أقصوصة جندي

حسين

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

عندما تم انتدابنا للخدمة العسكرية كنا براعم خضراء يانعة تنمو بخجل في أرض الحرب البوار

تعجبنا وقتها كثيراً ولم تدرك أفهامنا الغريرة

لم تحل البندقية عوضاً عن الوردة ؟

وقاذفة القنابل عوضاً عن البيانو ؟

هل علينا أن نكون زبانية حرب إن أردنا أن نكون رسل سلام ؟

قالوا أنهم سيهدوننا تابوتاً من خشب الماهوجني الفاخر ، أعيرة نارية تسعل فوق رؤوسنا ، ميدالية فضية ، بضعة أوسمة وأزهار نرجس ..

وأخبرونا أنا إذا مامتنا سوف ترضى عنا أمهاتنا ..

*

كنا نزحف داخل الخندق ببطء كثعابين حذرة

والحرب تنبح فوقنا بسعار مجنون

وكان لهاثها المسموم يقرع أسماعنا بالويل والثبور

أخي الذي عن يميني عضه لغم في بطنه فانكفأ على ظهري

وأخي الذي عن يساري انفجر رأسه فجأة كنهر آسن من الدموع

أما أنا فتركت رأسي يغوص تحت الطين

تاركا عيناي الحزينتان تسبحان فوقه كنذيري شؤم ..

*

كنا مدججين بأعيرة ثقيلة لما دخلنا القرية

وهكذا ..

باسم الرب وفتاوي رجال الدين ..

اقترفنا شيئا نكرا تعجز الفظاعة عن سرده

حصدنا الأطفال والنساء والشيوخ

ثم أضرمنا النار عاليا

كانت الريح تولول ذاهلة

والطبيعة ترثينا بأكذب لسان

وبعد أن ارتوت الأرض بالدماء

طفقنا نخصف علينا من ورق الشجر

نداري عورة فعلتنا

أحكمنا وثاق ضمائرنا

ونمنا بأعين مفتوحة فوق أسرّة من الدموع

وحدهم الساسة من ضحكوا أخيرا ..

*

على متن طائرة نفاثة

رحت أرتعش كخيال المآتة

والمدافع تعوي خلفي كذئاب جريحة

ويلاه ..

ألا زال هناك متسع من موت ؟

أوامر القادة ماتفتؤ تعتصر روحي كليمونة مرة ..

ولكم كانت قاطعة .. حادة .. وجازمة :

– اضرب .. دمر .. لاتبق ولاتذر

وبينما أنا ماض في مشواري الرهيب

رحت أقبل جباه المآذن وأنثر دمعي على رؤوس الكنائس في بلدتي الحبيبة ..

يا خالقي الرحيم مالعمل ؟

الذين أتيت منهم لحمي ودمي وأحبهم حبا جما

وهؤلاء أيضا لحمي ودمي وأحبهم حبا جما

ويلاه ..

ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا

وفي غمرة انفعال

وضعت القنبلة بقلبي

ولبثت بناري أتفجر ..

*

وبعد أن التهمنا الأخضر واليابس

جاءت الأوامر بتسريحنا

حتى آلات الحرب من حقها أن تستريح ..

ونحن عائدون بالقطار اكتشفنا إلى أي مدى أصبحت قلوبنا هشة ..

تضحكنا أشعة الشمس حين تتراقص على صفحة الغدير

ونجهش بالبكاء عند سماع موال مغمور بالمذياع المحلي ..

على ربوع قريتي ..

تلفتّ كالملسوع حنينا حتى تفتت كبدي

لقد نزح الجميع واختفت معالم الحضارة

هذا ماقالته لي قطة ذاهلة وهي تلوك جيفة في فمها ..

أبواي وأختاي تفحموا في غرفة الجلوس

أخي مات منتحبا تحت ظل شجرة فاردا ذراعاه كحمامة خائفة

الفتاة التي أحب تزوجت كفنا وزفت فورا إلى قبرها

لكن هذا لايهم فأنا نفسي لم أعد نفسي القديمة ..

تجولت بأطلال منزلي حينا

وكانت ذاكرتي تصر على أسنانها كباب لم يغلق جيدا

على الفُراش ألقيت بما تبقى من جسدي

ككيس من المسامير الصدئة

وعندها فُجعت بالنزيف المتقادم عهده

رباه ..

لقد اجتثت جذوري منذ زمن !

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً