الغفران

23730_465011290214380_93680022_n


 ساره النور :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“خذى هذه الحلوى لك”

مازالت تلك الجملة تتردد داخل رأسها، إلى أن احتجزتها في إحدى الزوايا المظلمة، أغلقت عليها وغيبتها عن ذاكرتها. إلا أن صداها يأتيها بعيداً أحياناً، لم تفلح في إسكاتها ولكنها لم تلتفت لها؛ ماهرة هي في التناسي لا النسيان..

 استلقت على الأريكة، ووضعت رأسها على وسادةٍ شابهت لها طوق النجاة، بشكلها الدائري المثقوب من الوسط بحجم يسع قاعدة الرأس. ما أن وضعت رأسها حتى أحست بالماء، وسادةٌ مائية يصدر عنها صوت خفيف كتلاطم الأمواج، تبدو مريحة. نظرت إلى السقف فوجدته يحاكى المحيط، توزعت عليه أسماك صغيرة وكبيرة، انتظمت في حلقات متداخلة، شعرت ببعض الدور فأغمضت عينيها..كم هم الذين مروا من هنا.. وأسقطوا ما في رؤوسهم على هذه الوسادة، لا يبدو الأمر هيناً كما في الأفلام.. ربما تعرية خبايا الأنفس مرعبٌ حد الهروب منها..

***

 “الشاي يا عيال..”

كان صوت جدتهم وهى تناديهم، أقرب لصفارة الحكم التي تعلن إنتهاء المباراة، فهم على حالهم هذا كل مساء، يركضون في باحة المنزل، ويتبادلون حراسة المرمى المعلم بأحذيتهم. تتعالى أصواتهم كلما سجل أحدهم هدفاً بين مؤيد ومشكك في صحته، إلى أن يتصاعد نداء الشاي معلناً انتهاء مسائية اللعب، فيركن الجميع بعده إلى مشاهدة التلفاز وتناول العشاء، ثم يتخذ كل منهم سريراً معلوماً له. ينامون ليستيقظوا باكراً، وينطلقوا نحو الجامع حيث يجتمع أطفال الحي صباحاً ليتلقوا دروس القرآن في الخلوة. هكذا كانت الإجازة، الخلوة صباحاً ثم اللعب والمشاجرات طيلة النهار.

 تذكرتها وهى ابنة الثمانية أعوام، بجلبابها الأزرق متوسط الطول، وتسريحة شعرها المقسوم نصفين، بشرائطها الوردية التي تناسقت والنقوش على جلبابها. كيف أنها كانت تأخذ الكرة بيدها إلى داخل المرمى، ثم تصرخ “هدف” وتصر على أنها محقة. لم تكن سوى أحدى هؤلاء الأطفال المجتمعين في منزل جدتهم لبضع أسابيع.

 ***

 تراجعت وهى تحاول أن تضيء بعض العتمة التي سكنتها منذ سنين، أحست بالضيق، لوهلة لم تعد تدرك أين هي، فتحت عينيها لترى الأسماك وكأنها تهاجم بعضها البعض. هزت رأسها فاستعدلت في جلستها، ثم التفت إلى الطبيبة “الأمر مربك جداً.. لا أستطيع”

ابتسمت الطبيبة “لا داعي للقلق ذلك أمر متوقع”

في شيء من الحرج “آتيك غداً ربما أكون أكثر استعداداً”

مازالت الطبيبة على ابتسامتها “هو كذلك”

كانت مضطربة بعض الشيء، وذلك الباب الذي تركته موارباً، تتسلل منه الأحداث تباعاً داخل رأسها. واصلت طريقها مشياً دون أن تكترث للحرارة،انتصف النهار،إلا أن السماء تميل إلى الشحوب، فقد استطاعت السحب أن تغض طرف الشمس، ولكنها عجزت عن الإمساك بحرارتها، فتسربت وضربت على وجه الأرض، فكان جواً شديد الحرارة، يغلب عليه السكون، تكاد تجزم أن الهواء قد حزم نسائمه وغادر هذا الشارع. كانت تستشعر حركة السحب الحية، وتُمنى نفسها بجولة تحت المطر، فلطالما اشتهت ذرات الماء المصنوعة على عين السماء بحب، ربما أطهر هي من تلك التي عانقت الأرض، فإن اغتسلت بها حملتها مالها وتحللت بطهرها..

***

 لم تختلف الإجازة كثيراً للحاضرين في منزل الجدة عن سابقاتها، إلا من زيارات متفرقة لبعض الأقارب، فكان هو بعينيه الضيقتين وضحكته الهادئة ضيفاً مقيماً، يتردد عليهم كثيراً، يُلاعب الأطفال ويمازحهم، كثيراً ما كان يأخذ دور الحكم في المباريات، ويقوم بفض أغلب النزاعات على كثرتها، فكان وجوده على كثرته طبيعياً. تتذكره وتلك الحلوى التي كان يخصها بها دون بقية الأطفال..

“خذى هذه الحلوى لك”

آخر ما تذكره ليلتها، ذاك وابتسامته العريضة وهو يجلسها على حجره، هي الآن تعرفه جيداً، كلما التقت به انتفضت الطفلة في داخلها، وكلما وقعت عينها على تلك الحلوى شعرت بالغصة، بكت، امتعضت تداخلت عليها أحاسيسها. ودت لو أنها عاقبته عنها، ولكنها لا تستطيع، مازال في نفسها بعض حرج، تخشى هي أن تسمعها، فيسمعها الآخرون. إحساس بالعجز يعتريها، ذاك الذي هربت منه بتجريم الصغيرة، عاقبتها كممت فمها وعصبت عينيها، ألقت بها هناك في الزاوية، ثم أطفأت الأنوار وأغلقت الباب..

 ***

 فتحت باب شقتها، أشعلت الضوء، ألقت بحقيبتها على الكرسي، ثم ارتمت بجسدها على الأريكة..لم تشعر إلا ودموعها تسيل على خديها، ذلك الباب الذي أحكمت إغلاقه سنين عدداً، فًتح على مصراعيه. هاهي ذي طفلة، خطيئتها أنها لم تكن تعلم أن ما بعد الحلوى مآرب أخرى، ورغم ذلك حكمت عليها بالصمت المؤبد والعار الداخلي..

هي لم تغفر لها، فكيف يغفر لها من هم سواها..

 ***

 “لا بأس يمكنه البقاء معنا هذه الفترة “

كان صوت زوجها في تلك المحادثة قبل أيام ..فتيلة اشتعلت داخلها، أفقدتها سكينتها المُدْعاة. لم تقل شيئاً وقتها، ولكنها أحست بوجع طفلة الأمس، فارتجفت فيها أم اليوم. أمسكت بهاتفها في قلق، تحركه بين يديها ثم اتصلت على زوجها

“علينا أن نتحدث”

 كان حديثاً يكسر صمتاً أوجعها كثيراً..أحست وكأنها فتحت الباب لها، ودعتها إلى منصة شهود من صنع خوفها، استنطقتها بعد طول سنين، ولكنها اليوم تختلف. لم تكن هي من يطلب الاستئناف، بل العالم من حولها..

 ***

لم تدر من أين تبدأ قصتها، أبطعم حلواها، أم بصمتها الممزوج بالمرارة، غصة اعتمرت في حلقها.. ولكنها لم تمنعها الحديث..

كان جالساً يسارها، يستمع إليها ويده ترسم بعض الدوائر والخطوط المتقطعة على الطاولة أمامه، والتي اجتمع عليها بعض غبار، جعل من رسوماته أكثر وضوحاً، ولكنها لم تستطع تفسيرها..

لم يقاطعها، ولم تبحث عن تلك المقاطعة، فاندفاع الكلمات لم يمهلها كي تختبر إحساسها، تلك الحكاية التي لم تسمعها من قبل، تتجسد أمامها، بكت، أخيراً تلك الغصة وجدت طريقها إلى عينيها، أحست ببرودة لاسعه في يديها، وبعض التسارع في نبضها، رفعت عينها تبحث عنه قربها، أحست باضطرابه، فقد بدا صوت قدمه وهو يضرب الأرض، بإيقاع منتظم يملأ فراغ المكان، ويطغى على حضور الصمت، إلى أن استعدل في جلسته، والتفت نحوها، لم ينظر إليها، ربما نظر من خلالها، أحست بشيء من الغرابة في نظرته، بعض الألم، بعض اللوم ربما، لا تدري.. كانت نظرته مبهمة كرسوماته على الطاولة..

لكنه لم يقل شيئاً!!

لم يقل شيئاً، فقط ربت على كتفها هكذا وانصرف إلى المطبخ يبحث عن الماء.. فتناولت منديلاً من حقيبتها، وانحنت على الطاولة تزيل عنها الغبار وأثار الرسومات..

 ***

 ملأ لنفسه كوباً من الماء الفاتر، أخذ جرعة واحدة، أحس برحلتها داخل جوفه، لم يدر كم من الوقت أخذت لتستقر في معدته، وضع الكوب، ووقف عند نافذة المطبخ يراقبها، وهى تمسح الطاولة، تقدم نحو الصالة، دار في خلده الكثير، حتى خرج صوته متنهداً “أأعرفه؟!” قالها ونظره بعيداً إلى الباب

ردت دون أن ترفع بصرها “ربما!!”

فجاءها صوت ارتداد الباب، أغمضت عينيها، أحست بشيء من الضيق والحزن، ودت لو أنه بقي، ولكنه خرج بهدوء، تركها وماضيها المبعثر في المكان، تمنت لو أنه لملم معها جراحها، تحركت ببطء نحو غرفتها تملؤها هواجس الحاضر.. وهى تتمتم “ليته كان غريباً”

 ***

 فتحت الباب.. لم تستطع اصطناع الابتسامة، فعلى فرحتها بعودته، امتلأت عيناها بالدموع.. وهى تسأله

“يومان؟!”

“أعذرينى صمتك أوجعني”

رمى بعبارته تلك وأغلق الباب خلفه، إتكأ عليه قليلاً، ثم تحرك باتجاهها، اعتقد أنه يستطيع التناسي، ولكن ما أن نظر في عينيها، حتى بدأ يسمع صوتها، قصتها، هز رأسه واختار كرسياً منفرداً جلس عليه.. لوهلة شعر وكأنه غريب عنها، وهى تجلس هناك على الأريكة يعتلى وجهها كثير من القلق، تدور بعينيها في المكان، تستقر على عينيه، فيشعر بالارتباك، ود لو أنه أخذها بين يديه وقال لها  “سنكون بخير”

ولكنه لا يعلم بعد..

 ***

 مضى أسبوعان منذ أن غادرت مكتب الطبيبة، لتجد نفسها الآن ورأسها على تلك الوسادة المائية مرة أخرى، بدا لها وكأنها المرة الأولى التي تضع فيها رأسها عليها، وما أن أغلقت عينيها حتى أحست بقبلة إبنتها ساعة أوصلتها المدرسة صباحاً، سمعت صوت زوجها وهو يقول لها سأنتظرك بالخارج، ورأت تلك الطفلة، هي ذاتها تتحرك حافية على شارع لا نهاية له، فتذكرت جولتها المشتهاة تحت المطر فقالت للطبيبة

“أنا أبحث عن الطهر”..

ردت الطبيبة مبتسمة “طريق الطهر هو طريق المغفرة”

كانت تلك الكلمة التي تحتاج.. لتعبر مساحة الغفران التي لم تطأها بعد..

أن تغفر لها تلك هي المسألة..

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

اترك تعليقاً