الرئيسية / العدد الثلاثون / أصول الفقه قراءة نقدية (2)

أصول الفقه قراءة نقدية (2)

جهاد

جهاد حسين ود الهندي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

سلطة السنة كحقل منفرد:

إنما دين محمد آثار … نعم المطية للفتى الإخبار

ابن حنبل

تتلخص المباحث الأصولية بمختلف حججها في معنى واحد و هو بيان حجية السنة و وضعها المعرفي خصوصاً عندما ظهر بعض المخالفين لما ذهبوا إليه و لكن ما يهمنا من هذا هو السنة كحقل مستقل.

الكثير من الصراعات السياسية و الأيدلوجية و المذهبية، و التي هي أيضاً نتاج لاستغلالية السنة في التشريع، تجعل أمر السنة و تاريخ ظهورها كحقل منفرد، غامضاً لذلك ابتداءً  سأغفل عن صراعات مرحلة التدوين وأتركها لباحثين يتلذذون بها و سأسلط الضوء على حجج الأصوليين المعرفية للسنة.

اشتهر عن يحيى بن كثير كما أورد البغدادي الحنبلي قوله” السنة قاضية على الكتاب و الكتاب ليس بقاض على السنة” كما اشتهر القول نفسه للاوزاعي. يقول البربهاري الحنبلي “أن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن”. و لكن سنجد أن هذه الأقوال تمت معارضتها من داخل المدرسة الأصولية كقول أحمد بن حنبل عندما سئل عن مقولة ” السنة قاضية على الكتاب …..”  ما ما أجرؤ على أن يقول مثل هذا؟ لكن مع ذلك قد جرى العمل بتلك الأقوال و العمل بها و لذلك راح أصحابها يبحثون أن أدلة تؤسس للسنة من داخل القرآن و هنا وجه التعارض المعرفي حيث يجري الاستدلال على استقلالية السنة من حقل آخر، هي تقضي عليه و تبين مجمله و تخصصه، فكان استدلالهم على نحو قوله تعالى: ” و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” و لكن يكمن الإشكال هنا أنه لا يلزم على وجه الضرورة أن المقصود ” و لا ينطق عن الهوى” هو النبي أو ما يسمى لاحقاً بالسنة إلا على وجه التأويل الممكن، و قد يصل إلى حد الممتنع. و لكن على هذا النحو صارت ناسخة للقرآن فظهر القول بالرجم على أن آيته منسوخة و هنا الإشكالية تتجاوز السنة لذاتها فتأخذ معها القرآن مما يطعن صراحة في أحكامه و مصدريته باعتبار أنه “لا مبدل لكلماته” كما أنبأ الله عن ذاته أي أنه ليس هناك سلطة تشريعية من خارجه.

ما نقوله: أن القرآن هو وحده المنفرد بالتشريع و لكن مهمة الرسول كانت هي التبيان و التوضيح و لكن ما ذهب إليه الأصوليون عكس ذلك، و لهذا كان الفقه قائماً عليها و ليس على القرآن.

ثالثا: الإجماع و استحالة الحدوث

من قال بالإجماع فقد كذب، هكذا يقول أحمد بن حنبل، و لكنه لا ينفيه كما غيره من الأصوليون، فهو يقول به لكن يقول بإجماع الصحابة. و نسأل هنا هل أجمع الصحابة على أمر ما؟ و لما كان تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم مليء بالخلافات و كل له مشرب يأخذ منه، استحال وقوع إجماعهم على شيء، حتى الإجماع السياسي الذي حدث شابته شوائب، وهو ما راح الغزالي أبو حامد يؤسس عليه الإجماع الفقهي عندما استحال له تأويل بعض الآيات على ذلك النحو، و لكن و إن وقع إجماع سياسي فكيف يكون حجة على إجماع فقهي؟

لم يختلف كل الأصوليون في سلطته و كان اختلافهم في شكله، فالإمام مالك كان يرى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة و يعارضه الغزالي الذي كان يرى أنه ” أعظم أصول الدين” كما يقول في المستصفى، أن أهل المدينة تفرقوا في الأمصار فليس لديهم إجماع، و هنا يأخذ الإجماع مع الغزالي منحى جديداً فيبدأ بتأسيسه على أنه إجماع المجتهدين أو العلماء، و لكن إذا سلمنا جدلاً بالإجماع هل إجماع عصر من العصور يحكم العصر الذي بعده؟ يجيبنا الحسن البصري أن الإجماع إذا استقر على تأويل أو تفسير لا يجوز مخالفته و هنا يقصد إجماع السلف لتعود سلطة السلف حاكمة و مؤسسة أيضا للإجماع. و لكن للإمام النظام المعتزلي الأصولي رأي آخر، فيرى أن كل قول قامت حجته هو إجماع و أن كان واحداً هنا يقصد قامت حجته بمقتضى مرجعيته التأسيسية الاعتزالية.

أخيراً، نقول جل إشكالية الإجماع أنه لم يقع، و أنه يؤسس لسلطة غير معرفية إسناداً على القديم و منظمة الكمال في السلف.

رابعا: القياس

     يعرفه علماء الأصول على أنه ” تقدير شيء على مثال شيء آخر و تسويته به” أو قياس الغائب على الشاهد. فهو يتأسس على ثنائية الأصل و الفرع، و هو رد الفرع على حكم الأصل، فهو عملية تمديد حكم بين طرفين أولهما أصل و الآخر فرع و في ذلك المثال الفقهي المشهور الخمر و النبيذ، النبيذ ” الغائب ” على ” الشاهد” الخمر بافتراض علة السكر و تمديدها فالخمر حرام لأنه مسكر ، و النبيذ مسكر فهو حرام، نستنتج أن القياس يقوم على ثلاث: ( العلة – الحكم – المحكوم) و لكن تكمن إشكالية القياس فيما يؤسسه و هو ” ظن القائس” فالحكم الذي يستخرجه القائس حكم ظني بافتراض العلة فهي ما يجتهد الفقيه القائس على معرفته بما توفر من قرائن.

أخيراً ملاحظة حول القياس و الإجماع:

القياس ليس هو القياس الكلي أي بين أشياء متشابهة كلياً إنما متشابهة بافتراض القائس فالنبيذ كالخمر بافتراض ظني يقرره ذهن القائس.

الإجماع بين الإجماع السياسي البشري و بين الإجماع على مسألة فقهية التي تعني مخالفتها مخالفة لها أثرها العقدي.

هذا و الله أعلم

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً