سقط الودع

5671

ساره النور :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

غرفة صغيرة موحشة تفوح منها رائحة الرطوبة.. تبدو كسردابٍ أو ربما هي كذلك.. فقد أخذنا عدداً من العتبات إلى الأسفل نحوها.. هي بالتأكيد تحت مستوى سطح الأرض.. تقدمت بحذر ترافقني شابة صغيرة لا يتعدى عمرها العشرين .. حيث دخلنا عبر بوابة ضيقه إلى غرفة لا زوايا لها.. دائرية لا تعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي.. بها من الأبواب خمس.. ونافذة واحدة توسطت السقف تتسرب من خلالها أشعة الشمس فتسقط على موقد نار متوسط الحجم استلقت على سطحه جمرات.. تتوسطها أعواد خشب صغيرة ترسل روائح زكية كلما صادفت دفع هواء مروحة الحائط التي استقرت بالقرب من الباب الذي دخلنا عبره.. تبعثرت حول ذلك الموقد عدد من زجاجات الماء بداخلها أوراق كتب عليها بخطوط غير واضحة عبارات لم أستطع فهمها.. الشيء الوحيد الذي أثار انتباهي هو أنها –الزجاجات- لم تتبع نسقاً معيناً بل تبعثرت هكذا على غير مراعاة لدقة المكان.. فاتخذت لخاصتي مكاناً أحسبه منتظماً دون الأخريات..

ثم تقدمت إلى حيث جلست السيدة التي أقصدها..

لم تنظر إلىّ.. لم تقل شيئاً فقط أشارت باتجاه وسادة زرقاء أمامها بحركة من يدها تدعوني للجلوس.. فجلست حيث أشارت لي. كانت امرأة سبعينية دقيقة العينين يبدو عليها آثر السنين .. لها شعر حاجب يتخلله البياض.. وضفائر تميل إلى الاحمرار من أثر الحناء.. جلست قبالتها أتطلع إلى تلك الخطوط المتوازية على خديها والسبحة التي استقرت بين أصابع يدها اليسري تسوقها تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف دون توقف.. إلى أن رفعت بصرها فجأة نحوى وقالت”يبدو انك تعيشين حياة هادئة.. مستقرة.. ولكن يبدو أيضاً أنك تواجهين بعض المشاكل..”

ضحكت وقلت في نفسي “ومن لا تواجهه المشاكل هذه الأيام!!”..

استدارت نحو صندوق صغير بجوارها واستخرجت منه صرة من قماش قديم وضعتها بلطفٍ أمامي وقالت “أفتحيها”..

قلت في استغراب “ما هذا؟!”..

ردت بصوت لا يخلو من حده “لماذا أنت هنا؟”

قلت “لا أدرى!!”

قالت ساخرة “حقاً؟!”

فشعرت بالسوء لا أدرى لماذا.. أبسؤالها دعتني لمواجهة نفسي.. أحقاً لا أدرى؟.. ما الذي أصابني.. ماذا أفعل في هذا المكان الموحش ببعده عني.. بسطوته على إرادتي.. هل لي أن أسأل ما هذا ولماذا وأنا التي سلمت أمري لزجاجة وبضع تسبيحات من امرأة لا أعرفها. فتحت الصرة متجاهلة اضطرابي.. لم تكن سوى حبات ودع عليهن مسحة عتاقة ربما إرث لُف بعناية في تلك الصُرة لذا تعاملهن العجوز بقدسية غريبة.. ناولتني زجاجة صغيرة بها عطر غريب قالت أمسحي على يديك ومن ثم أمسحي على حبات الودع وأعطينهن..

لم أتساءل كثيراً فعلت كما طلبت مني.. وناولتها حبات الودع فسقطت إحداهن وأنا أسلمها المجموعة.. وددت أن أرفعها فمنعتني وألقت ما بيدها يلحقن بها.. ثم أخذت تمعن النظر وتتمتم وما أن فرغت العجوز من تمتمتها حتى وجهت خطابها لي”أنظري أنظري”..

حاولت أن أدعي النظر.. انحنيت قليلاً إلى الأمام.. عدلت من نظارتي حتى أحسست أن بؤبؤا عينيّ قد ضاقا تباعاً وأنا أحاول التقاط ذلك الشيء الذي تود هذه العجوز أن تريني إياه.. فرأيت ضعفي.. قلة حيلتي.. سنيناً من القراءة مرت دون أن تلقى تحية ارتقاء..

“أترين هذه المرأة التي ترتدي الثوب الأبيض.. تلك التي ترمقك بنظرة فاحصة”

همست لنفسي “لا أذكر نساء يرتدين الأبيض.. والجميع يرمق الجميع بنظرات فاحصة..” وكما لو أنني رأيت المرأة التي تعنيها سألت عنها..فأجابت العجوز “إنها تكيد لك.. ويبدو واضحاً جداً أنها تترصدك.. ألا ترين؟؟”

ثم لملمت حبات الودع وأسقطتنهن تباعاً وأعادت الكرة ثلاثاً وهى تردد ليس أنت ليس أنت ثم أخيراً استقرت وقالت “هاهي تشير نحوك الآن”

أومأت في اهتمام.. فواصلت “لديك سفر طويل.. ربما رحلة عمل أو أمر زواج ولكنها تحمل لك خيراً كثيراً و..و..و…..”

كان صوت العجوز يضعف ويبتعد.. وكلما أسمعه ألا ترين؟؟

بلى أرى.. أراني مهزومة.. أبحث عن كلمات تطيب خاطري تجعلني أنظر بابتسامة إلى مستقبلي.. أضحك لك وأنت تحدثينني عن فتوحاتي.. تحكين عن قدرٍ هو في الكتاب قدري.. وأعلم أنى على أن أُكذِبُك وإن صدقتي.. ولكنى أرنو إلى التصديق.. لهذا أنا هنا.. لكي أصدقك..

“من أنا؟؟” تعلو في داخلي ويتكرر صداها..

شعور غريب بالإختفاء يصيبني.. هذا الوهن الداخلي.. تلك الإرادة المسلوبة..

ليأتي صوت العجوز مرة أخرى واضحاً وهى تضحك قائلة “…. ولديك فرصة كبيرة للنجاة.. أترين؟؟ “

أمسكت بيدها ووضعت لها المبلغ المتفق عليه ثم قلت لها ” شكرا لك سيدتي فقد رأيت ما يكفيني”..

لأول مرة منذ أن دخلت أوقفت العجوز سبحتها وهي تقول “ولكن لم تكتمل الجلسة بعد..”

فابتسمت لها “كما قلت أمامي فرصة كبيرة للنجاة.. شكراً على أي حال”

وأنا أغادر ألقيت نظرة على تلك الزجاجات المستقرة في مكانها منذ سنين.. كم من الأحلام مأسورة هاهنا تحت ضوء شمس يدخل متسللاً إلى غرفة ديدنها الظلام.. أخذت زجاجتي وغادرت..

كانت الشمس تميل إلى الغروب.. وأنا أتمشى على رصيف الشارع قرب السور الذي يفصلنا من انحدار النيل.. نظرت إليه وهو يأخذ بموجه يغازل بعضه بعضاً غير آبه لمراقبتي.. أخرجت زجاجتي أمسكتها بين يدىّ.. هاهي أحلامي خططتها على ورقة ثم حبستها داخل زجاجة.. استشعرت ذلك الضعف الذي كان يعتريني في منزل العجوز.. وكيف أني تخليت عني عندها.. أحسست بقدر من الضيق حتى امتلأت عيناي بالدموع.. هممت أرمي الزجاجة لعمق النيل.. ولكن.. لا فرق بين أن تكون فوق سطح الأرض أو بعمق النيل.. تظل حبيسة.. فضربت بها السور الذي أقف عليه.. تحطمت الزجاجة فطارت الورقة وحلقت عالياً هكذا كما أود لأحلامي.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

تعليق واحد

  1. boa tarde o motivo da msgs, como eu faço pra ajusta o meu nome

أضف تعليقاً