وهكذا يا أستاذ ..

art.172471

تقديم : يس المك

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

 قصة (و هكذا يا أستاذ) نُشرت عام 1969م بصحيفة الأنوار البيروتية, ثم أعيد نشرها في مجلة الخرطوم .وهي تندرج تحت تيار(الواقعية)، والواقعيون يميلون إلى وضوح الفكرة، وهذا بدوره قد يغري من لا يحبذون المباشرة في الكتابة الأدبية بأخذ موقف سلبي نحوها. ولكن صلاح أحمد إبراهيم (1933-1993) في هذه القصة التي بين أيدينا يثبت أن الواقعية نفسها قد تكون شيئاً جمالياً في الأدب والقصة على وجه الخصوص لأنها أكثر أجناس الأدب حساسية للوضوح الشديد.

فصلاح يتحدث بلسان الإبن عن حالة فقر مدقع تعيشها أسرته وقومه على العموم، ويعانون من زمهرير البرد القارص. ومن خلال هذا المحيط البائس يقدم تحليلاً نفسياً صادقاً للشخص السوداني وكبريائه في مواجهة الظروف، وآثار الفقر على نفوس الأجيال الحديثة متمثلة في الإبن الجامعي، وهي تبدو جلية في عبوسه الدائم وصكّة وجهه ونظرته الساخطة للأشياء. كما أن اللغة التي يكتب بها صلاح رائقة ما بها من شائبة، يمسك بانفعالات النفس ولا يتركها إلا عندما يتحقق الشعور الذي يريده في نفس القارئ، فيرسم النفس بدقة من حوافها إلى حوافها، حتى إنك لتشعر بالأشخاص ماثلين أمامك. إنها بلا شك من عيون الأدب النثري الحديث في السودان.

وبالإضافة إلى ثيمة القصة الرئيسة عن البؤس والفقر نجد صلاح أحمد إبراهيم يطرح قضايا أخرى، فنقرأ له مثلاً على لسان الأب: ” لقد تطلّبت نظافتها أربعة من أولاد النّوبة وطلبوا على ذلك جنيهين.” ونستشف من ذلك أن الكاتب أراد تسليط الضوء على المركز الإجتماعي لأبناء النوبة، حيث أن الأمر عادي بالنسبة للمدير وللأب نفسه، فتهميشهم ودناءة أصلهم –الذي توحي به نظافة المراحيض- مترسخ في الوجدان السوداني لدرجة أن لا أحد يستنكر ذلك، ولا حتى أبناء النوبة أنفسهم.

__

وهكذا يا أستاذ

*صلاح أحمد إبراهيم

ولماذا لا أقطِّب جبيني رغم أنني –على حدّ قولك- طالب جامعي محسود، وكل طالب جامعي بطبيعة الحال محسود. لماذا لا تدلهم أخاديد جبيني على الدوام ويلازم أساريري العبوس رغم لباقة الأضواء الباهرة في مكتبة الجامعة حيث الكلام همس والضوضاء حفيف والمشي بين المقاعد خفيف، ورغم حظوتي لدى الزميلات في “قهوة النشاط” يباعد ما بيننا التحفظ المشحون، ويقارب ما بيننا جوّ من الإلفة والإعتياد، وتزدان مناقشاتنا ومسامراتنا بتعابير إنكليزية تتقافز من خلال الأحاديث في عفويّة كفراشات المروج، وذلك في أغلب الأحيان بعد وجبة دسمة، تارة هي سمك، وتارة هي كبدة أو سجق، والأهم من ذلك هي وجبة مضمونة وفي ميعاد لا تتأخر عنه.

لماذا لا أصكّ وجهي طوال الوقت كأن لي ثأراً بائتاً مع المجتمع –على حدّ قولك- وما بي لا تقوى على الطغيان عليه خفة الشباب وطلاقة الحياة وعدم المسؤولية التي يعيشها أترابي. إنك لن تستطيع أن تقنعني بالابتسام لمجرد أنني ابن عشرين، أو لمجرد أن مستقبلاً باسماً في انتظاري، فأنا مسافر على راحلة الحزن بشعور من يتسلق جبلاً جهم التضاريس.

الكلمة المهينة قد يكون في مقدورك ردّها لصاحبها أضعافاً بأكثر مرارة، ولكن أنّى لك برد الإهانة الصامتة البليغة التي تقف بإزائها عاجزاً مشلولاً بإحساس خصي، كأنك في مصيدة كبرى، تكالب عليه شهود زور، فإذا بك تتشقق بها كحنظلة الوعر، وتدمع بها روحك دموع الزقوم لأنك لا تدري لمن تسدد قبضتك التي تضع فيها جماع قواك وأنت مغمض العينين من الغضب فأنت ببساطة لا تدري من غريمك وأنت ببساطة ضحية مؤامرة دنيئة دبّرتها قوة خفية تراك ولا تراها، تطولك ولا تطولها، تتصيدك وتتحرش بك ولا تقوى عليها جواباً، مثل أعمى، مثل أعمى سرق الأشرار عكّازته وطفقوا يعبثون ويعبثون به، وهو لا يستطيع درء أذاهم، فليس له غير الغيظ الذي لا يجد له متنفساً غير البكاء بحرقة في أفضل الحالات، وليبس البكاء بأفضل ما يلوذ به إنسان .. وهكذا يا أستاذ.

سأوضّح لك ما أعني بتجربة واحدة مررتُ بها كعديد من أمثالها. كوني هنا بين القلّة المحظوظة المحسودة –على حدّ قولك- لن ينسينيها، والمستقبل الباسم الذي تقول إنه ينتظرني في “علبة ملبّس” لن يعوضني عنها؛ لأنه –كما قال الشاعر، والشاعر دائماً أخو من هم مثلنا- :

قد يهون الدهر إلا ساعة ** وتهون الأرض إلا موضعا

فالصرامة التي تراها في وجهي الكالح المكشر هي في الواقع بصمات أصابع الفقر، ولا أمضّ إهانة بحد ذاتها من الفقر يا أستاذ. فأنا من أسرة أفقر من فأر المسيد، ولكن فينا عزة نفس وترفّع، نتحمّل ما يلم بنا كما لو كنّا فرع هشابة أو جذع تبلدية، لا نشتكي ولا نتبرّم ولا نجزع، بل ننحني على روحنا ننتهرها بالكبرياء، ونخفيها في بسالة. هل تفكرت مثلاً بالمثل القديم “تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها” وهل جاءك نبأ أهلينا الذين كانوا في سنة ستة –سنة المجاعة- يغلقون عليهم أبواب بيوتهم ليموتوا بداخلها صبراً خشية مدّ اليد للئيم، وهل تمعّنت في قولة أهلنا الفور “أم صلمبايتك ولا كدكداي زولاً أب صلمباية”** .. أسرتنا الصغيرة من ذات الطينة .. ولكنّ الأبناء مَجبنةٌ مَبخلة كما في الأثر، وبسببي أحنى والدي قامة لم يحنها الدهر، ونهنه من كبرياء نفسه داخل مرحاض، يغسل البول والعذرة وأنا –ولده الكبير- أنظر إليه بعينيّ هاتين، وهو يغسل البول والعذرة، ثم تأتي وتقول لي أراك طويل الصمت كثير الهم دائم القطوب كأن بينك وبين المجتمع ثأراً بائتاً.

أبي والمرحاض .. بأكثر دقة يا أستاذ، أبي في المرحاض .. كان ذلك في شتاء مخيف له صفير وعزيف وأنياب محدّدة وزوايا حادّة .. كان أبي يعمل خفيراً في مؤسسة صناعية في الخرطوم، وهناك ذهبتُ إليه، ذلك الصباح القمطرير لكي يشتري لي “فنلّة” من الصوف أردُّ بها عادية البرد. لم يكن مسموحاً لأبي بمغادرة المكان، ولكنّه وجد عذراً ذلك الصباح البارد وليته كان غير ذلك العذر .. إذ استدعاه المدير من قبل وخاطبه في حزم:

–       عم محمد .. المراحيض تطفح بالقذر وتفوح بالعفن وهي لا تُطاق. ألف مرة نبهتكم يا عمّ محمد. ألف مرة قلت لكم إنها بحاجة إلى نظافة شديدة فاذهب واستدع ولدين ثلاثة من السوق ولا تنقضي سحابة اليوم غلا وهي كالمرآة، مفهوم؟

وردّ أبي في أدب جم وطاعة لا أقول انكسار: إن شاء الله.

وخرجنا معاً من الدار .. سألني أبي أين تُباع “الفنائل” لأن أبي لم يلبس واحدة منها قطّ في حياته ناهيك عن الشراء. يقولون إن الله يوزع على الناس بردهم بمقدار غطائهم. هذا هراء. الله يوزع البرد بالعدل والقسطاس، ولكنّ المساكين يتقبّلون نصيبهم من البرد مهما كان ويتحمّلونه في شجاعة. إنها بطولتهم لا رأفة خاصة من البرد بهم. لا تعجب إذن إن رأيت من هم في بؤس أبي وعوزه يمشون في البرد القارس في ملابس خفيفة على اللّحم أو في أسمال بالية، فليس ذلك لأن لهم مناعة خاصة، أو لأن جلودهم سمك، بل هو الإضطرار. والإضطرار قاعدة فوق كل قاعدة، وهو ببساطة تجلُّدُهم لا جلودهم. “والبتبتة عيب” في نظرهم. الكُوى في بيوت الفقراء تُسدُّ عادة بقطعة من الورق المقوّى أو بقفّة تدير للزمهرير مؤخرتها كأنما هي نفسها خائفة من الزمهرير، وفيما مضى كان بإمكاننا الحصول على دفءٍ بمسح الأطراف بزيت السمسم، ولكن أين زيت السمسم في هذا الغلاء الطاحن؟ الشّتاء يا أستاذ بالتأكيد عدوّ الشعب. فإذا لم يكن لدى الإنسان دثار أو نار (وهي دفء وطعام كاف) فليكن الله في عونه. ثم هل سمعت بالقشف؟ ولعل منها كلمة التقشّف. الذين يستيقظون بالضحى لا يصابون بالقشف، بل يُصاب به من يستقبل برد الصباح الباكر مع الديوك. صدقني ليست ثمة مبالغة وأنا أبسط أمامك صورة حيتنا في الشتاء. أين المبالغة؟ بل هي حياتنا كما هي واسمها الأصلي الشقاء.

ثمن “الفنلّة” قال له البائع وأنا سامع: مائتان وخمسون قرشاً وبس ..هل لاحظت آخر كلمة .. وبس؟ بلع العجوز ريقه وزاغت عيناه هنيهة، وغطس قلبه وقد مازج حامض، واستدار أبي نحوز الباب في صمت وخرج وأنا أتبعه في صمت. في الخارج قال لي العجوز: لا يوجد مقياسك في هذا المكان. سنذهب إلى مكان آخر وقد نجد ما هو أفضل من هذه البضاعة، والسوق على أي حال ملأى. ولكن علينا قبل ذلك أن نمر يا ولدي على المؤسسة لأمر ضروري .. هيا بنا .. (قالها هكذا ببساطة دون أن يكترث بما يدور في ذهني، ما إذا صدّقته قولا .. فلم يكن أمامه بديل). وكررنا راجعين.

كنتُ واثقاً من أن “الفنلّة” هي على مقاييسي .. وأنها جيدة .. وانها ما أريد .. لماذا تملّص أبي من الشراء .. وأنا واثق من صادق رغبته في شراء “فنلّة” لي؟ لماذا لم يستشرني؟ كنتُ محتاراً ومحرجاً. والذي ينشأ في الفقر يعتاد الحرج .. يخرج منه بالصمت المزري في وجود من يحترم، وبالنكتة المستخفة أمام الأنداد الرصفاء، لذلك تبِعتُ أبي في صمتٍ مزري والثورة تعتمل في حناياي ولكن ضد من؟أضدّ اليوم الذي وُلِدتُ فيه؟ وما معنى هذا؟ واجتاحتني ثورة مبهمة واحتواني حريق وقوده الحرمان .. وقد تضاعف إحساسي بالبرد والحنق .. كان البرد سيوفاً حادّةً تغمدها الرّيح في عظامي .. ريح ناشفة .. كان البرد يندلق على الشوارع ويكنسها أمامه ويجثو على وجوهنا التّراب وقصاصات الورق. كان البرد يماشينا جنباً إلى جنب وكأنه رفيق درب، وكان يثرثر بآلامنا في نزق واستخفاف .. كان يلهو بآلامنا .. يلهو بنا.

في فناء الدّار أمرني والدي بمدّ خرطوم المياه من الصنبور إلى المراحيض وأن أقف به على أهبة الاستعداد وكأنني جنديّ إطفاء .. وقفتُ حاملاً الخرطوم بباب المراحيض والماء يتدفق من بين رجلي أبي وقد شمّر سراويله واخذ يغسل الأرضية المنتنة ويزيل القذارة. رجلاه المتشققتان تنضحان بالماء الممزوج بنشادر البول المتقادم وبمحلول الغائط النّاشف الجديد وأبي يكحّ ويكحّ ورائحة المكان لا تطاق أهاجها الماء المتدفق وجدران المرحاض عليها رسوم فاضحة لأعضاء التناسل والعملية الجنسية وكتابات مبتذلة وتعابير سوقيّة ورخيصة وتذكارات من قضوا حاجاتهم ذات يوم بالمكان وخطوط من الخراء مجرورة بالأصابع على الجدران واعتراني شعور بالإشمئزاز وتملكني الغثيان وكرهتُ نفسي وأبي وصباحي ذاك وتمرّدت على حياتي اللعينة وغمرني شعور بالخوف والفضيحة، ماذا لو رآني زملائي هنا ورأوا ابي وما يفعل؟ وأبي منهمك في التنظيف لا يرفع عينيه عن القذارة ابداً، ولا ينظر ناحيتي بل ينهرني في غلظة: “يا ولد .. صب الماء هنا .. يا ولد بي جاي .. فتِّح عينك ده شنو البتعمل فيهو ده ما رشّيتني” وهو ينهرني بأن أنتبه وأن أسلّط فتحة الخرطوم على أسفل هذا الجدار أو ذاك، أو في مجرى البول هذا أو ذاك، قد يأمرني بالتّوقّف ريثما يفتح مسلكاً كان مسدوداً بحصاة أو بخرقة وكلانا تصطكّ أسنانه وهو يرتعش، وحدث في أكثر من مرة أن أتى ممن نعرف شخصياً أو لا نعرف ليستخدم المرحاض، بعضهم كرّ راجعا حين رأى أبي يقوم بتنظيفها وأنا –ابنه- في الوصيد أسلط المياه نحوه، مراعاة وحياء. وبعضهم كان جدّ مزنوق فلم يكترث لا للأدب ولا لابنه، بل تحاشى المياه الجارية في محاذرة وأخذ طريقه إلى حيث قضى حاجته وأزال عنه الخبث وأبي صامت مهتمّ لا يرفع عينه عن الأرض نحو قادم أو ذاهب، وقد ينتهرني بأمر لا مبرر له لعلّه كان يرمي بذلك إلى شدّ أزري أو للهرب من شئ ما كان في نفسه.

بعد ساعتين من الارتعاش والاصطكاك، ساعتين من العمل المتواصل المقزّز غسل أبي قذر البشرية من ذلك المكان الذي تتخلص فيه البشرية من قذرها، غسل أبي ساقيه ويديه وطلب لنفسه ولي شراباً شربناه في صمت وبغير مذاق .. ما إن أهلّ هذا بطلعته حتى هبّ والدي واقفاً في عشم وسعى نحوه:

–       هل تمّت نظافة المراحيض يا عمّ محمد؟

–       نعم سعادة المدير .. لقد تطلّبت نظافتها أربعة من أولاد النّوبة وطلبوا على ذلك جنيهين.

–       جنيهان؟ لماذا جنيهان؟

–       كان الوسخ كثير سعادتك، وجنيهان قليل.

–       حسناً هاك الجنيهين لتكن آخر مرّة وإلا لمتك أنت وجعلتك تنظفها بنفسك .. يؤسفني أن أقول لك هذا ولكنني سأجعلك تنظفها بنفسك .. سامع؟

–       سامع سعادتك وإن شاء الله ما تتكرّر (وضغط على كلمة “شاء”) واستلم النقود بيدين مرتجفتين وشفاه متراعشة.

ضربنا نفس المشوار مرّة أخرى .. نفس المشوار. وفي الطريق قال لي وكأنه يعتذر عن أكثر من شئ، وكأنه يخاطب نفسه هو في المحل الأول:

–       لم تكن معي غير خمسين قرشاً يا ولدي .. لم أكن أحسب أن ثمنها أكثر من خمسين قرشاً ومن أين لي معرفة ثمنها. الحمد لله على كل حال استطعنا تدبير المبلغ رحمة من الله الذي لا يضيع مخاليقه. كل ما أتمناه أن تكون هي ما تطلب وتريد. لقد وفقنا الله من حيث لا نحتسب والمضطر يركب الصعب يا ولدي .. الحقيقة لله البرد شديد هذا العام .. مقصودنا راحتك وربنا يوفق.

يا الله! يا الله! أن يكون ثمن خسيس من الدفء كلّ هذا العار وكل هذا الانكسار وكل هذه المهانة وأي ثمن باهظ هذا .. إنني والله ما لبستُ تلك “الفنلّة” .. وما لبستُ “فنلّة” حتى اليوم إلا وشممتُ رائحة ذلك المرحاض وأية رائحة .. أية رائحة يا أستاذ. لقد روينا غلّتنا من إناء قذر وعُفنا الحياة، عفنا أنفسنا لأن الحياة بدورها عافتنا. وهكذا يا أستاذ.

=======

* صلاح أحمد إبراهيم: شاعر وكاتب وقاص سوداني.

** أم صلمباية: فأر صغير الحجم، والكدكداي: فأر كبير الحجم، (الجقر).

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً