الرئيسية / العدد الثلاثون / سحر الشرق في الأدب الروسي : الشاعر إيفان بونين

سحر الشرق في الأدب الروسي : الشاعر إيفان بونين

Ivan_Bunin-1901

* إعداد و ترجمة: د . إبراهيم إستنبولي *

في آب من عام 1953 توفي إيفان بونين (1870 – 1953) .. الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1933 .. وقد اشتهر بونين بشغفه بالشرق مما دفعه أكثر من مرة إلى زيارة بلدانه المختلفة، حيث تعرّف على حياة شعوبها و على عادات أبنائها و تقاليدهم .. وقد انعكس إعجابه بالشرق و بأهله في أشعاره و في قصصه و مذكراته ..

امتد طريق الإبداع عند إيفان حوالي 70 عاما، إذ صدر له أول ديوان شعر في منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر. وقد اتسم الإبداع الفني لإيفان بونين في ذروة عطائه بسعة الأفق وبعمق النظر إلى درجة مدهشة …فقد صارت قريبة إلى عقله و قلبه جميع الأزمان والبلدان، المبادئ الإنسانية العامة بخصوص الخير، الجمال والعدل. لم يكن هناك، على الأرجح، كاتب مماثل استطاع أن يتحسس بدرجة عالية وأن يستوعب وعيه بنفس الحدّية تلك العصور البعيدة ما قبل التاريخية، روسيا، الغرب والشرق. وقد ساعد في إنضاج وتفتح مواهبه ترحاله المستمر – تنقلاته في بلدان العالم. في عام 1907، وخلال استعداداته للسفر إلى الشرق الأوسط ، من أجل القيام برحلة حج نوعاً ما إلى “الأراضي المقدسة”، قام بونين بدراسة وتعلم الإنجيل والقرآن، وبالاطلاع على الدراسات المتعلقة بالشرق القديم – بمصر .القدس، فلسطين.

أثناء تنقله لم تكن تفارقه قصائد الشاعر الصوفي المفضّل لديه سعدي، الذي كانت حياته موضع إعجاب الكاتب الروسي: “بعد ولادته، استثمر ثلاثين عاما لاكتساب المعرفة، ثلاثين عاما في الترحال وثلاثين أخرى في التفكر، التأمل و الإبداع “. وقد عبّر الكاتب عن الغاية من تنقلاته مستعيراً كلمات الشاعر المسلم العظيم: “… أنا، كما قال سعدي، سعيت لكي أتعرف على الدنيا و لكي أترك فيها انسكابة من روحي”. لقد زار بونين أكثر من مرة كل من تركيا، شواطئ آسيا الوسطى، اليونان، مصر بما في ذلك بلاد النوبة Nubia ؛ كما تنقل عبر سوريا، فلسطين، وزار الجزائر، تونس وأطراف الصحراء الغربية؛ سافر بحراً إلى سيلان، وبراً عبر كل أوروبا. ” أما بخصوص تنقلاتي و أسفاري، فقد نشأت لدي فلسفة خاصة – كتب بونين في عام 1912 – أنا لا أعرف ما هو أفضل من الترحال ” .

البحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشرية جمعاء بشكل دائم: حول معنى الحياة، حول الغاية من خلق الإنسان، عن العلاقة المتبادلة والارتباط المتبادل بين أشكال الوجود ككل، حول المغزى من التاريخ، حول أسباب نهوض وموت الحضارات، وكذلك الأفكار حول الاعتقاد والإيمان، حول سعي الشعوب إلى الحقيقة، الخير والجمال، وفي ذات الوقت التعطش الدائم لأن يرى بنفسه العالم الشديد التنوع – كل هذا كان يغذي الخيال الجامح للفنان، يوقد فكره و كلمته .

وأكثر ما جذبت اهتمام بونين تلك البلدان والعصور، حيث التقت البدايات و النهايات، حيث تجذّرت “منابع الأيام”، حيث تصادمت الطاقة الخلاقة للروح مع البربرية، الإبداع والاستبداد. لقد شاهد أنقاض البارثينون اليوناني وقرطاجة الفينيقية، الأهرامات الهائلة في مصر، أضرحة الفراعنة الموغلة في القِدم، أطلال حيفا في فلسطين مع الجدران الضخمة و مقابر يفوق عمرها أربعين قرناً . لكن أكثر ما أدهشته بعلبك، بقايا معبد الشمس، ” الذي تفوق مقاييسه كل ما أنجزته يد الإنسان “. لقد سحرت بونين تلك المنحوتات الصخرية، التي كانت قد صنعت في تلك الأزمان الغابرة، ” عندما كانت الأساطير عن العمالقة ما زالت تضج بالحياة ” .

 

“معبد الشمس” – هذه هي التسمية التي أطلقها على الطبعة الأولى من ديوان قصصه النثرية التي كتبها خلال أسفاره، والذي اسماه في طبعته الثانية بطريقة لا تقل شاعرية: “ظِلّ الطير” . الغريب هو أن الروايات – الأسفار الشرق أوسطية كتبها بونين بالتزامن مع الكتابات ذات الطابع الروحي الروسي الأصيل مثل “القرية” وغيرها، التي كتبها خلال الأعوام 1907 – 1911 . لقد وضعها بونين إلى جانب بعضها وخصّها باعتبارها الأكثر أهمية. في بعضها – روسيا، الحياة الروسية اليومية. في البعض الآخر – الشرق، الطبيعة الخلابة، العراقة والعاديات. هذه هي العناوين العربية لقصائده: “ليلة القدر”، ” محمد في المنفى (الهجرة)”، “امرؤ القيس”، “البدوي”، “القاهرة”، “القافلة”. وهذه بعض قصصه عن الشرق الأوسط: “الدلتا”، “بحر الآلهة”، “اليهودية “، “ظِلّ الطير”، “معبد الشمس”، “صحراء الشيطان – كلها تحكي عن مصر، لبنان، فلسطين، عن الخلود و لحظية الحياة.

أما القصائد “الإسلامية” فهي كثيرة جداً عند بونين لدرجة أنه لو لم تكن معروفة تفاصيل حياته اليومية و كينونته، لكان من الممكن الاعتقاد أن هذا الأخير بين الكتاب الروس الكلاسيكيين العظام – لم يكن يفارق القرآن أبدا ، كما لو انه كان يحمله معه في حقيبة سفره طوال حياته. بل إن الواقع هو كذلك . فقد كانت نسخة من القرآن بترجمة أ. نيكولاييف (لقد تم التثبت من أنها نسخة صادرة في موسكو عام 1901) بالنسبة لأيفان الكسييفيتش بمثابة واحد من أهم وأكثر الكتب المقروءة لديه. ففي القصائد، المملوءة بنفحة الشرق الإسلامي، نجد أن الشاعر الروسي كان يتبع القرآن بشكل مباشر، وأحيانا كان يكرر آيات الكتاب المقدس للمسلمين. عدا ذلك، إن بونين قد تابع بإحساس الوارث الشرعي الخاص تقاليد بوشكين و “محاكاته للقرآن” .

و مع ذلك، إن قصائد بونين الشرقية لا تعتمد مصادر كتابية و حسب . ففي تلك الأشعار يمكن تلّمس ليس فقط الافتتان بالزخرفة لوحدها، التي تمتاز بها عادة القصائد السطحية للشعراء – الرمزيين.

لقد سافر بونين في أرجاء الدنيا أكثر بكثير من جميع أولئك الشعراء . و رغم ذلك، فإنه كان من جديد يلبي النداء القاهر ويعود إلى بلاد الإسلام… لكن القصائد، التي تم نظمها أثناء الرحلات أو التي ظهرت إلى الحياة عن طريق الذكريات، كانت تخرج قبل كل شيء من الإحساس المباشر بالأرض و الهواء في البلدان المكتشفة، المدن والبلدات ، الحدائق و الصحارى التي اغرم بها .

 

هنا مملكة الأحلام

على امتداد مئات الفراسخ

الشواطئ مقفرة عارية مالحة .

لكن الماء فيها – بلون الزمرد و السماء

و الحرير الأبيض أشد بياضاً من الثلج .

في حرير الرمال مجرد نبات الشيح الأزرق

يرعاها الله لأجل قطعان الغنم الرحّل ،

والسماوات هنا زرقاء لدرجة لا تصدق،

والشمس فيها – كما نار جهنم ، سَقر .

وفي ساعة القيظ ، حين السراب المصقول

يُغْرِقُ العالمَ بأكمله في نوم عميق ،

في بريق لا نهائي، خلف حدود الأرض الحزينة،

يحمل الروح إلى حدائق الجنة .

وهناك يجري، هناك يصب خلف الضباب

نهرُ كل الأنهار، الكوثر اللازوردية ،

و لكل الأرض، لكل القبائل و البلدان

يمنح الهدوء . اصبر، صلِّ – وآمن .

 

إن قصائد بونين (و كما هي قصصه، بالمناسبة) كانت تستند بشكل أساسي على المعاناة الشخصية العميقة. بغض النظر عن الموضوع. فقد كان قادراً أن يكتب في نفس اليوم عن سماوات الشمال الروسي، شواطئ نهر الدنيبر أو نهر أوكا، كنائس صقليا و غابات سيلان … ففي العشرات من قصائده نجد هذا المسيحي الارثوزكسي الغيور، الذي يفاخر بأصوله الروسية النبيلة، و قد استطاع أن يتقمص بالكامل شخصية المسلم، الدرويش المتجول، والحاج إلى المقدسات… وتارة يتحول إلى مغنٍّ يتغنى بالهناء في أجواء الحريم، و أحيانا أخرى إلى شاهد على خلق العالم من قبل الله و شاهد عيان على يوم الحساب العظيم.

لقد شاهد بونين مختلف جوانب العقيدة الإسلامية و الحياة الإسلامية . كان مستعداً، وهو في رمال الليالي، أن يثق بالمثل العربي: “أيها المسافر، لا تخفْ! هناك في الصحراء كثير من الروعة و السحر . هذه ليست أعاصير، بل إنها الجن تُقلِق الصحراء. هذا هو الملاك، خادم الرب الرحيم، قد قذف شياطين الليل بسهم ذهبي” . ففي بعض القصائد، مثل ” ليلة القدر “، ” تسبيح “، ” الحجر الأسود للكعبة”، ” المقام المقدس”، ” أبراهام . القرآن، السورة السادسة)، ” إبليس والإله، ” الطير “، محمد في المنفى”، “الفقير”، “الخالد”، “عرش سليمان”، “الحجيج”، ” يوم الحساب” وفي مجموعة أخرى من القصائد المكتوبة في أعوام مختلفة، نجد أن الشاعر الروسي يتحول إلى روحاني إسلامي متحمس، بل ويظهر كمتصوف حقيقي.. وتعتبر قصيدة “السر” من عيون الكنوز الشعرية عند بونين، تلك القصيدة المرفقة باقتباس من القرآن : ” آلم ..” .

 

كما إن قصائد بونين الكثيرة في الغزل هي الأخرى حسنة، والتي تبرز فيها الحان وصور إسلامية. مثلاً، قصيدتان عن الحسناء – اليهودية صفية، زوجة الرسول. في إحداهما، الثمانية الرائعة والتي تسلب شغاف القلب، نجد كيف أن النبرة الدنيوية، الخفيفة بعض الشيء، تتحول فجأة إلى احتفالية:

 

صفيّة، وقد استيقظت، راحت تجدل بيد

زرقاء ماهرة خصلات الجدائل السود:

” الكل يعيرني، يا محمد، باليهودية ” –

تتكلم عبر الدموع، و دون أن تمسح الدموع.

محمد، وهو ينظر مع ابتسامة ساخرة و بحب،

يجيب بوداعة : ” قولي لهم ، يا صديقتي :

أبراهام – أبي ، موسى – عمي ، و محمد – زوجي ” .

 

إن النبي و بكلمات قليلة يؤكد صلته بالتوراة، والتعاقبية في رسالته .

لقد امتزجت الألحان والموضوعات الإسلامية في إبداع بونين مع الحان وموضوعات التوراة والإنجيل . وبمعنى ما إن “الديانات السماوية” الثلاث كانت بالنسبة له ديانة واحدة. لكن بونين استطاع أن يشعر بخصوصية الإسلام. ففي قصيدته “الراية الخضراء”، والتي تبدو كما لو أنها دعوة غير متوقعة نهائياً من فم مسيحي أرثوذكسي – إلى الجهاد المقدس، نرى الشاعر مغموراً بإلهام حانق:

 

.. لقد غفوتِ ، لكن نومك – أحلام ذهبية .

أنت ِ عبْرَ أربعين ثوباً من الحرير

تتنشقين رائحة الورود و تتنفسين العفونة –

عطر القرون .

و لكنك تنامين بسلام، يا مجد الشرق !

وقد فّتنتِ القلوب

إلى الأبد . ألستِ أنتِ التي شيِّدكِ جبرائيل

فوق رأس النبي ؟

و ألستِ أنتِ تسبحين فوق الشرق إلى اليوم ؟

استديري ، انهضي –

و سينهض الإسلام، كما لو ” سموم ” الصحراء،

إلى الجهاد المقدس !

 

إن القرن العشرين المليء بالكوارث البشرية قد غيّر بشكل جذري حياة الشعوب الإسلامية. فقد انعكست عميقاً في شعر بونين الأمواج العاتية للعصر الحديث؛ وكانت بعض قصائده مثل “أمواج” و”أحفاد النبي” عبارة عن صدى مباشر لما يحدث في السياسة العالمية . لقد كانت عزيزة على قلب الشاعر الروسي مشاعر الاعتزاز والكرامة لدى المسلم في وجه المحتلين والمستعمرين الأوروبيين. و قد ظلَّ بونين حتى نهاية عمره يحلم بذلك التمازج الساحر بين الحكاية الشرقية والحياة المنفتحة و كانت تدعوه باستمرار إلى السفر :

 

الصحراء في ضوء خافت، ملتهب.

وخلفها – ظلمة وردية .

هناك مآذن و مساجد،

وقببها المزخرفة.

هناك صخب النهر، السوق المسقوفة،

حلم الأزقّة، ظلال الحدائق –

وهي تغفو، تفوح بالعسل

على الأسطح أوراق الزهور.

 

نجد أن إدراك الطبيعة، الشواهد الأثرية القديمة و الحياة المعاصرة لشعوب الشرق الأوسط يتماهى في سلسلة اليوميات – الروايات الشعرية ” ظلّ الطير ” مع تأملات مستفيضة – فلسفية، تاريخية، دينية، أخلاقية وجمالية . هكذا تتحول الرحلة في المكان إلى ارتحال في الزمان أيضا. إذ أن بونين يزيل حدود الزمان و الفضاء، يجعل من قرائه مشاركين له في مختلف التنقيبات عند الشعوب بدءاً من أيام أبراهام قبل التاريخية وحتى أيامنا هذه .

وفي مصر، عند هرم خوفو العظيم، و هو يلمس “الأحجار، التي هي ربما من أقدم الأحجار التي اقتطعها البشر”، عاش بونين إحساس الاتحاد الأخوي مع ذلك الأسير العربي المجهول، الذي شيّد هذه الأحجار. إن هذه المشاركة الوجدانية مع الماضي قد ألهمت أفكاره بخصوص مسيرة التاريخ، دافعة إياه إلى التفكير حول أسباب انهيار الحضارات وحول سبل التطور الإنساني. اليوم، في هذا الزمن الصعب الذي يعيشه الشعب الروسي، ودولته و ثقافته، فإن بعض صور بونين تبدو كما لو أنها نبوءات حقيقية ذات قيمة لا تزول . لقد جذبت بونين مساعي الإسكندرية القديمة “لأن تتحول مركزاً لجميع الديانات وجميع المعارف القديمة والتاريخية”. لقد أعجب بالشعب المصري العريق، الذي “لم يعرف مثيلاً له لا في العمل، لا في تشييد الآثار، لا في المعارف، ولا في الأخلاق، ولا من حيث الشجاعة، التي كانت تتواجد إلى جانب تواضع جم وثقافة مدهشة بالنسبة لعصره”. كما أدهشته إنسانية هذا الشعب، الذي “لم يعرف عبودية المرأة”، “وكان يقدس الحياة بكل أشكالها وتظاهراتها “؛ كما كان يقدّر عالياً الخير، الذي أصبح “الحجر الأساس في عقيدته وفي جميع تشريعاته اليومية “.

أما في تركيا، في مدينة اسطنبول المعاصرة للكاتب، فقد كانت مدعاة للسعادة عند بونين الحرية و العيش المسالم المشترك للشعب المكافح من مختلف القوميات . لقد لحظ هناك ولادة توجهات إنسانية جديدة، التي أعلنتها تركيا فيما بعد للعالم؛ كما شاهد “التسامح الذي لا مثيل لها تجاه جميع اللغات، تجاه جميع العادات و التقاليد، تجاه جميع المعتقدات”.

 

لقد تنقل بونين كثيراً في بلدان الشرق الأوسط، التقى مع الناس، و كان يكتب ملاحظاته باستمرار .

 

“فلسطين. 8 أيار.

استيقظت في الساعة الخامسة صباحاً. خرجت في السادسة. الدرب مُملّة بشكل لا يطاق – جبال عارية وواد صلصالي طويل إلى ما لا نهاية، أحجار أحدها فوق الآخر. لا أجمة، لا أعشاب، ولا أية علامة واحدة تدل على الحياة . فقط صحراء مزروعة بأحجار رمادية قاتمة. وفي البعيد شبح العربي في عباءة سوداء … وفي المنخفضات حيث توجد الآبار، تشاهد آثار توقفات البدو: رماد المواقد، أحجار موضوعة على شكل دائرة أو مربع، حيث يتم فيها تثبيت أعمدة الخيم … وعندما جئت في المرة التالية بمفردي إلى حيث نصب البدو خيامهم فقد استقبلوني كصديق. كانت خيمة الشيخ عيد هي الأكبر والأوسع، وعندما دخلت وجدت هناك عدداً كبيراً من المشايخ العجزة، الذين كانوا يجلسون حول الحيطان اللبادية السوداء للخيمة وقد رفعت جوانب المدخل. خرج الشيخ عيد لاستقبالي، قام بالانحناء وبوضع اليد اليمنى على الشفاه و على الجبين… وفي هذا الوقت كانوا يحضرون وراء الخيمة الطعام لي وللضيوف…” “ثم تابعنا رحلتنا. كادت الجبال أن تصبح الآن من حولنا مرعبة. يضجّ نهر مياهه عكرة – خضراء. نسير راكبين .. والنهر يمشي وراءنا.. راحت تظهر الحدائق، يقولون – هذه دمشق الآن. وهدة واسعة وسط الجبال، بحر من الحدائق، و فيها – المدينة الصفراء – الكبريتية بأكملها، وفيها نهر ضعيف، مليء بالغبار، تتخلله أماكن كبريتية، يجري بسرعة نهر بردى العكر – مع بعض الاخضرار، الذي يختفي في الأرض بالقرب من المحطة… نزلنا في فندق الشرق. على مسافة ساعة من السير راكباً في عربة – ينكشف منظر رائع على دمشق. أنا صعدت عالياً إحدى التلال، رأيت الشمس منخفضة وجبل حرمون، وإلى الجنوب، على طريق القدس، شاهدت ثلاثة مرتفعات (اثنان مع بعضهما، وواحد – منفرد) زرقاء. وفي الصباح صعدت إلى المئذنة. تحتنا الوهدة الهائلة بأكملها والمدينة كذلك. وفي البعيد حرمون تغطيه الثلوج (من جهة جنوب – غرب). ومن جديد الخطاطيف تدور وتخترق الهواء. والمدينة كما لو أنها تلمع في لون أصفر باهت طيني، وهي مملوءة بالسطوح المستوية، تكاد تبدو بسطح واحد ملتحم. بعد ذلك ذهبنا إلى البازار . يا للروعة…”

كم هي مهمة وذات مغزى تلك الرسومات، التي رسمها بونين للأوروبيين على تلك الخلفية. إلهي، لمميزة تلك الملاحظات التي كتبها بخصوص أتباع الإمبراطورية البريطانية : “في أورشليم، في الناصرية، في أريحا كان المواطنون الإنكليز، الذين نزلوا معي في نفس الفندق، يستيقظون في الصباح الباكر جداً، وكانوا يقومون بالتزيّن الصباحي دون استعجال ، يتناولون فطوراً دسماً، ثم تحت إشراف دليل من قبل الوكالة الإنكليزية للسياحة كانوا يخرجون لزيارة الأماكن المقدسة مع إنشادهم المستمر للتراتيل … إلهي، كم كان الأمر يبدو كريهاً بكل ما للمعنى من كلمة !

وفي مصر، بالقرب من الأهرامات و المعابد، كنت من الصباح حتى المساء اسمع أصوات العصي على رؤوس العرب: كان العرب يحيطون بالسياح مع صرخات مسعورة، وهم يعرضون عليهم خدماتهم، حميرهم، بينما رجال الشرطة الإنكليز راحوا يضربونهم بصمت على اليمين وعلى الشمال، وبكل قسوة ومهارة، بحيث أن العصي كانت تتراقص فقط … أما في كولومبو فلم أصدق ما رأته عيناي: كيف أن الإنكليز يسيرون في الشوارع بحذر وبترقب.. -كانوا يخافون أن يتنجسوا من مجرد لمسة عابرة من التاميل، أو من أي شخص ” ملوّن”، أو من ملامسة أي “متوحش حقير” حسب تعبيرهم. وكم كانت كثيرة المشاكل التي سببتها لي محاولاتي السفر في قطارات الدرجة الثالثة ! … “هكذا كتب بونين في قصته “الدرجة الثالثة” في عام 1921.

لم يكن الكاتب العظيم يطيق الاستعمار و لا العنصرية نهائياً.

وقد صب جان غضبه على مواطني الإمبراطورية الروسية أيضا: “البارحة غادرنا بور سعيد في الثالثة. تناولنا الفطور عند القنصل الروسي – شخص سمين، بعينين صغيرتين كعيني خنزير، يدعي معرفة كل شيء، ويشتم الكل و كل شيء… ” تجدر الإشارة أن مؤلف هذه الملاحظة زار الكثير من البلدان العربية الصديقة للاتحاد السوفييتي في عهد ليونيد بريجنيف : للأسف، إن مثل أولئك القناصل كانوا موجودين في الشرق الأوسط وبعد مرور سبعين عاماً على زيارة ايفان بونين .

وفي عام 1998، لم تعد موجود لا الإمبراطورية البريطانية العظمى و لا الاتحاد السوفييتي. لكن عندما تتذكر عشرين رحلة إلى بلدان الشرق، إلى البلاد العربية، إلى بلدان آسيا و أفريقيا ، بالطبع سوف تحسب : إن مثل تلك الصور السلبية هي، والحمد لله، قليلة ولا تنقص من قيمة الانطباعات الإيجابية، المشاعر والذكريات عن الناس والسنين، التي مرّت بسرعة أمام أعيننا بكل جمال ألوانها، عاصفة كالمياه، ولن تُنسى كما لم تُنسَ الكنوز الأثرية في الشرق الأوسط .

“مياه كثيرة” – هذه التسمية أطلقها على واحدة من ذكرياته حول الإبحار إلى الشرق مواطنيّ العظيم ايفان بونين في شباط 1911 . “أول ليلة في اليونان . قال القبطان أننا نسير بهدوء غير مسرعين. فكان ما سبق و حلمنا به شتاءً في مصر : أن تتاح لنا إمكانية السفر في واحدة من السفن، التي بالأصل هي للركاب، ولكنها تحولت إلى نقل البضائع بسبب قِدَمها و عدم توفر شروط الراحة و بسبب العدد المحدود من الغرف ولطول توقفها في المرافئ. واليونان بلد عظيم للغاية، بسيط وقديم، لكنه نظيف، متين و يقف عميقاً. خيم الهدوء في السفينة منذ فترة طويلة .

الأيقونة التاريخية من مدينة سوزدال(1) في إطار فضي اكتسب لوناً اسود، والتي لا تفارقني في جميع رحلاتي، تلك الأيقونة المقدسة التي تربطني بخيط رقيق وفاضل مع أهلي، مع موطني، مع المكان حيث كانت ولادتي وطفولتي – كنت قد علّقتها فوق سريري في السفينة .

“لا تشتهي بيت قريبك، ولا زوجته، ولا عبده، ولا حماره، ولا أي شيء من ممتلكاته… “لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء من التفكير لكي يتمكن المرء من فهم أبدية و عمق تلك الوصية من قلب سيناء. كلا، مهما بلغت حماقات الغباء البشري والحسد الإنساني، فإن ممتلكات القريب تبقى محرمة و مقدسة بالفعل، وهي التي يتم اكتسابها ليس دائما بالصدفة وليس لقاء حياة الشخص المعني وحسب، بل لقاء حياة شعب بأكمله. ولهذا فإنها مقدسة ثلاثة أضعاف تلك النخلة المزروعة من قبل والده وبالتالي لا يمكن أبدا أن تكون ملكية عامة؛ ومقدسة البئر التي حفرها جدّه، أي أنها ( البئر ) كما لو تحفظ بعضاً من جدّه، من عمل الجدّ ، من فكره ومن روحه ، وبالتالي كما لو أنها تحفظ خلوده نوعاً ما، استمراريته ، إطالة عمره … فأي دمٍ يمكنه أن يغسل اقتحام الغريب في تلك ” المملكة “، في قدس أقداس الإنسان ! “.

هذا ما كتبه ايفان بونين في طريقه من روسيا إلى سيلان، بين فلسطين و مصر. كتبه وهو يراقب الحياة التي تركض من حوله كأمواج البحر. هذا ما كتبه ابن روسيا وكل العالم ، الحائز على جائزة نوبل لاحقاً، دون أن ينسى مطلقاً الوطن، حتى وهو موجود في المنفى الطويل، وفي نفس الوقت القريب لكل شعوب الأرض كفنان وكإنسان.

“…في الساعة الثانية ظهراً تجاوزنا جزيرة جبل الطير . لا تشبه نهائياً جزر البحر الأبيض المتوسط . ولونها جديد بالكامل بالنسبة للعين – بلون الجمل… الساعة الثانية ليلاً . لا أستطيع أن أغفو – اشعر بسعادة غامرة. الأرض، الجنة تقترب أكثر فأكثر – طوال الليل غيوم ، وطوال الليل يشع القمر من بينها و هو يضيء أطرافها بلون فضي .

” دربك في البحر و مجدك في الماء و آثارك غير مرئية… “هذا هو أنا – كما لو وحيد في العالم كله.- للمرة الأخيرة أجثو على الركبتين على ظهر السفينة المضاء بنور القمر. كما لو أن الغيوم تفرقت عن قصد ، ووجه القمر يشع بفرح وبسلام في الأعالي فوق رأسي، و في الأسفل، في الفضاء الشفاف و المضيء لقبة السماء الجنوبية، تتدفأ بهدوء لآلئ الصليب الجنوبي. تتراقص بفرح لطيف وسرمدي ليلتُك الوضّاءة. كيف لي أن أشكرك ؟ “

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً