتابع المشهد من خلال النوافذ أنه قد أصبح من المستحيل عند هذه النقطة التمييز بين الإنسان والخنزير .

 

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

اترك تعليقاً