اخلع نعليك ( 1 )

عمر

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

أيها السائل لا تعب على المعربدين عربدتهم.

فمن ذاق عرف، طعم المحبة و الانبعاث .

استهل المقالة بهذه العبارات نصفها الأول هو بيت لمولانا لسان الغيب الحافظ الشيرازي و نصفها الثاني بيت شعري للفقير كاتب المقال، استهلال واجب لأنه به المفتاح الذهبي لهذا العالم، و قبس نور نهتدي باشارته عند خوض خضم آفاق التصوف، فمن كان يملك آراء مسبقة فليدعها خلفه لأن من ذاق عرف.

إذن ما هو تعريف التصوف، التصوف في امتداده الإنساني المتوغل في جميع الأديان وضعية أو رسالية تجلى بقوة كرد فعل لنزوع النفس البشرية إلى السمو الروحي و مفارقة المادة و مفارقة الاحتياجات الدنيا للنفس، كتجليات و كاشكال الرهبان البوذيون و نرفانا المتصوفة الهندوس و قبالة اليهود التي اعتنت بالأرقام و رهبانية المسيحيين و تصوف المسلمين،

و هذا يتطرق بنا إلى موضوعنا و خصوصيته، التصوف الإسلامي فما هو التصوف هل هو مذهب ام اتجاه روحاني؟

التصوف ليس مذهب كبقية المذاهب الإسلامية كسنة و شيعة و اباضية بل هو امتداد واسع كاتجاه روحاني له خصوصيته و معجمه.، الدين الإسلامي له أركانه؛ خمس معروفة و له مراتب عبادية ألا و هي ( الإسلام – الإيمان – الإحسان ) و عندما سئل الرسول صلى الله عليه و سلم عن مرتبة الإحسان ما هي أجاب : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) و من هذا التعريف انبثق التصوف، هذه الرحلة الروحية التي ترتقي بالنفس المرتبة العلوية ، وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة. وهذا المنهج يقولون أنه يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فهو علم كعلم الفقه له مذاهبه ومدارسه ومجتهديه وأئمته الذين شيدوا أركانه وقواعده – كغيره من العلوم – جيلاً بعد جيل حتى جعلوه علماً سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، ومن أشهر هذه الكتب: الحِكَم العطائية للإمام ابن عطاء الله السكندري  وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي،والرسالة القشيرية للإمام القشيري.

انتشرت حركة التصوف في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل لانتشار مظاهر كالبذخ و اللهو في العصر العباسي، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقا مميزة متنوعة معروفة باسم الطرق الصوفية في القرن السابع وقت اضمحلال المجد الإسلامي و ان شاب بعض الطرق الشطط و الانحراف . والتاريخ الإسلامي زاخر بعلماء مسلمين انتسبوا للتصوف  وجلال الدين الرومي والنووي والرازي والغزالي والعز بن عبد السلام و الإمام الجنيد.

مدرسيا مال البعض إلى تفسير معنى كلمة التصوف، فمنهم من قال ان مصدره الصوف و هو خلعة الفقراء، و منهم من قال ان التصوف من الاصطفاء أو من الصفوة أو من الصفاء، و هناك من جنح إلى ربط الاسم بالفلسفة ( philosophy ) اي محب الحكمة، لكن في رأيي التعريف جاء من الاصطفاء إلى معارج السمو الروحي التي تأتي بمجاهدة رغبات النفس و المواظبة على الرياضات الروحية من صور و صلاة و ذكر لتملك زمام النفس الامارة بالسوء، و لفك الاشتباك الاصطلاحي أذكر ما قاله الفتح البستاني في تعريف الصوفية.

تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقاً من الصوف ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتى واحدا صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي

و ماقاله مولانا الجنيد : التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني.

و قول أبو الحسن الشاذلي: التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية.

و استحضر كلمات الدكتور يوسف زيدان عن التصوف، انه ارتقاء النفس الإنسانية إلى سقف قشرة التحضر و الوصول لمرتبة أعلى من مرتبة الملائكة.

أخيرا اترككم مع قصة صغيرة من تراث التصوف بطلها الإمام أبو القاسم الجنيد البغدادي النهاوندي القورايري تلخص معنى دين الحب و الرجاء، ان تعبد الله كأنك تراه.

——

قال الإمام الجنيد رضي الله عنه :

حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطواف ، فإذا انا بجارية تطوف وتقول :

أبى الحب ان يخفى وكم قد كتمتهُ

فأصبح عندي قد اناخ وأطنبا

إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره

وإن رمت قرباً من حبيبي تقرّبا

ويبدو فأفنى ثم أحيا به له

ويسعدني حتى ألذ و اطربا

قال: فقلت لها يا جارية اما تتقين الله تعالى في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام ، فالتفتت الي وقالت يا جنيد :

لولا التقى لم ترن

أهجر طيب الوسنِ

إن التقى شردني

كما ترى عن وطني

أفر من وجدي به

فحبه هيمني

ثم قالت يا جنيد :

((تطوف بالبيت ام برب البيت ))

فقلت : أطوف بالبيت .

فرفعت رأسها الى السماء وقالت : سبحانك سبحانك ماأعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالاحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول :

يطوفون بالاحجار يبغون قربة

اليك وهم اقسى قلوبا من الصخرِ

وتاهوا فلم يدروا من التيه من همُ

وخلوا محل القرب في باطن الفكرِ

فلو اخلصوا في الود غابت صفاتهم

وقامت صفات الود للحق بالذكرِ

قال الجنيد : فغشى علي من قولها فلما افقت لم اراها…

وفقنا الله إلى طريق محبته و رضي عنا و دلنا على حقيقة نوره بنوره.

المصادر :

الرسالة القشيرية للإمام القشيري

تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار

الرسائل الجنيدية للإمام ابو القاسم الجنيد

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

أضف تعليقاً