الرئيسية / العدد الثلاثون / النظر في سنن الله

النظر في سنن الله

فوزي

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

سأل أحد الملاحدة عن فائدة تواجد إله ، إذا كان الله قد خلق الكون و بث فيه قوانينه و التي نسميها بمصطلح ديني : السنن ، فما فائدة تواجد الإله ؟! … و كما يلاحظ الجميع ، أن الغاية من هذا السؤال ، هي الطعن في فكرة تواجد الإله بالجملة …

عموماً ، الإجابة المبدئية كانت بأن الله قيوم على خلقه ، و دليل ذلك ، هو الخوارق أو المعجزات التي حصلت من قبل ، مع الأنبياء و الرسل بحد ذاتهم … لكن و بما أن الملحد لا يؤمن بالدين ، فإنه سينكر المعجزات و حكايا الأديان ، لذلك سننطلق من المنطق العلمي العلماني لنثبت أن المعجزات ممكنة .

 فنقول مثلاً ، أن الاحتراق كحدث كوني ، يكون بسبب النار (كما هو معلوم) ، بمعنى أن النار سبب الاحتراق ، لكن ما يلزم أن تكون النار هي سبب الاحتراق ؟ ستقول عناصرها الكيميائية هي التي تلزم ذلك ، أي صفة في ذات النار ، بالتالي أصبحت عناصر الهيدروجين و الأوكسجين هي السبب ، و بنفس الشكل سنقول ما يلزم أن تكون العناصر هي سبب الاحتراق ؟ سندخل الآن إلى عالم الفوتونات و البروتونات ووو … إلى ما لا نهاية من التسلسل السببي … و ستقول : “توفر شروط معينة لهذه الفوتونات و البروتونات يؤدي إلى الاحتراق ، بالتالي الفوتونات و البروتونات” ، لكن هل توفر الشروط المفضية إلى تفعيل عملية الاحتراق هي السبب النهائي ؟ بمعنى هل هذه الشروط منفصلة ذاتها ؟ أم أنها صفة فيها ؟ … فإن قلت صفة فيها ، قلنا أين تكمن هذه الشروط في ذات هذه الفوتونات و البروتونات ؟ فعلى سبيل المثال الحجر يكسر الزجاج بسبب شرط الكثافة العالية ، أين يكمن هذا الشرط (أو الصفة) في ذات الحجر ؟؟!! … فإن قلت الصفة منفصلة بذاتها عن الموصوف ، قلنا : فما تكون تلك الصفة ؟ أي ما هي هذه ماهية هذه الصفة ؟! …
هنا نصل إلى العدمية العقلية ، لندرك إيماناً ، أن قوة معينة خارقة هي ما تضمن تعاقبية النتيجة للسبب … و بالتالي إلزام النتيجة بالسبب … إن إلتزام النتيجة بالسبب قائم بقدرة الله ، ومتى شاء عطلها ، كما في حالة المعجزات ، مثل معجزة سيدنا ابراهيم مع النار ، و معجزة سيدنا موسى مع العصا عليهما السلام ، و متى شاء حققها ، و هي الحالة المعتادة لعقول الناس ، و التي يسميها الناس بقوانين الطبيعة ….
و هنا نكون قد أثبتنا أن الله فعلاً قيوم على خلقه ، و على سنن خلقه ، متى ما أراد عطلها و متى ما أراد فعلها ، على الأقل ( حسب المفهوم المتعارف عليه حول السنن لحد الآن ، أي مفهوم القانون)

و بهذا نكون قد حاججنا الملحد ، و لكن بشكل أو بآخر ، سيبرز لنا الربوبيون عموماً ، حتى من المتدينين و هم لا يدرون ذلك ! … كمثل من ينكر المعجزة التي حدثت لسيدنا ابراهيم عليه السلام ، و يقول أن التفسير خاطيء ، و أن النار المقصودة هنا هي الإهانة و التكذيب … بحجة أن الله قد قال في كتابه الكريم : “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” … بمعنى لا يمكن لله أن يبدل في سنن خلقه ! … و كأنه يلزم الله في فعله ! -استغفر الله العظيم-
و هنا بطبيعة الحال ، سيتطلب منا الأمر ، توسيع مفهوم “سنة الله” استناداً على قيومية الله على خلقه ، أي استناداً على فعله ، بغض النظر عن التفسير الذي يبدو حتى بلاغيا ضعيفاً …
و قد حاول البعض تبيين هذا ، عن طريق تبيين الفرق بين فعل الله و فعل الإنسان ، فقال أن فعل الله لا يحتمل التزمن ، أي بمعنى : اذا فعل الله فعلاً ، يحدث مباشرة ، من دون مرحلية ، بينما فعل الإنسان بطبيعته متزمناً ، يستلزم المرحلية (سنرد عن هذا الادعاء لاحقاً )
و لكن ، هذا القول أيضاً لم يخرج عن إطار الربوبيين ، لأن الربوبيون يقولون أن الله خلق الكون و بث فيه قوانينه و تركه يسير لحاله ، و الرأي الأخير يقول أن الله خلق بالفعل ، و فعله مرة واحدة ، لأن فعل الله غير متزمن من حيث أن الله غير متزمن !

و للرد على هذا الرأي نقول لصاحبه : أنت حينما تحاول التوضيح بين فعل الإنسان و فعل الله ، تقول أن فعل الإنسان يأتي على مراحل لأنه متزمن ، بينما فعل الله يأتي فجأة ، أو خلق مباشر ، لأنه غير متزمن  … و مع ذلك أنت تقول أن خلق الله يأتي “من العدم الى الوجود مباشره” ، و هذا الوصف أيضا يحمل التزمن ، لأن السيناريو (من “العدم” إلى “الصفة” “مباشرة”) يحمل تعاقبية ، و بالتالي يحمل تزمين …

ثاني الأشياء التي قد ذكرتها سابقاً : “أن الفعل موجود و الكيف مجهول” (نقصد هنا الفعل الإلهي) … لأنك لو حاولت تصور فعل الإله (سواء بالمرحلية أو بالمباشرة) فإنك بشكل أو بآخر تحاول التوصل إلى تصور ذات الإله ، و هذا محال …. لذلك أعيد و أقول : الفعل موجود و الكيف مجهول
ثالث شيء ، بما أن الموضوع الرئيسي هو موضوع يتحدث عن ملحد ، فإني أحب أن أذكر بعضاً مما رأيت في حلقة تلفزيونية تحمل مناظرة بين شيخ و ملحد جزائري … الشيخ سأل الملحد عن ماهية العلم ، فأجابه إجابة مفادها أن العلم هو الموجود في الكون ، و هذا خطأ ، العلم هو المعرفة الإنسانية المنظمة و المرتبة و الممنهجة ، … و على العكس من ذلك ، نقول : سنن الله هي الكيفية التي يسير بها الكون ، و لكن الإنسان كونه إنسان متعلم دائماً و أبداً ، فهو يرى المعرفة المعتادة هي سنن الله في خلقه … و هذا خطأ ، فما علمه من سنن الله ، هو جزء من سنن الله في خلقه ، يمكننا أن نطلق على هذا الجزء مصطلح : السنن المعتادة ، أي ما أعتاد عليها البشر …
و سنن الله ، هي السنن التي يقوم الله على قيامها ، منها السنن التي إعتادها البشر ، مثل سنة “حرق النار” ، و على هذا تصبح النار الباردة أيضاً من سنن الله ، و لكن التي لم يعتدها البشر ، و التي يسميها ” معجزة ” … كما أن السنن التي ستدخل لاحقاً في إطار العلم الإنساني (أي الغيبيات العلمية) ، هي أيضاً من سنن الله ، فإنك لو أحضرت شخصاً من عصر نيوتن ، و قلت له أن فيزياء نيوتن غير صحيحة ، لما صدق ذلك ، و لرماك بالجهل ! 
أي بمعنى أن سنن الله هي ما قام الله على تحقيقها ، سواء أكانت معتادة أم غير معتادة للبشر ، و نحن البشر ، مطلوب منا أن نتعلم هذه السنن بوجودها كما هي ، لا بكيفية قيام الله على تحقيقها ، فكما قلنا سابقاً : “الفعل موجود و الكيف مجهول”
و المقصود هنا بعدم التطلع إلى كيفيته : هو فعل الله ، و ليس تفاعل السنن فيما بينها ، لأن معرفة تفاعل السنن فيما بينها ، مطلوب شرعاً في إطار واجب طلب العلم …
و على هذا ، حينما يخاطب الله سيدنا موسى عليه السلام مثلاً ، قائلاً على لسان الذكر الحكيم : “قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ” فهو يخاطب عبده الذي يعلم أنه إعتاد على كون العصا عصا ؛ أي سيرتها المعتادة في علم البشر … أما حينما يقول : ” قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ” فهذا الخطاب ليس موجهاً لعقل بشري ، بل هو كلمة الله التي ستحقق سنة من سنن الله في خلقه ، بشكل غير معتاد للبشر (و التي يسميها البشر “معجزة” كما سبق و قلنا)

و بهذا يثبت قيومية الله على خلقه ، بسننه التي هي فعله ، و التي لا ندري و لن ندري كيفيتها ، و لكن واجب علينا أن نبحث عن وجودها ، و عن تفاعلات سنن الله في خلقه -لأن هذا من واجب طلب العلم- ، و هذه التفاعلات بطبيعة الحال ستكون من سنن الله في خلقه (لأننا قد وسعنا مفهوم سنن الله في خلقه) ، ما علم منها و ما لم يعلم ، في اطار سير الإنسانية في التاريخ … و بهذا الشكل أيضا نضع حدود المعرفة الإنسانية …
إن العلم بهذا الشكل ، وجب أن يتوقف على ما هو موجود ، أي بمعنى الذي يمكن الوصول إليه من خلال النظرة الإنسانية التزمينية التحييزية ، و التي لا يجب مطلقاً أن تتعدى إلى الغيبيات الماورائيات ، لأن هذا التجاوز (كما سبق و أوضحنا) ليس إلا مجرد ضرب من التخريف

 

 

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

12 تعليق

  1. Hi! I’ve been following your site for a long time now and finally got the courage to go ahead and give you a shout out from Houston Texas! Just wanted to tell you keep up the excellent work!

  2. I have seen that sensible real estate agents everywhere are warming up to FSBO Promoting. They are knowing that it’s more than just placing a poster in the front area. It’s really pertaining to building human relationships with these dealers who one of these days will become buyers. So, whenever you give your time and energy to serving these dealers go it alone – the “Law involving Reciprocity” kicks in. Great blog post.

  3. Everyone loves our brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU. Finding a I’ve truly along with them Mainly because are simply over-time to clean out since they stain simple. Existing way up West is hard to make sure they’re waterproof since the ground simply just wrecks individuals.

  4. Irrrm a sucker for our Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com. Didn’t have pretty much any damaging knowledge of him or her.

  5. Ultimately, you may want to take into account receiving brand
    placements with YouTube stars to accelerate your efforts and maximize
    your influence across various channels.

  6. I like tһis site so much, saved to boοkmarks. “American soldiers must be turned into lambs and eating them is tolerated.” by Mսammar Qaddafi.

  7. Avant de l’ajouter au panier, nous vous invitons à vérifier s’il peut
    vous être livré.

  8. Thanks for shаring superb informations. Your web site is very cool.
    I am іmpressed Ƅy the details that yoս have on this blоg.
    It reveɑls hoow nicely you perceive tɦijs subject. Bookmarked this web page, will come bacқ forr
    more articles. You, my pal, ROCK! I found simply the information I already
    searched everywhere and sіmply couldn’t coje across.
    What a great ѡebsite.

  9. Chaque complément alimentaire est décrit et détaillé,
    les articles proposent des conseils pour améliorer l’assimilation et l’utilisation des nutritional supplements destinés
    a la musculation, connaître les dosages et les éventuels risks ou risques pour la
    santé de chaque produit de musculation.

  10. Prenez n’importe quelle marque du moment que les fonctionnalités de la brosse vous conviennent.

  11. I realⅼy like yoսr writing style, fantastіc information, thank yⲟu foг putting up :D.
    “In university they don’t tell you that the greater part of the law is learning to tolerate fools.” by
    Dοris Leѕsing.

  12. If your organisation uses offshore merchant represent high threat vendors, please leave a comment in the
    remark area below or call us via our call page in order to get noted in this write-up.

اترك تعليقاً