عروستي

11059664_435317866648934_196173330442993955_n

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كان ذلك في ذات صباح خريفي تناثرت فيهُ بقايا ذرات المطر على جدران بيوت الجالوص القديمة، وتكللت فيه أوراق الأشجار بقطرات الندي النقية الصافية، وأختلط الهواء النقي الخالي من الأغبرة بعبق الأشجار وعبير الأزهار المتفتحة لتوها ورائحة الطين عشق الطفولة، أسابق ميعاد اللعب بغمس حبات اللقيمات في كوب الحليب الساخن علهُ يبرد قليلاً، خلال ثواني معدودة أتناول الحليب والتهم ما بداخلهِ من لقيمات واضعاً إياه فارغاً، ثم أخرج حافياً بسرعة وتوق طفولي للعب، انحني يساراً وأتسلل خلسة إلى البيت المجاور لبيتنا بعد أن أدفع الباب الموارب بهدوء كما لص منتصف الليل، أجلس خلف باب الخشب الكبير مباشرة كما المتسول في ليلة شتاء باردة، أعتدت فعل ذلك كل صباح عندما تتأخر “لُولًة” عن الخروج إلى المدرسة حيث كنا نذهب سوياً، أو حينما أريد اصطحابها إلى الدكان لنشتري حلاوة “كوجاك”.

تستقبلني شقيقة لولّة الكبرى كعادتها:

جاي تسوق عروستك مش ؟

رغم براءة الطفولة، رغم أن عروسة كانت لا تعني حينها أكثر من بنت من الجيران تذهب معها إلى المدرسة والدكان، وتلعب معها “دس دس” و”الحجلة” و”اريكاء عمياء” وتتشاجر معها أحياناً إلا أن الكلمة كانت كافية لتثير بعض الحياء الطفولي كلما ترددت على مسمعي، أهرب ببصري إلى أسفل حيث جيوش النمل “ابوريش” تمشط الأرض المبتلة ذهاباً وجيئة نقلاً للغذاء بهمة ونشاط لا يتوفران خلال كل العام إلا في فصل الخريف. كنت أفضل من لولّة في ذلك ،هي كانت تجري باكية عندما يداعبها أشقائي كوني عريسها لتنتظرني خلف عمود الكهرباء الماثل أمام منزلنا، أخرج إليها لنمارس شغفنا الطفولي باللعب لأطول فترة من الزمن يومياً .

تأتي مسرعة، كأنها تحس بوجودي. نخرج إلى الشارع بشوق كبير لنلعب بالطين والماء العكر ولنستمتع ببعض الحرية الممنوحة لنا، الحرية التي لم تكن تعني لنا حينها إلا حرية اللعب بالطين، و شرب الشاي الأحمر والقهوة، وسف السكر، والكتابة بالقلم السائل، وتناول الغداء مع الضيوف، ورغم أننا كنا محرومين من أغلب تلك الحقوق إلا أن حرية اللعب بالطين كانت مكفولة بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى المساس بالأمن القومي.

نختار مكاناً قصياً نبتعد فيه عن باقي أطفال الحي المنغمسون في الطين من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم بدرجة يصعب معها تمييزهم عن الجدران الطينية المجاورة إلا بحركتهم الدءوبة، كانوا يبدون مثل تماثيل الطين المتحركة كأنهم خُلقوا حينها ونفخت فيهم روح الحياة تواً. نتجنب مكان به كتلة قذارة تجمعت حوله عدد كبير من خنافس “أبو الدرداق” والتي تؤدي عملها بجدية في دفع كتل القذارة الدائرية أمامها، أستغل المناسبة لأسرد ل”لولّة ما كانت تحكيه لنا “حبوبة” عن قصة ابودرداق، أحكي لها عن أنه:

” كان يا مكان في قديم الزمان حدث أن هام ابوالدرداق بعشق القمرة وتيم بحبها، إنتظر يوماً إنتصاف الشهر القمري ليصارح قمر أربعتاشر بحبه لها وينقل رغبته في الزواج منها، فوافقت القمرة على الاقتران بابوالدرداق ولكنها أعطته شرطاً بدا صعباً، إن أرضكم البعيدة تلك ممتلئة بالقاذورات التي يضعها الإنسان والحيوان فان لم تقوم بتنظيفها فإنني لن أستطيع النزول عن علوّي إلى حيث قذارتكم للاقتران بك، ومنذ ذاك الزمان صار أبو الدرداق يقوم بدردقة القاذورات وجمعها تحت الأرض لتنظيفها مدفوعاَ بابتسامات القمرة وضحكاتها خلال دورتها الشهرية، ممنياً نفسه بأن تزفه النجوم يوماً ويعقد الشمس قرانه يوماً على حبيبته القمرة”

ثم أضيف :

“حبوبة قالت لينا ما تختو وساختكم برة عشان ابوالدرداق يعرس القمرة بي سرعة.”

نقوم بدردقة الطين من حافة “موية المطرة” كما ابوالدرداق تماماً، نبني بيتاً كبيراً ونحيطه بسور عالي، أصنع عربة كبيرة بأرضية صلبة من الطوب الأحمر المحروق، وتصنع هي أطفالاً صغار عيونهم من حبيبات الرمل البيضاء، وشعر رؤوسهم من صوف جلد الماعز ،وتلبسهم فساتين وأقمصة ملونة مصنوعة من قطع قماش مستطيلة تقوم بعمل فتحة صغيرة في منتصفها كمدخل للرأس ثم تقوم بربطها بخيط رفيع عند منطقة الحزام بعد إلباسها للطفل الطيني، نصنع الحلة والكانون والكفتيرة وصاج الكسرة، وخلال دقائق معدودة يحسدنا عليها ابوالدرداق وحبيبته القمرة يكتمل بناء المنزل بكامل فرشه ويكتمل تكوين الأسرة بالعريس والعروس والأطفال النائمون بلا حركة على أسرّة طينية، ثم تهمّ لولّة بوضع الحلة على النار لإعداد وجبة الفطور، وفي تلك اللحظة تبرز شقيقتي الكبرى من خلف باب منزلنا وتنادي مؤشرة ناحيتنا:

يا أولاد تعالوا الفطور .

نجيب ب:

“كويس”.

تعيد رأسها إلى داخل المنزل متوارية ونعود نحن إلى اللعب وصنع فطورنا الخاص، أقوم بجمع بقايا البصل والبطاطس من كوم الأوساخ الموضوع أمام منزلنا لتقوم هي بتقطيعها بواسطة موس حلاقة قديم ووضعها داخل علبة الصلصة الموضوعة فوق الكانون المصنوع من الطين .

تبرز شقيقتي من جديد بعد عدة دقائق:

يااااا أولاد ما سامعين؟

ياخي بطلوا اللعب وتعالوا أفطروا .

أقوم من مكاني مخلوعاً :

خلاس جايين.

 تعود هي إلى الداخل مرة أخرى وأعود لأجلس تحت إلحاح لولّة ومتعة اللعب بالطين :

دقايق بس ننزل الملاح من “النال ” وبعداك نمشي..!!

أجلس بالقرب منها، أتابعها باهتمام وهي تقوم بخلط الملاح بواسطة عود صغير استخدمته كمفراكه، نغوص عميقاً في ثنايا الحلة وملاح البطاطس ولا نستفيق إلا على صوت أختي الغاضبة وضربات المفراكة الصلبة على أجسادنا الهزيلة اليانعة :

“أنتو الكلام ما بتسمعوه اااااه يلا جوة” .

توزع أختي الضربات على جسدي وجسد نور بقسوة وتقوم في نفس اللحظة بتدمير المنزل والعربة ودلق ملاح البطاطس على الأرض.

“يلا …!!

 بلا طين بلا كلام فارغ معاكم يلاااااااا”

ثم في لحظة مؤلمة تطأ برجليها اللتين ترتديان حذاء بلاستيكي على الأسرّة الطينية وتدوس على الأطفال الأبرياء النائمين فيتحولون خلال ثواني إلى جثث مسطحة هامدة.

كم كانت قاسية أختي.!!!

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

لا تعليقات

  1. كم كانت قاسيه!!

  2. كم كانت قاسيه!!

  3. استاذ سانديوس حقآ انت رائع

  4. استاذ سانديوس حقآ انت رائع

اترك تعليقاً