الرئيسية / العدد الثلاثون / سومرست وأفضل عشر روايات

سومرست وأفضل عشر روايات

thumb

 تقديم : جيل جديد 

التأكيد إن سومرست موم ، عندما أراد أختيار أفضل عشر روايات – في العالم أجمع – كان يعلم مسبقاً ببلاهة هذه المهمة وتراهتها ، فلا يمكن أبداً عملياً أو نظرياً وضع قائمة كتلك ، لإستحالة وجود أوجه المقارنة بين الروايات ، فكل واحدة كيان منفصل بحد ذاته ولا يقبل المفاضلة ، ناهيك عن النتاج الضخم للإبداع المكتوب روائياً بشتى اللغات والثقافات .. لكننا هنا نثق بذائقة سومرست النقدية ، الخاصة به طبعاً ، فالأديب البريطاني المعمر (١٨٧٤ – ١٩٦٥) والمعاشر للنهضة الأروبية والأمريكية في مجالات الرواية والأدب والسينما ، قد قدم لنا نظرة متقنة وثاقبة للمفهوم العام لما يمكن أن نسمية البنود – الشروط – الروائية للأعمال الخالدة .

في هذا الكتاب تعرض سومرست أيضا لحياة الروائيين الأبرز وسيرهم الذاتية كاشفاً كثيراً من النقاط الصادمة للقارئ ، وكذلك ذكر الطرق التي اتبعوها في كتابة اروع أعمالهم . الكتاب في الأصل هو مجموعة من المقالات معدة لتكون مقدمات للنسخ المختصرة والمعدلة للروايات الطويلة … لكن الأكثر أهمية ، والذي جعلنا نضع هنا مقالة سومرست موم الأولى كاملة ، هو طرحه الجيد والعقلاني لجدلية صمود الرواية مع الزمن ، وتأثير الحذف والتلخيص عليها .. مناقشاً فكرة الكمال في الرواية بتواضع ، مرجحاً عدم إمكانية تحقيقة ، لكنه عوّض عنه بمميزات الرواية الجيدة . أيضاً تطرق موم للعلاقة المعقدة بين الكاتب والقارئ ، مفسراً كل ما يمكن أن يؤدي للحد من التواصل ، مناقشاً اللا شعور والإلهام والمتعة . كما عرض لنا وجهة نظره في الصراع الفرنسي الإنجليزي الإبدي في مجال اللغة الروائية .. وناقش عن كثب تأثير الطول على متعة الرواية ، ناقداً ما يمكن أن نسميه الحشو . متفقاً مع قراءة التخطي والحذف لتجاوز ذلك الملل حينما يكون القارئ مجرد عاشق وليس دارس أدب .

إن سومرست موم كتب هذه المقالات عام ١٩٤٨ ، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نحاسبه في اختياراته على كل ما جاء بعده وتطور ، كالواقعية السحرية والعبثية والديستوبيا وما إلى ذلك ، لكن في النهاية يمكن لنا ببساطة أن نُحكِم نظريته عليها.

المقال بترجمة رائعة للـ أ. سيد جاد و أ. سعيد عبدالمحسن . كما أن الكتاب تم توفيره على الرابط (هنا) .

 __

  • عشر روايات خالدة

  • سومرست موم

  • ترجمة :سيد جاد و سعيد عبدالمحسن

أحب أن أذكر للقارئ كيف كتبت المقالات التي يحتويها هذا الكتاب.

في أحد الأيام وكنت لا أزال مقيماً بالولايات المتحدة . طلب مني محرر “رد بوك” قائمة بما يعد في نظري أحسن عشر روايات في العالم . فكتبت القائمة . وطرحت الأمر بعد ذلك عن ذهني.

وذكرت في تعليق موجز أرفقته بهذه القائمة : “سيجد القارئ العاقل أكبر قسط من المتعة في قراءة هذه الروايات لو تعلم فن قفز الصفحات”. وفيما بعد اقترح عليّ أحد الناشرين الأمريكيين إعادة نشر هذه الروايات العشر بعد حذف الأجزاء التي يحسن تركها دون قراءة ، من النص الأصلي لكل رواية ، على أن أكتب مقدمة لكل واحدة منها . وراقني الاقتراح فشرعت في العمل فوراً . وقد نشرت معظم هذه المقدمات موجزة بعض الشيء في مجلة ” اتلانتك” الشهرية ، ونظراً لأنها – فيما يبدو – أعجبت القراء ، اتفق الرأي على أنه قد يكون من الأنسب جمعها في مجلد واحد.

غير أني اضطررت إلى إدخال تعديل واحد على قائمتي الأصلية . ذلك أني كنت قد ختمتها برواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن الضائع” ولكني لم أدرجها ضمن السلسة المقترحة لأسباب عدة . ولم أندم على ذلك . فرواية بروست ، وهي أعظم رواية في هذا القرن ، بلغت من الطول حداً بالغاً ، وقد يكون من المستحيل اختصارها إلى حجم معقول حتى لو لجأنا إلى الحذف المتعسف .

لقد حققت هذه الرواية نجاحاً ساحقاً ، ولكن الوقت لم يحن بعد لتقييم حظها من الخلود . ويستطيع المعجبون المتعصبون ببروست – وأنا من بينهم –  أن يقرأوا كل كلمة من كلمات الرواية في شغف ، وقد كتبت ذات مرة ، في لحظة تحمس ، أني أفضل أن يصيبني السأم من بروست على أن أتسلى بأي كتاب آخر ، ولكني على استعداد الآن للاعتراف بأن أجزاء الرواية تتباين في قيمتها . ويبدو لي أن الغد سيكف عن الشعور بالمتعة وهو يقرأ هذه الفصول الطويلة من كتاب بروست التي كتبها متأثراً بالأفكار السيكلوجية والفلسفية الشائعة في عصره وقد اكتشف الناس أن بعض هذه الأراء خاطئة . وأعتقد أنه سيتضح في المستقبل – أكثر مما هو واضح الآن – أن بروست من أكبر كتاب الفكاهة ، وأن قدرته على خلق الشخصيات الأصلية النابضة بالحياة تضعه على قدم المساواة مع بلزاك وديكنز وتولستوي . وحينئذ قد تظهر طبعة مختصرة لمؤلفه الضخم بعد حذف تلك الأجزاء التي يذهب الزمن بقيمتها ، والإبقاء على الأجزاء ذات المتعة الدائمة لأنها من صميم الرواية . ومع ذلك ستظل رواية ” البحث عن الزمن المفقود ” في صورتها المختصرة رواية طويلة جداً ، ولكنها ستكون رواية رائعة ، وإلى القارئ قائمتي النهائية لأحسن عشر روايات في العالم :

١ – توم جونز .

٢ – الكبرياء والهوى .

٣ – الأحمر والأسود .

٤ – الأب جوريوس .

٥ – ديڤيد كوپرفيلد .

٦ – ويذرنج هايتس (أو مرتفعات ويذرنج) .

٧ – مدام بوڤاري .

٨ – موبي ديك .

٩ – الحرب والسلام .

١٠ – الإخوة كرامازوڤ .

 

ومع ذلك اسمحوا لي بأن أصرح منذ البداية بأن الكلام عن أحسن عشر روايات في العالم محض هراء ؛ فليس هناك ما نسميه أحسن عشر روايات في العالم . وقد يكون هناك مائة رواية رائعة ، رغم أني لست متأكداً من أن هناك مائة فقط . ولو قام خمسون شخصاً من القراء الممتازين ، المثقفين ثقافة مناسبة ، بإعداد قائمة بأحسن مائة رواية في العالم ، لتكرر فيما أظن ذكر مائتين أو ثلاثمائة رواية على الأقل . ولكني أعتقد أن العشر روايات التي اختبرتها ستجد مكانها في الخمسين قائمة على فرض أن الذين أعدوها يتكلمون الإنجليزية . وأنا أقول الأشخاص الذين يتكلمون الإنجليزية لأن واحدة على الأقل من الروايات المذكورة في قائمتي ، وهي ” موبي ديك ” ، غير معروفة نسبياً إلا للطلاب المتخصصين في الأدب الإنجليزي ، ومما يجدر ذكره أن الأدب الإنجليزي لاقى رواجاً كبيراً في فرنسا في القرن الثامن عشر ، ولكن الفرنسيين – منذ هذه الفترة حتى وقت قريب – لم يهتموا اهتماماً كبيراً بأي شيء يكتب خارج بلادهم . ومن المؤكد أن قائمة فرنسية بأحسن مائة رواية نجدها تضمن أعمالاً قلما تقرأ في البلاد التي تنطق بالإنجليزية ، وإن لم تكن لا تقرأ على الإطلاق .

وقد أصبح من السهل الآن ، إلى حد ما ، تفسير هذا الاختلاف الكبير في الرأي . فهناك أسباب مختلفة تجعل شخصاً ما ينجذب إلى إحدى الروايات انجذاباً كبيراً إلى حد أنه يثني عليها ثناءً عاطراً رغم أنه قد يكون سديد الرأي . وقد يحدث ذلك لأنه قرأها في لحظة أو ظرف كان فيه أكثر عرضة للتأثير بها ، أو لأن موضوعها أو مسرحها ليست له مجرد دلالة عادية بالنسبة له نتيجة لميولة الخاصة أو ارتباطاته الشخصية . فأنا لا استبعد مثلاً أن يسارع عاشق متحمس للموسيقى بادراج رواية ( موريس جيست ) لهنري هاندل ريتشاردسون ضمن أحسن عشر روايات ، كما لا أستبعد أن مواطناً من ” الفايڤ تاونز ” يسره صدق آرنولدبنيت في تصويره لطابع المكان وسكانه فيضع في قائمته ( حكاية الزوجات العجائز ) وكلا الروايتين جيدتان لكني أعتقد أن الحكم الموضوعي لن يفرد لأي منهما مكاناً بين أحسن عشر روايات. فقومية القارئ تضفي على بعض الكتب أهمية ، وتجعله يضعها في مصاف الروايات الممتازة ، بالرغم من أن الآخرين قد لا يشاركونه الرأي . فأنا أعتقد ، على سبيل المثال أن أي فرنسي مثقف يعد قائمة كالتي أعددتها سيضمنها رواية ” أميرة كليف ” لمدام دي لافاييت ، وله الحق في ذلك ، فلهذه الرواية ميزات عظيمة ، فهي أول رواية سيكلوجية تكتب على الإطلاق ، والقصة مؤثرة ومقنعة ، والشخصيات مرسومة بدقة ومهارة ، وقد كتبت الرواية بأستاذية ، كما أن حجمها مستحب . وهي تعالج صورة لمجتمع يعرفه كل تلميذ فرنسي جيداً ، وجوها الأخلاقي مألوف لديه من قراءاته لكورني وراسين ، وتتميز بروعة الارتباط مع أكثر فترات التاريخ الفرنسي رواءً . وهي تساهم بنصيب كبير في العصر الذهبي للأدب الفرنسي . غير أن شخصياتها قد تبدو جامدة جداً للقارئ الإنجليزي أو الأمريكي ، وقد يجد أن سلوكها غير طبيعي ، وربما يسخر قليلاً من تبجيلها للشرف والاهتمام بالكرامة الشخصية . ولست أزعم أنهم على حق في ذلك ، ولكنهم إذ يفكرون على هذا النحو لن يضعوا هذا الكتاب بين الأحسن عشر روايات في العالم .

وأعتقد أن السبب الرئيسي في الاختلاف الكبير في الرأي حول المزايا المذكورة للروايات ترجع إلى أن الرواية من الأشكال التي تفتقر في جوهرها إلى الكمال . فليست هناك رواية كاملة . ولا تخلو رواية من الروايات العشر التي اخترتها من عيب ما في موضع من المواضع . وهذا ما أنوي توضيحه عند تقديم كل واحدة منها . فليس أكثر جحوداً للقارئ من الثناء الأعمى الذي يكال أحياناً لبعض الكتب التي تواضع الناس على اعتبارها من الروائع . فهو يقرأ وإذا به يجد أن الحادثة أو تلك غير محتملة الوقوع على الاطلاق ، وأن هذه الشخصية أو تلك غير واقعية ، وأن هذا الوصف أو ذلك ممل . فإذا كان ضيق الصدر فسيتهم النقاد الذين ذكروا له أن هذه الرواية رائعة بأنهم مجموعة من الحمقى . أما إذا كان متواضعاً فسيلوم نفسه ويعتقد أنها فوق مستواه ولم تكتب لأمثاله . لكنه إذا كان عنيداً مثابراً فسيمضي في قراءته بإخلاص ولكن بغير متعة ، بينما ينبغي أن يصاحب القراءة إحساس بالمتعة ، وإذا لم تمنحنا الرواية هذه المتعة فلا قيمة لها . وعلى ذلك فالقارئ هو خير من يحكم لنفسه ، وهو وحده الذي يعرف ما يمتعه وما لا يمتعه ، فلا إلزام في قراءة الفن القصصي . ويستطيع الناقد أن يساهم إلى جانب توضيح العيوب ، غير أني أبادر فأحذر القاري مرة أخرى بأن عليه ألا ينشد الكمال في الرواية .

على أني أود ، قبل التوسع في هذه النقطة أن أتحدث قليلاً عن قراء الرواية . فمن حق الروائي أن يطالبهم بشيء . من حقه أن يشترط ذلك النزر اليسير من الاستعداد اللازم لقراءة كتاب من ثلاثمائة أو أربعمائة صفحة . ومن حقه أن يطلب منهم سعة الخيال الذي يساعدهم على تصور الأحداث التي يسعى الكاتب إلى إمتاعهم بها وإلى أن يجسموا في مخيلتهم الصور التي رسمها . وأخيراً من حق الروائي أن يطلب من قرائه شيئاً من القدرة على التعاطف التي بدونها لن يتسنى لهم الاندماج مع أشخاص الرواية بما يعتمل في نفوسهم من مشاعر الحب والأحزان والعذاب والمخاطر والمغامرات . وما لم يكن القارئ قادراً على أن يمنح شيئاً من ذات نفسه فلن يستطيع أن يأخذ من الرواية أحسن ما تعطيه .

وسأحدد الآن المميزات التي ينبغي ، في نظري أن تشتمل عليها الروااية الجيدة :

يجب أن يكون الموضوع شائقاً للأكثرية ، وأعني بذلك موضوعاً لا يهم فئة معينة ، سواء أكانت من النقاد أو الأساتذة أو ذوي الجباه العالية أو سائقي عربات النقل أو غاسلي الأطباق ، وإنما يجب أن يكون الموضوع ذا دلالة إنسانية كبيرة بحيث يجتذب الرجال والنساء من كل لون . ولأضرب لكم مثالاً بما أعنيه . فقد يكتب شخص رواية عن منهج مونتسوري بحيث يجتذب اهتمام رجال التربية ، ولكني لا أستطيع إقناع نفسي بأن هذه الرواية تعني شيئاً سوى أنها عادية . وينبغي أن تكون القصة متناسقة ومقنعة . وأن يكون لها بداية ووسط ونهاية . وأن تكون نهايتها نتيجة طبيعية للبداية : وينبغي أن تكون الأحداث محتملة الوقوع وألا تقتصر على تطوير الموضوع فحسب وإنما تنمو من داخل القصة . كما ينبغي أن يراعي الروائي تفرد الشخصيات التي يبتكرها ، وأن يكون سلوكها منبثقاً من طبائعها حتى لا يتيح للقارئ فرصة لأن يقول : لا يمكن أن يتصرف هذا الإنسان أو ذاك هكذا ، على العكس ينبغي أن يجد نفسه مضطراً لأن يقول ذلك ما كنت أتوقع أن يفعله هذا الشخص أو ذاك تماماً . كما أعتقد أن من الأفضل جداً أن تكون الشخصيات مثيرة للاهتمام في حد ذاتها .

كتب فلوبير رواية اسمها ” التربية العاطفية ” حازت على شهرة عظيمة بين كثير من النقاد الممتازين . لكن فلوبير اختار بطله – عن عمد – رجلاً عاطلاً من أيه مميزات أو سمات تحد معالمه ، رجلاً لا شخصية له ، بحيث يستحيل على المرء أن يعبأ بما يفعله أو بما يحدث له . من أجل هذا تصعب قراءة هذا الكتاب رغم كل مزاياه . وأعتقد أنه ينبغي أن أوضح السبب الذي من أجله قلت إنه يجب مراعاة جانب التفرد في الشخصيات . إننا نبالغ حين نتوقع من الروائي خلق شخصيات جديدة كل الجدة ، ذلك أن مادته هي الطبيعة البشرية . ورغم أن هناك مختلف الأشخاص والأمزجة إلا أنها محدودة العدد . وما أكثر الروايات والقصص والمسرحيات والملاحم التي كتبت لمئات من السنين حتى ضاقت الفرصة أمام المؤلف الذي ينبغي خلق شخصية جديدة تماماً  ، وعندما أستعرض في ذهني كل الفن الروائي المكتوب أجد أن شخصية ” دون كيشوت ” هي الشخصية الوحيدة التي ابتدعها صاحبها ابتداعاً . على أني لا أدهش إذ علمت أن أحد النقاد المطلعين وجد لها أصلاً بعيداً أيضاً . والكاتب المحظوظ هو الذي يستطيع أن ينظر إلى شخصياته من خلال تفرده ، والذي يخرج تفرده عن المألوف بحيث يخلع على شخصياته ما يوحي بالأصالة .

وينبغي أن ينبع الحديث من الشخصية تماماً كما ينبع السلوك منها . فتتكلم المرأة الراقية مثل النساء الراقيات ، وعابر السبيل مثل عابري السبيل ، ورجل البار مثل رجال البار ، والمحامي مثل المحامين ويجب ألا يكون الحوار مفككاً ، وألا يستغله المؤلف للتعبير عن آرائه وإنما ينبغي أن يساهم في تصوير المتحدثين وفي تطوير القصة ، ويجب أن تكون الفقرات الخاصة بالسرد نابضة بالحياة ، وفي الموضوع ، وليست طويلة أكثر من اللازم ، لجعل دوافع الشخصيات المعينة والمواقف التي يقفونها واضحة مقنعة ، ويجب أن يكون أسلوب الكتابة بسيطاً حتى يستطيع أي قارئ عادي التعليم قراءته دون جهد ، ويجب أن يطابق الشكل المضمون مثلما يطابق الحذاء الجيد الصنع قدماً دقيقة التكوين ، وأخيراً يجب أن تكون الرواية مسلية . ولقد وضعت هذا الشرط في النهاية ، غير أنه الصفة الأساسية وبدونها لن تكون لأي صفة أخرى جدوى . فلا يوجد من يقرأ الرواية ليتلقى تعليمات أو ينمي عقله ، وإذا أراد أن يتلقى التعليمات أو ينمي عقله ، فعليه أن يلجأ إلى الكتب التي تبحث في هذه الموضوعات وإلا فهو أحمق . ولكن حتى لو كانت في الرواية كل هذه الميزات – ونحن هنا نطلب الكثير – إلا أن هناك ثغرة في الشكل من الشوائب التي تشوب الحجر الكريم . وهذه الثغرة تجعل مرتبة الإتقان أمراً يصعب تحقيقه . وإن القصة القصيرة قطعة روائية يمكن قراءتها حسب طولها خلال عشر دقائق أو ساعة وتعالج موضوعاً واحداً محدداً ، وقد يكون حادثة روحية أو مادية متكاملة أو سلسلة من الأحداث المرتبطة ارتباطاً دقيقاً ، بحيث يستحيل أن نضيف إليها أو نقتطع منها شيئاً . وأعتقد أن من الممكن هنا بلوغ مراتب الإتقان ، ولا أظن أنه من الصعب جمع عدد لا بأس به من القصص القصيرة التي تحقق هذا الشرط ، أما الرواية فعمل غير محدود الطول ، قد تطول مثل ” الحرب والسلام ” التي تحكي سلسلة من الأحداث وتعرض لعدد هائل من الشخصيات في فترة من الزمان ، وقد تكون الرواية قصيرة مثل ” كارمن ” . ولكي يضفي المؤلف على قصته طابع الاحتمال ويجعل شخصياته مقبولة لدى القراء ، فعليه أن يحكي عدداً من الحقائق المرتبطة بالقصة غير أن هذه الحقائق ليست مشوقة في حد ذاتها ، وكثيراً ما تطلب الأحداث فواصل زمنية تفصل بينها ، ولكي يحقق المؤلف لروايته التوازن يضطر إلى ملء الفراغات الزمنية عادة ويطلق على هذه الثغرات لفظة ” قناطر ” . وقد حاول بعض المؤلفين تجنبها وأخذوا ينتقلون من رقعة أرجوانية للأحداث إلى رقعة أرجوانية أخرى . ولكن لا أذكر أن هذه الطريقة صادفت نجاحاً ، ومعظم الروائيين يستسلمون لعبور مثل هذه القناطر ، وهم يعبرونها بمهارة تكثر أو تقل ، ولكن من المحتمل جداً أن يبعثوا على الملل أثناء هذه العملية .

إن المؤلف كائن بشري له نزواته وأخيلته ،وقد كان من نتيجة عدم تماسك شكل الرواية ، وبخاصة في انجلترا وروسيا ، أن استغل الكاتب الفرصة ليستطرد في أي موضوع حبيب إلى قلبه . ويندر أن يكون لديه من رجاحة العقل أو الذوق الناقد ما ينبهه إلى أن ذلك الإطناب مهما يكن ممتعاً بالنسبة له فليس له قيمة في القصة ولا ضرورة ما دام لا يخدم الموضوع .

وإلى جانب هذا لا يملك الروائي إلا أن يتأثر بموضة عصره نظراً لحساسيته الخارقة ، وغالباً ما يقوده ذلك إلى الكتابة فيما يفقد سحره بزوال هذه الموضة . دعوني أضرب مثالاً لذلك : كان الروائيون قبل القرن التاسع عشر لا يهتمون كثيراً بالمناظر مكتفين بكلمة أو كلمتين للتعبير عما يريدون قوله ، ولكن عندما أخذت المدرسة الرومانسية بلب الجمهور ظهرت موضة كتابة الوصف لذاته فلا يمكن أن ينزل الرجل إلى الشارع لشراء فرشة أسنان من صيدلية دون أن يصف لك المؤلف المنازل التي مر بها والسلع المعروضة للبيع في المحال . فالفجر والشمس الغاربة والليل المتلألئ بالنجوم ، والسماء الصافية والقمر في شروقه ومغيبه ، والبحر الذي لا يقر له قرار والجبال التي توج الثلج قممها ، والغابات المظلمة ، كل هذا يتيح له الفرصة لأوصاف لا نهاية لها . وكثير من هذه الأوصاف يكون جميلاً في حد ذاته ولكنها غير متعلقة بالموضوع . وقد مضى وقت طويل قبل أن يكتشف الكاتب أن وصف المناظر مهما تكن الشاعرية في ملاحظتها والبراعة في التعبير عنها ضرب من العبث ما لم تكن ضرورية . أي : ما لم تساعد المؤلف على المضي في قصته ، أو إفادة القارئ بشيء يجب أن يعرفه عن الأشخاص الذين يلعبون دوراً في الرواية . وهذا العيب عرضي ، ولكن هناك عيب آخر يبدو أنه كامن في طبيعة الرواية . فنظراً لأن الرواية تشغل حيزاً كبيراً ، فإن كتابتها تستغرق أسابيع على الأقل وربما شهوراً وأحياناً سنوات . ومن المستحيل أن يظل المؤلف مدفوعاً بشعلة ” الإلهام ” مدة طويلة جداً . وأنا لا أن أستخدم هذه الكلمة إذ أنها تنطوى على شيء من الادعاء عندما تستخدم في مجال النثر ، وأفضل تركها للشعراء . فالشاعر يمارس فناً أرقى من الروائي ، وإن كان يعوض الروائي أن القصيدة معرضة للإهمال ما لم تكن ممتازة جداً ، أما الرواية فقد تشوبها عيوب كثيرة وتظل مع ذلك جديرة بالقراءة . ومع هذا فالروائي يكتب تحت تأثير ، إن لم يكن الإلهام ،  فهو شيء ينبغي أن نطلق عليه اللاشعور ، لعجزي عن إيجاد كلمة أفضل . ونظراً لأنه اصطلاح غامض غير محدد المعنى تماماً فإنه يعبر بمهارة عن ذلك الشعور الذي يحسه المؤلف : فهو في أوج نشاطه لا يعدو أن يكون وسيلة ، فهو يكتفي بأن يجري القلم على الورق يكتب فعلاً ما يملى عليه . إنه يكتب أشياء لم يكن يدري أنه يعرفها ، وأفكاراً سعيدة ترد إليه من حيث لا يدري . وتزوره خواطر غير متوقعة مثل ضيوف في لحظات مفاجآت . ولا أظن أن هذا ينطوي على غموض كبير . فهذه الخواطر غير المتوقعة هي بدون شك ثمرة تجارب مرّ عليها زمن طويل . بينما تنبع الأفكار السعيدة من تداعي الأماني ، أما الأشياء التي ظن أنه لا يعرفها من قبل فكانت مختزنة في قاع الذاكرة . ويدفع اللا شعور بكل هذا إلى السطح فيتدفق بحرية من القلم إلى الورق . لكن اللا شعور عنيد ومتذبذب ، ولا يمكن إجباره . والإرادة لا تستطيع أن تستحثة على العمل ، إنه كالريح التي تهب حيثما يحلو لها ، الأمطار لا تفرق بين العادل والظالم . ولدى الكاتب المدرب طرق متنوعة يغري بها اللا شعور حتى يخف لنجدته – ولكن اللاشعور يظل أحياناً على عناده . وكثيراً ما يحدث هذا عندما يترك الكاتب يواجه وحده عملاً يستغرق وقتاً بالضرورة . ولا يسع الكاتب إلا أن يلجأ إلى المثابرة والدأب معتمداً على كفاءته . فإذا استطاع بهذه الوسائل الاحتفاظ باهتمام القارئ حقق المعجزة .

وعندما أفكر في عدد العقبات التي يصادفها الروائي وعدد المطبات التي عليه أن يتجنبها لا أدهش حين أجد أن أعظم الروايات تفتقر إلى الكمال وإنما أدهش لأنها خالية من العيوب . ومن أجل هذا يستحيل اختيار روايات على أساس أنها الأفضل . وأستطيع أن أعد قائمة بعشر روايات أخرى ذات ملامح مختلفة تؤهلها لأن تضارع العشر الأولى : أنا كارنينا ، الجريمة والعقاب ، بيتي ابنة العم ، دير بارم ، إغراء ، ترسترام شاندي ، معرض الغرور ، جيل بلاز ، السفراء ، ميدلمارش . وأستطيع أن أعرض أسباباً وجيهة لهذا الاختيار وأسباباً وجيهة أيضاً لاختياري للروايات التي ذكرتها الآن . وهذا كان اختياري حرفياً .

ويبدو أن القراء أرادوا في الماضي أن تكون الروايات طويلة جداً ، وكثيراً ما كان المؤلف يجهد نفسه ليقدم للمطبعة أكثر مما تتطلبة الروايات التي يريد أن يسردها ، وقد هداه تفكيره إلى طريقة سهلة لتحقيق هذا الغرض ، فكان أن أدمج في رواياته قصصاً قد تبلغ من الطول ما يجعلنا نسميها روايات قصيرة ولم يكن لها أدنى صلة بالموضوع الأصلي ، وفي أحسن الأحوال تلصق بالموضوع دون مبرر كبير .

ولا يوجد كاتب استطاع أن يفعل ذلك في جرأة تضارع ما فعله سرفاتس في ” دون كيشوت “، وقد اعتبر هذا الحشو دائماً نقطة سوداء في هذا العمل الخالد ، ولا يمكن قراءة الرواية الآن إلا بصبر نافد . ومن أجل هذا هاجم الناقد المعاصر سرفانتيس . وقد حاول في الجزء الثاني من كتابه تجنب هذه العادة الذميمة ، فقدم ما يمكن أن نعده من المستحيلات ، ملحقاً أفضل من الجزء الأصلي . ولكن هذا لم يمنع الكُتاب من بعده – الذين لم يقرأوا النقد بلا شك – من استخدام هذه الطريقة المريحة حتى لا يتسنى لهم أن يقدموا لباعة الكتب كمية من الصفحات تكفي لاعداد مجلد يمكن بيعه . وفي القرن التاسع عشر استحدثت طرق جديدة في النشر عرضت الروائيين لإغراء جديد . فالمجلات الشهرية التي تخصص كثيراً من صفحاتها لما يعرف تجاوزاً بالأدب الخفيف لاقت نجاحاً عظيماً ، وبهذا أتاحت الفرصة للروائيين لتقديم أعمالهم للجمهور في شكل حلقات مسلسلة تعود عليهم بالربح ، وفي نفس الوقت وجد الناشرون أن من الأفيد لهم نشر روايات الكتاب الرائجين في أعداد شهرية . وفي الحالتين يتعاقد المؤلفون على تقديم كمية معينة من المادة القصصية لملء عدد معين من الصفحات . وقد شجعتهم هذه الطريقة على السخاء والتشعب في الكتابة . وفي فرنسا ، حيث كان للسطر حسابه ، لم يتردد الكتاب في كتابة أكثر ما يمكن من سطور . فقد كانوا يعملون وعليهم أن يكسبوا عيشهم ، وحتى مع ذلك لم يكسبوا الكثير . وذات مرة عندما سافر بلزاك إلى إيطاليا وبهرته ( ومن لم تبهره ؟) اللوحات التي رآها ، قطع تسلسل الرواية التي كان يكتبها حينئذ ليقحم كلاماً لا يعدو أن يكون مقالاً عن هذه اللوحات . ونحن نعرف من اعتراف كتاب السلاسل أنفسهم ، بل وأفضلهم من أمثال ديكنز ، وثاكري ، وترولوب كيف أنهم كانوا يحسون بعبء ثقيل وهم يضطرون إلى تقديم حلقة معينة في موعد محدد . فلا عجب أن لجأوا إلى عمليات الترقيع ، ولا عجب أن حملوا قصصهم أحداثاً مناسبة . وذات مرة أبلغ رجال المطبعة ديكنز أن سلسلته الشهرية تنقص صفحتين أي ست عشرة صفحة بخط يده ، ولهذا اضطر إلى الجلوس إلى أوراقه ونسخ هذه الصفحات بكل ما استطاع من جهد . وكان خبيراً في هذا النوع من الكتابة ، ومن الواضح جداً أنه لو كان ما وضعه في هذه الصفحات الست عشرة ضرورياً في صميم هذا الجزء من قصته لكان قد كتبه منذ البداية .

ولكن ليس هناك ما يدعو القارئ لاحتمال عيوب الرواية سواء كانت هذه العيوب كامنة في الشكل أو راجعة إلى ضعف الروائي ، وسواء راجعة إلى موضة العصر أو طريقة النشر . والرجل العاقل لا يقرأ الرواية كعبء يجب أن يؤديه ، إنه يريد أن ينسى نفسه . وهو على استعداد لتوجيه اهتمامه إلى الشخصيات وكيف تتصرف في مواقف معينة  وما الذي يحدث لها . وهو يتعاطف مع مشكلاتهم ويفرح لفرحهم ، وهو يضع نفسه مكانهم ، بل ويعيش حياتهم إلى حد ما . إن آراءهم في الحياة وموقفهم في موضوعات التفكير الإنساني الكبرى – سواء عبر عنها الروائي بكلمات أو الحركة – كل ذلك له رد فعل في نفس القارئ ، قد يكون دهشة أو غبطة أو حنقاً ، غير أنه يعرف بالغريزة أين يجد بغيته فيمضي إليها مثلما يتبع كلب الصيد رائحة ثعلب ، ولكنه أحياناً يفقد بسبب هذه الرائحة فضل الكتاب ، فيأخذ في التخبط حتى يعثر عليها ثانية ، إنه يتخطى بعض الصفحات .

كل إنسان يتخطى الصفحات ، لكن ليس من السهل تحقيق هذا دون خسائر . وكل ما أعرفه أن التخطي قد يكون هبة من الطبيعة أو شيئاً يجب اكتسابه بالخبرة . وقد كان دكتور جونسون يتخطى الصفحات بعنف . ويحكي لنا بوزويل كيف كان من السهل على جونسون أن يلتقط فوراً ما هو قيم في أي كتاب دون الحاجة إلى بذل الجهد في متابعته من بدايته إلى نهايته . ولكن لا شك أن بوزويل كان يشير إلى المعلومات . أما إذا كانت قراءة الرواية عبئاً فمن الأفضل عدم قراءتها على الإطلاق . لكن بالنظر إلى العيب الجوهري في شكل الرواية لسوء أو لضعف المؤلف أو طرق النشر فإنه لا يوجد لسوء الحظ سوى روايات قلائل يمكن أن تقرأ من البداية إلى النهاية بمتعة لا تخمد أبداً . وقد يكون تخطي الصفحات عادة سيئة ، غير أن القارئ يضطر إليه اضطراراً . ولكن ما إن يبدأ القارئ في التخطي حتى يصعب إيقافه وبذا قد يفقد الكثير مما يكون في قراءته فائدة له .

ويبدو أن القراء فيما مضى كانوا أكثر صبراً من قراء اليوم . كانت وسائل الترفيه محدودة . وكان لديهم الوقت الكافي لقراءة روايات تبلغ من الطول ما نعده اليوم شاذاً . ومن الجائز أنهم لم يكونوا يضيقون بما يقطع مجرى الحكاية من اسطراد وحشو . لكن بعض الروايات التي تعاني من هذه العيوب تعد من بين أعظم الروايات التي كتبت على الإطلاق . ولهذا فمن المؤسف أن يقل قراؤها شيئاً فشيئاً . ومن أجل حث القراء على قراءة هذه الروايات أعددنا هذه السلسلة وقصدت في هذه المحاولة إلى أن أحذف من هذه الروايات العشر كل ما يخرج عن القصة التي أراد المؤلف أن يحكيها والتي تعرض لأفكاره الملائمة كما تعرض بصورة مناسبة الشخصيات التي أبدعها . وسيصيح بعض دارسي الأدب وبعض الأساتذة والنقاد أن تشويه إحدى الروائع أمر بشع وأنها يجب أن تقرأ كما كتبها المؤلف . ولكن هل يفعلون ذلك حقاً ؟ أعتقد أنهم يتخطون ما لا يستحق القراءة ويبدو أنهم دربوا أنفسهم على تخطي الصفحات لصالحهم . لكن معظم الناس لا يملكون هذه المقدرة . لذا فمن الأفضل بالتأكيد أن يتولى هذه المهمة عنهم أحد المتذوقين القادرين على التمييز بين الغث والسمين .وإذا أتقن هذا العمل استطاع بذلك أن يقدم للقارئ رواية يستطيع أن يستمتع بقراءة كل ما فيها .

ولقد قال كوليردج عن دون كيشوت إنه كتاب يقرأ قراءه كاملة مرة واحدة . أما في المرة الثانية فيمر القارئ على بعض صفحاته فقط . ولعله يعني بذلك أن بعض أجزاءه مملة ، بل وتافهة ، بحيث يمكن القول بأنها مضيعة للوقت لو قرأت هذه الأجزاء مرة أخرى . إنه كتاب عظيم وهام ويجب على طلاب الأدب المتخصص دون شك قراءته قراءة كاملة ( وقد قرأته أنا نفسي ثلاث مرات من الغلاف للغلاف ) لكني لا أظن أن القارئ العادي ، القارئ الذي يقرأ للمتعة ، يفقد شيئاً إذا هو لم يقرأ الأجزاء الهزيلة من هذا الكتاب . من المؤكد بأنه سيستمتع أكثر بأجزاء الرواية التي يدور فيها السرد مباشرة حول المغامرات والحوار بما فيها من متعة وقوة تأثير والتي تدور حول الفارس الرقيق وتابعه الواقعي . وهناك رواية أخرى هامة بلا شك ولكننا نتردد في القول بأنها عظيمة وهي رواية ” كلاريسا ” لصمويل ريتشاردسن التي بلغت من الطول حداً يعجز عنه قراء  الروايات اللهم إلا أكثرهم إصراراً . ولا أعتقد أني كنت سأعد نفسي لقراءتها أبداً لو لا أني صادفت نسخة ملخصة منها . وكان التلخيص من البراعة بحيث لم أشعر بأنني فقدت شيئاً .

لا غضاضة في الحذف . ولا أظن أن هناك مسرحية أخرجت ولم يحذف منها قليل أو كثير أثناء البروفات . وكان ذلك في صالحها . ولا أعرف سبباً يوجب عدم خضوع الرواية لنفس العملية والواقع أننا نعرف أن معظم الناشرين لديهم محررون يتلخص عملهم في القيام بهذه العملية بالذات . وفي معظم الأحوال يكون ذلك في صالح الكتاب الذي يتناولونه . وإذا أقبل القراء على قراءة الروايات العظيمة في هذه السلسلة ، ولم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا بعد حذف ما يمكن وصفه بسقط المتاع ، فقد أثمرت جهود الناشرين والمحررين . ذلك أن القراء لن يفقدوا شيئاً ذا قيمة . ولما كانت هذه المجلدات لا تحوي إلا كل ما هو ذا قيمة فسيجدون فيها متعة فكرية كاملة . 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً