الرئيسية / العدد السادس والعشرون / هل انتهى عصر الرواية؟

هل انتهى عصر الرواية؟

.olde_books_by_satanarchist

“جوع الواقع والمقالة الغنائية ونصيحة عزرا باوند”

* أماني أبو رحمة

تأسس البيت الذي تعيش فيه الرواية اليوم قبل حوالي ألف سنة على يد السيدة موراساكي ، بمساعدة السيد هوميروس وكاتب ملحمة جلجامش البابلي على الألواح الطينية. ساعد هنري فيلدينغ ببناء الجدران، وأضاف سرفانتس النوافذ وغطاها بالزجاج وما إلى ذلك. رفع كتاب القرن التاسع عشر الروس السقف القوي. أما ديكنز وأوستن فقد صمما غرفة الموقد والمرسم، بنى بروست، وجويس، وولف الجناح الحداثي إلى حد ما. في حين جلب بينشون ما بعد الحداثي بعض التماثيل الشهوانية ورصها في حديقة بيت الرواية العتيد.

لكن لا منزل يقف إلى الأبد. وفي الآونة الأخيرة، بدأ وهج الرواية يخبو نحو النسيان. وذلك لأنه قدّ حلّ محلها، بوصفها الوسيلة الأساسية لسرد القصص، بديلًا. صار من الصعب على الصفحة الورقية أن تنافس الشاشة.

في عام 1996، كتب الروائي الأمريكي المعاصر جوناثان فرانزين مقالًا في هاربر، قال فيه “لقد وصلنا فعلًا إلى ما يبدو أنه عصر أضحى فيه الفن الجاد بشكل عام قديمًا”. وكان ذلك قبل السوبرانو، وقبل غراند ثفت أوتو، وقبل تويتر وفيسبوك، وحتى قبل فريندستر. وكتب فرانزين على الورق، لأشخاص قرأوا من الورق، والذين كانت القراءة بالنسبة لهم هي البوابة الرئيسية لواقع غير واقعي ولم يعرفوا إلا القليل، أقل مما يعرفه أي منا اليوم.

نوقشت قضية وفاة الرواية كثيرًا، مثل محنة القصر الكبير الذي تحول إلى شوكة في العين. أن تتحدث عن نهاية التخييل، يعني أنك تتعامل ببرود مع كارثة وشيكة، وأنك تقابل كارثة ثقافية بدم بارد. لماذا تغلق مكتبة كل يوم؟ هل قرأت أحدث تقرير حول عادات القراءة الجديدة؟ التحول نحو أجهزة الكمبيوتر المحمولة!

لكن ربما ليس بعد. ربما أن العودة ممكنة، إن لم يكن تمامًا مع شكل من أشكال أيام “دون كيشوت” المتألقة، عندما كان يمكن أن ننظر من فوق التلال ولا نرى أي من القصور الأخرى (الآن، االقصور المبهرجة تتزاحم أمام أنظارنا).

القراءة نشاط أساسي للإنسان: تسبق جيف بيزوس وسوف تستمر طالما أن الأعصاب تمتد من الشبكية إلى الدماغ.

حكي القصص أمر مهم في نظر الإنسان: قصص ليس فقط ما حدث أمس ولكن ما حدث قبل ألف عام، وما يمكن أن يحدث بعد عشرة آلاف عام من الآن. وقدّ خدمت الرواية هذا الغرض جيدًا، لكنها تواجه خطر الانقراض وقدّ تحتاج إلى التحول من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى ما يسميه الرقميون اليوم اختراق. مثل هذا الاختراق الذي لا بد أن يكون واضحًا ومقنعًا قدّ اقترح قبل أربع سنوات من قبل ديفيد شيلدز في (جوع الواقع: بيان).

يرى جوع الواقع أنه من أجل البقاء على قيد الحياة، يجب أن تصبح الرواية أقل شبهًا بنفسها، وأن تتوقف عن اشتغالاتها المحددة بالشخصية والحبكة والثيمة.

الرواية، يقول شيلدز، هي مجرد شكل و”الـ[أشكال] تخدم الثقافة. وعندما تموت، فإنها تموت لسبب وجيه: إنها لم تعد تجسد ما هو حي. يشير شيلدز إلى أن الإبداع غير التخيلي مثل المقال بوصفه شكلًا فنيًاـــ والذي أطلق عليه (المقال الغنائي)ـــ هو الحل الذي يحتفظ للرواية بفنيتها وينبذ صنعتها في الوقت ذاته”.

“نحب اللا- تخييل لأننا نعيش في زمن فاق الخيال”. جنبًا إلى جنب مع المقالة الغنائية، فإنّ المذكرات ذات قيمة عالية في جوع الواقع: حكي القصص مثل الفحص الذاتي، لامونتين أو جوان ديديون، الحياة الحقيقية بدلًا من الحياة الوهمية.

يدافع شيلدز عن نوع هجين من أشياء واقعية ومختلقة وأفكار وملاحظات وتخمينات واجترارات. ويستشهد بأجزاء من كل من موبي ديك وهاملت التي تعرض هذه النوعية بالذات؛ التخلي عن أجهزة الرواية وقول الحقيقة ببساطة للقارئ.

في مقال آخر كتبه تشارلز دي أمبروسيو في مجلة L، يشير الناقد إلى أن “هناك سبب لأن تكون المقالات سيدة اللحظة.. فالخطاب الثقافي [لدينا] ينحرف من استنتاج جاد إلى آخر، وهو تيار مقفر لا يترك مجالًا للازدواجية أو الفروق البسيطة. المقال هو المنتدى الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه التناقضات والاستغراب وعدم اليقين، وهذه هي المادة المظلمة من الحياة اليومية”.

الرواية لا تزال قائمة، لكن المؤكد أنها تقف بصعوبة. لا نستطيع أن نفكر في رواية كاملة طويلة نشرت في عام 2014، وجاءت بأي شيء جديد. كلها تجتر الصيغ ذاتها التي كانت منذ أن تجول راسكولينكوف في باحات سانت بطرسبرغ.

هل شيلدز على حق؟ هل المقالات هي الروايات الجديدة؟ وهل تسير الروايات في اتجاه المخطوطات المزخرفة؟ أسئلة مستحيلة، لكن هذا هو الوقت المناسب لتذكر مقولة شرسة لا هوادة فيها لعزرا باوند: اصنع شيئًا جديدًا.

___________________________

هوامش .

1-موراساكي شيكيبو هي أديبة وشاعرة يابانية، كانت إحدى الوصيفات أثناء “فترة هيي-آن”، واشتهرت بوصفها صاحبة الرواية المشهورة في الأدب الياباني “قصة جنجي”. كتبت هذه القصة قبل أكثر من ألف عام ويعتبرها النقاد من بين أولى الروايات في تاريخ الأدب.

2-ولد الروائي البريطاني هنري فيلدنغ بالقرب من غلاستون بوري بإنكلترا عام 1707. درس القانون في جامعة ليدن بهولندا، ثم احترف العمل المسرحي فكتب بعد أن صار مدير مسرح حوالي خمس وعشرين مسرحية، من أشهرها المسرحية الهزلية إبهام طوم عام 1730.

3-توماس راجلز بينشون الصغير. روائي أمريكي. ويشتهر هذا الروائي الحاصل على منحة ماك آرثر، برواياته التي تتسم بالغموض والتعقد.

4-جيفري بريستن بيزوس ولد في 12 يناير 1964، هو المؤسس، الرئيس، المدير التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة أمازون دوت كوم، تخرج جيف من جامعة برينستون بولاية نيوجيرسي الأمريكية ثم عمل محللا ماليا لشركة D.E Shaw قبل أن يؤسس شركة أمازون عام 1994.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً